البيئة المدرسية والأسرية غير المشجعة تعيق تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها

تم نشره في الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً

 

منى شكري

عمان- تواجه الأسر العربية القادمة من دول أجنبية، بقصد الاستقرار في البلاد، أو بعض الأسر التي يقترن فيها الأب بزوجة أجنبية، مشكلة تعلم أبنائها للغة العربية وإجادتها: قراءة وكتابة.

ويجْهد الأهل في البحث عن الوسائل الناجعة، بدءاً من البحث عن مدارس تقدّم لأبنائهم الاهتمام والرعاية، مروراً بوضع مدرسين خصوصيين في سبيل ضمان التحسن بسرعة، متحملين نفقات مالية تثقل كاهلهم.

تروي أم بسام قصة ابنها، مشيرة إلى أنه أب لولد و4 بنات مضيفة "جاء ابني السنة الماضية من أميركا، بقصد الاستقرار وأسرته، وعمل على تسجيل الأولاد في مدارس خاصة، الولد (16 عاما) والبنت (17 عاما) سجلهما ضمن البرنامج البريطاني، أما الـ3 بنات - وهن في الصفوف الأساسية - فسجّلهن في مدرسة تشتمل على برنامج يدرّس الناطقين بغير العربية".

وتلفت أم بسام أن "البنات في المرحلة الأساسية لم يستفدن" مبينة أن التحسن "بطيء جدا".

"وتحت ضغط الرسوم المرتفعة، وعدم تكيف الأولاد مع المجتمع، وصعوبة تعلم اللغة العربية، فلا فائدة ترجى منهم، قرر الابن مستسلماً أن يعود من حيث أتى" وفق أم بسام.

بيد أن التجربة مختلفة مع أنس الشلبي، وهو أب لولد و3 بنات، حيث عاد إلى الأردن قادما من ولاية فلوريدا، وكان قرار العودة إلى الوطن من أجل تحسين لغة الأولاد ومحافظتهم على العادات والتقاليد العربية والإسلامية.

ومنذ قدومهم منتصف شهر آب حتى هذه اللحظة لاحظ الشلبي تحسناً على لغتهم، من حيث القراءة والكتابة بشكل كبير، مُحيلاً ذلك إلى اهتمامه ومتابعته، مؤكداً كذلك على دور المدرسة، والمعلّمة الخاصة التي تتابعهم.

وفي نفس السياق تروي مادلين بدوان، الطالبة في الصف الثامن تجربتها، التي تصفها بـ "الناجحة"، مبينة أنها قدِمت من ألمانيا والتحقت بصفوف الناطقين بغير اللغة في إحدى المدارس الخاصة، ومكثت ضمن هذا البرنامج سنة و3 أشهر لتنتقل بعدها للصف الثامن مع بقية الطالبات.

وتضيف بدوان "في البداية كرهت المدرسة لحبي لألمانيا وصديقاتي هناك" إلا أنها ترى أنه بفضل المعاملة الحسنة التي تلقتها من المعلمات بالإضافة لدعم الأهل، أحسّت بالاستقرار، مبينة أن أهم هدف لعودتها كان حبها تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم.

وبخصوص التدريس الخصوصي تشير إلى أنها لن تتشجع لفكرة والديها، رائية أن المساعدة أمر جيد، مستدركة أن ذلك يكون بغياب الإرادة التي ترى أنها تمتلكها، مؤشرة على ذلك بالقدرة على الدراسة وحدها ومتابعة ما تتلقاه في المدرسة من واجبات يومية.

وتكمل بدوان "المنهاج ليس بالصعوبة الشديدة فبمزيد من الجهد تسير الأمور على ما يرام، كنتُ الأولى على صفي في ألمانيا، أما الآن فعلاماتي وسط وسأعمل على الاجتهاد أكثر".

بيد أنها تشكو حال أخيها ذي الـ9 أعوام، لقولها إنه لم يستوعب إلى الآن فكرة استقرار العائلة هنا، وتعلمنا باللغة العربية، مشيرة إلى أنه دائم السؤال عن زمن العودة إلى ألمانيا.

رئيسة قسم البرامج الأجنبية في التربية الخاصة خولة الساحوري تشير إلى قلة المدارس الخاصة التي تقدم برامج خاصة لغير الناطقين باللغة العربية حتى يتمكنوا من الالتحاق بزملائهم، مبينة أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعددها.

وتقول إن هناك مدارس تقدم برامج أجنبية يلتحق فيها الطلبة ممّن يستسهلون اللغة الانجليزية، فيختصرون على أنفسهم جهد تعلم اللغة العربية، منوهة إلى أن تلك البرامج لا تختص بالناطقين بغير اللغة، وإنما هنالك من هم "من أهل البلد" ويلتحقون بها.

وتشير الساحوري إلى "أن الرسوم تتفاوت بين تلك المدارس التي تقدم هذه البرامج لغير الناطقين بالعربية بحسب الخدمات التي تقدمها" مبينة أنه كلما كانت الخدمات أفضل ارتفعت الرسوم.

وتشدد على أن "مواد الهوية الوطنية ومباحث الثقافة العامة المشتركة هي مواد إجبارية وعلى طالب البرامج الأجنبية دراستها؛ لأنها ضرورية لمعرفة اللغة العربية وتاريخ وحضارة البلد".

