شيوع "فحص العذرية" رغم حرمته الشرعية

تم نشره في الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • شيوع "فحص العذرية" رغم حرمته الشرعية

 

عمان- دخلت العروس "أمل"، التي لم يمض على زفافها سوى بضع ساعات، إلى المركز الوطني للطب الشرعي في عمان برفقة والدتها وعريسها ووالدته، وعلى استحياء وقعت طلبا لفحص العذرية.

خيم الوجوم على وجوه مرافقي العروس عندما دخلت الى غرفة الفحص لتنضم الى اكثر من مائة وخمسين حالة تم فحصها في مراكز الطب الشرعي في العاصمة وشمال وجنوب المملكة خلال العام الماضي، بحسب قيود رسمية وذلك انصياعا لمواريث مجتمعية بالرغم من مخالفتها للشرائع السماوية والحقائق الطبية لمجرد عدم ظهور علامة العذرية (النزف الدموي نتيجة تمزق غشاء البكارة) عند اول اتصال جنسي. 

وقد يكون الرقم أكثر من ذلك بسبب مراجعتهن لعيادات أطباء النسائية والتوليد الخاصة ولدى القابلات القانونيات حيث أثبتت الدفاتر والسجلات الخاصة بالقابلة القانونية هدى الزاغة التي مارست المهنة على مدى 59 عاما خلال الفترة بين (1941 - 2000 )، اجراءها الفحص لعدد من النساء لا تتجاوز 30 حالة على مدى سنوات عملها برغبتهن وبناء على طلب الزوج، أو ولي الأمر، أو بالطلب من قبل الجهات القضائية.

وأظهرت في الدفاتر الصيغة التي كانت تكتب بها نتيجة الفحص لتقديمها للجهة الطالبة "اشهد أنا القابلة القانونية هدى الزاغة بأني أجريت الفحص والمعاينة اللازمة على الآنسة "...." فوجدتها بنتا بكرا والله شهيد على ذلك".

عودة الى غرفة الانتظار المكتظة جلس زوج أمل، "عامل الطوبار" الثلاثيني، يدخن بعصبية وبجانبه والدته التي جلست على أحر من الجمر لمعرفة سجل العروس قبل الاقتران لمجرد عدم ظهور علامة العذرية عليها بنزفها بعد الاتصال الجنسي, مقابلهما جلست ام العروس وحيدة مطأطئة رأسها وهي تدعو الله: "أن يستر على ابنتها واسرتها وأن لا يفضحهم بين الناس".

وبعد هنيهات "شمخ" الرأس عاليا على صوت الطبيب الذي أعلمها بنتيجة الفحص مؤكدا أن "الغشاء تمزق حديثا". فانفرجت أساريرها.

وأبلغ طبيب الارشاد النفسي الزوج "أن غشاء بكارة عروسته ذو فتحة كبيرة قد لا يسيل معها الدم بالشكل المتوقع"، قبل أن تتعلق عروسه بكتفه متوجهين لعشّهما في مدينة الزرقاء، 25 كيلومترا (شرق عمان).

بالرغم من التقدم العلمي والحضاري الذي شهدته المملكة منذ تأسيسها عام 1921، الا أن هذا التقليد ما يزال منتشرا في الريف والمدينة رغم تحريمه شرعا لأنه يلحق "الاثم بجميع الاطراف المشتركة بإجرائه"، وهم (الزوج والزوجة والطبيب الذي يجري الفحص وتلحقه عقوبة تعزيرية)، من وجهة نظر شرعية يؤيدها مفتش المحاكم الشرعية بدائرة قاضي القضاة عضو اللجنة الاستشارية للدليل القانوني للزواج الشيخ سليم علي المصري, الا ان القانون لا يعاقب أيٍا من اطرافه وكذلك لم تتقدم اي جهة تشريعية للمطالبة بوقف اجرائه.

تبين سجلات المحاكم الشرعية في المملكة خلال الفترة (2002-2006) ان عدد قضايا التفريق بسبب "العنة" بلغت 12 قضية، من إجمالي قضايا التفريق البالغة (4202) قضية علما بأن عقود الزواج وصلت إلى (281981) عقدا.

من جانبه قال عضو المحكمة الكنسية للروم الارثوذكس الخوري سالم مدانات ان عدد الحالات التي تقدمت لابطال الزواج بسبب عدم عذرية الزوجة قليلة جدا، لافتا إلى أنها "لم تتعد حالتين خلال آخر عامين" واللذين شهدا مئات الأعراس.

وأشار الى ان المادة (249) من القانون البيزنطي أعطت الزوجة حق طلب الطلاق إذا كان الزوج (عنيا) أي غير قادر على القيام بمهامه الزوجية لكن بعد مرور ثلاث سنوات من الزواج.

وأوضح الشيخ المصري ان من حق الزوجة التي تعرضت الى اجراء فحص غشاء البكارة اقامة دعوى تفريق للضرر بالمحاكم النظامية في حال شعورها بالإساءة، لما سبب لها النفور من الزوج الذي شكك بعذريتها وجعلها ضحية الاتهامات بسقوطها بالرذيلة فقط لعدم وضوح علامات العذرية، وتعرضها لضغوط نفسية واجتماعية دفعتها الى الموافقة على اجراء الفحص من قبل الطبيب.

وقال "ان المحاكم الشرعية لم تنظر في مثل هذه القضايا إذ لم تتقدم احداهن بدعوى تفريق للضرر والاساءة".

وأكد مستشار الطب الشرعي بالمركز الوطني للطب الشرعي بوزارة الصحة الدكتور هاني جهشان أن الزوجة البالغة الثامنة عشرة من عمرها تتقدم بطلب اجراء الفحص، في الوقت الذي يتقدم به ولي أمر الزوجة (الزوج) بطلب اجراء الفحص لزوجته التي لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها.

