أمين صالح: لا دور للأدب في إحداث فعل التغيير الاجتماعي أو السياسي

تم نشره في الخميس 9 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 10:00 صباحاً
  • أمين صالح: لا دور للأدب في إحداث فعل التغيير الاجتماعي أو السياسي

روائي بحريني لا يثق بالنقد المطلق وسلطته

حاورته: عزيزة علي

عمان- يرى الروائي والقاص البحريني أمين صالح أن النقد يكون ضروريا عندما "يسعى إلى خلق حوار مع المتلقي من خلال النتاج الذي يتناوله".

ويرفض صالح، الذي يكتب القصة القصيرة والرواية والسيناريو، اضافة الى اهتماماته بالسينما بشكل خاص، أن "يأتي الناقد وهو يمتلك السلطة المطلقة في نفي العمل الأدبي الفني أو تمجيده وفق مزاجه الخاص أو موقفه الشخصي".

ويقول صالح، الذي كتب قصة وسيناريو أول فيلم روائي في البحرين يحمل عنوان "الحاجز"، بالإضافة إلى العديد من الأعمال التلفزيونية في مجال الدراما والمنوعات "لا يوجد أي تعارض في كتابة الأجناس الأدبية".

ويرى أن لكل كتابة، تقنية ولغة خاصة بها.

* في روايتك "?رهائن الغيب?" رصد لعذابات الإنسان المقهور والمهمش، ما الذي كنت تحاول أن تقتفيه في موضوع العذاب تحديدا؟

- كنت أحاول أن أقتفي مواطئ صبْية أضحوا، مع مرور الزمن، رهائن غيب غامض ومربك، ولا يمكن تحريرهم من ذاك الأسر إلا عبر فعل التذكّر والتخيّل. هكذا تم استحضارهم في أشكال غير ملموسة واقعياً إنما هي مزيج من اليومي والتخييلي، الواقعي والغيبي أو الماورائي. من خلال هؤلاء، وعبر مرحلة تاريخية معينة تشكّل مفصلاً مميزاً في السيرة الذاتية، حاولت أن أسبر وأستكشف أول كل شيء تقريباً: العنف، الجنس، الحب، انفتاح الوعي الاجتماعي، الحس الطبقي، المعرفة، جاذبية الفن.

*أنت تكتب في العديد من الأجناس الأدبية، ماذا تقول لمن يرى أن التنوع في الكتابة يكون على حساب إبداع جنس أدبي محدد؟

- لا أشعر بأي تعارض بين هذه الأنواع أو الأجناس، هي كلها أشكال من الكتابة، لكن تقتضي كل منها تقنية ولغة خاصة بها. هي أشكال أجربها وأخوض فيها بمتعة تضاهي متعة اكتشاف العوالم العجيبة التي تصادفك في رحلة الكتابة.

عندما يكون الشكل الروائي حاضرا بقوة ليستوعب تجربة تشعر بأنها لن تصل إلى الآخر إلا عبر هذا الشكل -الروائي- وحده، فإنك تعمل بتركيز شديد عبر هذا المنحى الروائي، شاحذاً اللغة والتقنية وعناصر السرد، وغير ذلك من الأدوات والوسائل والأساليب، بحيث تنتج في الأخير عملاً روائياً يدهشك قبل أن يدهش قارئك.

كذلك الأمر مع السينما.. عندما أرغب في التعبير سينمائياً عن فكرة ما، رؤية ما، فإنني ألجأ إلى اللغة والتقنية والشروط السينمائية الأخرى التي من خلالها أنتج هذا العمل.

الجوهري هنا أن تعي الفروقات والشروط الفنية لكل مجال أو وسط أو شكل.. وعندئذ لا خوف على طاقاتك من هذا التعدّد والتنوّع، الذي أراه يغني تجربتك ويوسّع أفقك أكثر مما يشتّت طاقتك أو موهبتك.. كما يعتقد البعض.

* لك رأي في النقد تقول فيه: "لا أثق في ?النقد الذي? ?يأتي? ?إلى النص من خارجه"، ألا ترى أن النقد يجب أن يرافق العمل الإبداعي ويضيء جوانبه؟

- النقد يكون ضرورياً عندما يسعى إلى خلق حوار مع المتلقي من خلال النتاج الذي يتناوله، بمعنى أن الناقد لا يأتي إلى النتاج متوهماً امتلاك السلطة المطلقة في نفي العمل الأدبي/ الفني أو تمجيده وفق مزاج خاص أو أيديولوجية ما أو موقف شخصي، بل يأتي إليه بدافع إضاءته ومحاورته والكشف عن خفاياه وأسراره، وذلك انطلاقاً من الحب.. الحب وحده.

النقد الذي يأتي إلى العمل من خارجه، ليفرض عليه تصوراته وأفكاره ورغباته وما ينبغي أو لا ينبغي فعله، من دون أن ينطلق من داخل العمل، من جوهره، من ثناياه وموجوداته، هو نقد يصعب الاطمئنان إليه والثقة فيه.. هذا ما كنت أقصده.