إيمان البشايرة، المعلمة لغير الناطقين باللغة العربية في المدارس العمرية، تشرح الآلية التي يتم اعتمادها في توزيع الطالبات ضمن برنامج الناطقين بغير العربية، وتقول "نقوم خلال أسبوعين بتقويم أداء الطالبات من خلال مهارات الاتصال: القراءة والكتابة والمحادثة والاستماع".

وتبين أن تلك الآلية تتيح تحديد مستوى كل طالبة والحصيلة اللغوية لديها، مضيفة أنه بعد ذلك يتم توزيعهن إلى مجموعات تأخذ مستوى دراسيا واحدا، وعندما يتحسن مستوى الطالبة يتم ترفيعها إلى مستوى ثانٍ.

البشايرة ترى أن تسمية المدرسة لهذا البرنامج بـ (العربيات) "يعمّق إحساسهن بانتمائهن للغة، ويخفّف من شعورهن بالاغتراب".

أستاذ علم النفس والمدرب المعتمد في مجال التنمية البشرية باسل الحمد يذهب إلى أن اللغة مكون أساسي للذات وتعطي بعدا لها، مضيفا أنها أداة تفكير وتواصل.

ويضيف "نفكر باللغة وكل مكنوناتنا النفسية نعبر عنها عن طريق اللغة"، رائيا أنه إذا كانت اللغة مضطربة ومشروخة، فذلك يعني أن الهوية بالمعنى والوجود النفسي مضطربة.

ويلفت إلى أن الانتقال بين لغة وأخرى يخلخل الذات، مطالباً الأهل بالمحافظة على اللغة الأصلية للأبناء.

ويفسر الحمد سبب الصعوبات التي تواجه هؤلاء الطلبة بـ"ضعف البرامج التي تقدَّم لهم والتي من واجبها أن تحببهم في تعلم اللغة العربية وتخفف عنهم عبء الانتقال".

ويعلق بذلك أن تعلم لغة جديدة صعب ويصبح أكثر صعوبةً حين يترافق مع واجبات مرهقة ومناهج قاصرة وبيئة جديدة لا يحسن الطالب التكيف معها، مبينا أنهم يحتاجون إلى فترة زمنية حتى يتأقلموا، معتبرا أنه كلما كان الطالب أصغر سناً كان التقبل أكثر.

ويتابع الحمد "يعتمد نجاح تجربة تعلم اللغة العربية للأبناء في الدرجة الأولى على الأهل فعليهم تشجيعهم وتوفير بيئة آمنة لهم خالية من المشاكل الأسرية".

وتتفق البشايرة في بحث إجرائي قامت به على شريحة من الناطقين بغير اللغة العربية مع ما ذهب إليه الحمد في أنّ من الصعوبات الاجتماعية التي تواجه الطالبات عدم قدرتهن على التواصل مع زميلاتهن ومعلماتهن لضعف اللغة العربية لديهن.

وتؤكد على أن "اهتمام الأهل ومتابعتهم لأبنائهم يعززان محبتهم للغة ويسرّعان من تعلمهم وقدرتهم على التكيف في البيئة الجديدة".

إلا أن الحمد يجد أن من أكبر السلبيات التي تواجه غير الناطقين بالعربية، العيش في بيئة غير مشجعة على تقبل اللغة العربية، معتبرا أن ذلك يكمن في عقدة النقص تجاه المستعمر.

ويرى أن قضية اللغة لم تحسم بشكلها وإطارها الصحيحين، منوها إلى ارتباط اللغة الأجنبية اجتماعيا كأداة للتميز الطبقي، أما اللغة العربية فهي نقيصة أو ناقصة. فالخلل الأساسي في بنية لا تحترم اللغة العربية.

وتعتقد البشايرة أن على المدرسة عمل لقاءات مستمرة مع الأهل لتعزيز المبادئ الدينية، وبيان مقدار أهمية تعليم اللغة العربية، والتركيز على إيجابيات وجودهم في بلد عربي ومسلم.

وتضيف أن عليها أيضا توفير بيئة مدرسية وصفّية مناسبة ومماثلة للبيئة التي جاء منها هؤلاء الطلبة، معتبرة أن ذلك يبعد عنهم الشعور بالفرق مع زملائهم الجدد.

ويعود الحمد على التأكيد بضرورة إعداد برامج خاصة لتقوية الناطقين بغير اللغة العربية، لرأيه أنه في وجود برامج غير محكمة يرِث أولئك الطلبة أخطاء لغوية وإملائية تستمر معهم ولا يمكن تصويبها، وإن تجاوزوا الدراسات العليا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جديد (suria allam)

    الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    تحية لجريدة الغد على موضوع جيد مثل هذا الموضوع نريد مواضيع مختلفة وتناقش مثل هكذا موضوعات تخصنا نحن الاهل والمدرسون
    خبر جديد
  • »جديد (suria allam)

    الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    تحية لجريدة الغد على موضوع جيد مثل هذا الموضوع نريد مواضيع مختلفة وتناقش مثل هكذا موضوعات تخصنا نحن الاهل والمدرسون
    خبر جديد