وأوضح الشيخ المصري، ان تعريف الزوجة البكر حسب الدليل القانوني للزواج الذي صدر عام 2006 عن دائرة قاضي القضاة والمجلس الوطني لشؤون الاسرة لم ينص على وجود او زوال غشاء البكارة، هي الفتاة التي لم يسبق لها الزواج او تم العقد عليها، ولم يتم الدخول الحقيقي وقصد به "المعاشرة" والتقاء بين انثى ورجل، ولم يقصد به وجود او زوال غشاء البكارة.

وأظهرت دراسة اجراها المركز الوطني للطب الشرعي انه تم اجراء "56 " حالة فحص بيان حالة غشاء البكارة للمتزوجة حديثا على مدى خمس سنوات منها "36 "حالة كان غشاء البكارة سليما كما تضمنت "10" حالات تعاني من تمزقات قديمة قد تكون خسرتها حسب رأي الاطباء الشرعيين بسبب عارض مرضي او عرضي بتعرضها لحادث او نتيجة اتصال جنسي قديم وست حالات أخرى تمزقات حديثة لاتصال جنسي لم يمض عليه اكثر من 36 ساعة، واربع حالات كان غشاء البكارة سليما وبه بعض الكدمات.

"حياة" واحدة من بين 24 حالة على الاقل راجعن مركز الطب الشرعي لاقليم الشمال بوزارة الصحة العام الماضي - بواقع حالتين شهريا - بحسب مديرها الدكتور علي شوتر, ويضم الاقليم محافظة اربد ذات المليون نسمة، ثاني محافظة بعد العاصمة عمان بعدد السكان.

وبين شوتر ان اثبات عذرية الانثى وسلامة غشاء البكارة يتطلب المعاينة خلال ساعات لمشاهدة علامات الإصابة في منطقة الاعضاء التناسلية مثل (نزف، تمزق غشاء البكارة، التكدم، أو وجود حيوانات منوية)، ويصعب إثبات تاريخ زوال العذرية إذا تأخر الفحص لعدة أيام أو أسابيع.

تمتزج مشاعر الفرح بدموع الحزن على محيّا "حياة " وهي تحاول التقاط أنفاسها بعد أن تكسرّت أحلامها في ليلة العمر، وباتت عاجزة من شدّة صفعات شريك حياتها عن الإجابة على سؤال "من أخذ عذريتك!؟".

ظلت هذه العروس الجامعية غارقة بدموعها حتى صباح اليوم التالي، لتكون أول مراجعة تدخل المركز الوطني للطب الشرعي (إقليم الشمال) بمحافظة اربد 80 كيلومترا شمالي عمان, لتخضع "لفحص العذرية"، الذي اثبت ان عذريتها ما تزال موجودة، حسبما استذكرت "حياة".

تملّك "حياة" شعور خاطئ بأن مشكلتها قد انتهت, إلا أن الزوج لم يكتف بقراءة المركز الحكومي وعاود الكرة من جديد بحثا عن مسببات اختفاء "علامة العذرية"، تدفق الدم.

وهكذا يجدّد الضربات لعروسه، ثم يلجأ الزوجان لطبيب خاص، فيؤكد لهما "وجود الغشاء على حاله"، يبقى العريس حانقا حتى يشرح له الطبيب حقيقة علمية تتعلق بنوع (مطاطي) من غشاء البكارة لا تفقده المرأة عند "المعاشرة".

ورغم استياء "حياة" من حادثة "يوم الدخلة" وعدم رضاها عن الحالة الاشكالية التي وضعت فيها كعروس، الا انها تتمسك بشريك حياتها وترفض الانفصال عنه، خوفا من المجتمع ونظرات زملائها بالعمل، فهي تجاوزت العقد الخامس ما دفعها للموافقة أخيرا على عامل دهان موبيليا هربا من "العنوسة"، بحسب قولها.

إجراء فحص غشاء البكارة لا يثبت عذرية المرأة كما يعتقد خطأ، انما يبين أنه لم يمارس معها الجنس بالسابق، بحسب الدكتور جهشان الذي أوضح انه يعود لنوع الغشاء الذي يسمح بحصول المواقعة الجنسية دون أن يتمزق، ولوجود اختلافات بيولوجية طبيعية في التركيب التشريحي لكثافة الغشاء واختلاف قطر فتحته من انثى الى أخرى.

قال اطباء الامراض النسائية ان هناك عدة أنواع لغشاء البكارة.

ودعا الشيخ المصري الجهات المعنية الى وقف اجراء "فحص العذرية" الا بأمر من المحكمة او من خلال تحويل من القاضي للطبيب الشرعي لما قد يسببه من اضرار اجتماعية ونفسية، قائلا انه "ولعدم تقدم اي زوجة بدعوى تفريق للضرر النفسي الناجم عن اجبارها على اجراء "فحص العذرية" لم تتقدم الدائرة ببيان الحكم الشرعي ليصار الى وقفه".

وأكد اختصاصي الطب النفسي الدكتور جمال الخطيب ان اجراء فحص غشاء البكارة يحدث "شرخا بالعلاقة الزوجية" التي تبدأ بداية غير متوقعة للزوجة يولد لديها شعورا بالطعن بشرفها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »!! (الاء)

    الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    ولكن هل الحياة بينهم بعد ذلك طبيعية ؟

    وكيقف تقبل الانثى باستمرار هذا الزواج ؟
  • »!! (الاء)

    الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    ولكن هل الحياة بينهم بعد ذلك طبيعية ؟

    وكيقف تقبل الانثى باستمرار هذا الزواج ؟