* كيف تنظر إلى تجربتك وتجربة جيلك من المبدعين البحرينيين خصوصا في مجال الرواية؟

- عندما نستعرض أسماء من يكتبون الرواية في البحرين: محمد عبد الملك، عبدالله خليفة، فوزية رشيد، عبد القادر عقيل، فريد رمضان، جمال الخياط، حسين المحروس.. نلاحظ تعدّد وتنوّع العوالم والأساليب والرؤى.. هذا التنوّع يعطي للتجربة الروائية زخماً وحضوراً بارزاً، وما على النقد الرصين إلا أن يتريث أمام هذه الكتابات، ويوفيها حقها من البحث والدراسة والتأمل، ليكتشف الكامن والعميق والجوهري.

* كيف تنظر إلى دور الأدب وهل يمكن أن يقوم بعملية تغيير في المجتمعات؟

- لا أعتقد أن للأدب أي دور في التغيير الاجتماعي والسياسي، أو ربما يُكلّف بهذا الدور لكنه لن يستطيع تأديته، لأن هناك جهات ووسائط أخرى أقدر على إحداث فعل التغيير.

قلت ذات مرّة: الكتابة، وكل الأشكال الفنية، لا تقدر أن تغيّر الواقع. قد تقول للإنسان شيئا عن واقعه، عن معنى ذاته ووجوده، أن تعمّق وعيه، وأن تصقل حسه الجمالي. وإذا استطعت أن تحقق بالكتابة بعضا من هذا، فإنك تكون قد أنجزت شيئاً له قيمة وأهمية. عبر الكتابة، تحاول أن تتصل بالآخرين، لكنه اتصال على المستوى الإبداعي، بمعنى أن تتوجّه إلى قارئ واعٍ وثريّ المخيلة.

*ما رأيك فيما يطلق عليه بالانفجار الروائي الذي تكتبه المرأة؟ وكيف تنظر إلى هذه الرواية؟

- شخصياً، عندما أقرأ الرواية، لا تعنيني كثيراً جنسية أو هوية كاتب الرواية. إن يكون منتج العمل رجلاً أو امرأة فذلك أمر هامشي، غير مؤثر، في طريقة قراءتي للعمل، أو تفاعلي معه، أو في تقييمي له. ولا أعتقد أن التحيّز العاطفي أو الاجتماعي وارد في هذا المجال. إن ما يعنيني، في المقام الأول، هو مدى عمق الرواية، جدّتها، حساسيتها الجمالية، أبعادها الرؤيوية، لغتها، وإلى أي حد هي تلامس الشغاف.

لا شك أن السنوات الأخيرة، في عدد من الأقطار العربية، شهدت طفرة في توجه المرأة إلى الرواية للتعبير عن دواخلها أو واقعها الاجتماعي والسياسي.. هذه الطفرة قد تثري المناخ الثقافي أو تسيء إليه بشكل من الأشكال. لكن هذا لا يهمني (فلست ناقدا ولا باحثاً)، إن ما يثير اهتمامي حقاً هو أن أقرأ رواية جميلة وعميقة وممتعة، بغض النظر عن هوية كاتبه.. أما الأشياء الأخرى فهي هامشية، عرَضية، زائلة.. وهذه الأمور لن تشغل بال ووقت الأجيال القادمة.

* بما أنك تكتب في النقد السينمائي، هل توجد في البحرين بنية سينمائية؟

- لا، لا توجد تلك البنية التي تجعل من صنع الأفلام أمراً قابلاً للتحقق من دون صعوبات جمة، ومن دون انتظار وقت طويل حتى تتوفر المادة والإمكانيات وغيرها. لدينا، هنا في البحرين، محاولات سينمائية فردية، متعثرة إنتاجيا، تشكو من غياب الدعم والتمويل.

لكن من يعلم ما الذي يدخره لنا المستقبل، قد يحدث أن تنشط التجارب السينمائية وتفرض حضورها، ومن ثم تشجع القطاعين، العام والخاص، على دعم وتمويل هذه التجارب.. من يدري؟ لكن لا بد، الآن، من حث وتحريض وتشجيع أي محاولة شابة لكي تنهض وتتخلق، فليس من مصلحة أحد أن يحبط هذه المحاولة بدعوى انعدام الاهتمام العام، وغياب البنية التحتية، أو أي سبب آخر.

يذكر أن الروائي أمين صالح أصدر جملة من الكتب منها: "هنا الوردة"، هنا نرقص" في العام 1973، "الفراشات" في العام 1977، "أغنية ألف صاد الأولى" في العام 1982، "الصيد الملكي" في العام 1982، "ترنيمة للحجرة الكونية" في العام 1994، السينما التدميرية- تأليف أموس فوغل- "ترجمة"، "الطرائد" في العام 1983، "ندماء المرفأ، ندماء الريح"، مجموعة نصوص في العام 1987، "العناصر" في العام 1989، اضافة الى "الجواشن"- نص- الاشتراك مع الشاعر قاسم حداد" في العام 1989.

التعليق