الفن والعلاقات السياسية بين مصر والأردن خلال أربعينيات القرن الماضي

تم نشره في الجمعة 26 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • الفن والعلاقات السياسية بين مصر والأردن خلال أربعينيات القرن الماضي

وثائق تاريخية

 

الدكتور سعد أبو دية

عمان - في صيف عام 1941 زادت النشاطات السياسية في سورية وبدا موضوع الهجوم على حكومة (فيشي) في سورية مسألة وقت. بدأ الجنود الفرنسيون في حكومة فيشي في سورية يهربون للأردن وأصبح الوقت مناسباً للقيام بعملية طرد قوات (فيشي) من سورية.

ملاحظة: قوات فيشي في سورية تابعة لحكومة فيشي في فرنسا، وهي تلك التي شكلتها ألمانيا في فرنسا بعد احتلالها وأصبحت بعض مستعمرات فرنسا تابعة لهذه الحكومة.

المعتمد البريطاني في عمان والتحضير للهجوم على سورية:

تلقى المعتمد البريطاني في عمان السير (اليك كيركبرايد) تعليمات بالتحضير للهجوم على سورية، وأن يمهد لذلك الهجوم بالاتصال مع حلفاء بريطانيا داخل سورية من فرنسيين موالين للمقاومة الفرنسية بقيادة الجنرال (ديغول) والدروز في جبل العرب.

كان (كيركبرايد) واثقاً من دعم الدروز في جبل العرب وكان يعرف معظم زعمائهم ويلتقي بهم. وكانت الخطة تتلخص أن يظل الدروز على الحياد إذ وقع هجوم من الأردن وفلسطين على قوات فيشي في سورية.

كان يعتمد على الإقناع والعدالة أكثر من اعتماده على المال، ولم يعط الدروز مالاً وكان لا يؤمن بالمال كوسيلة سياسية لأنه في نظره يثير الغيرة. البعض يأخذ أكثر، وهنا يغضب الآخرون، لكن القيادة في بريطانيا أصرت عليه ان يستخدم المال والمال محرج بالنسبة له كما ذكرت.

ويكتب كيركبرايد أن القيادة أحرجته أكثر بإرسال (200.000) جنيه إسترليني، إذ أرسلت إليه الفنانة (أسمهان) لتكون واسطته مع زوجها السابق من أعيان الدروز في جبل العرب حامد الأطرش.

ذهب كيركبرايد للحدود الأردنية السورية وهناك قابل أحد الشيوخ وهم عم زوج أسمهان السابق. وهنا تخلت أسمهان عن كل شيء آخر وقبلت يده وعادت بسرعة للخلف ووضح السفير (المعتمد) أنها جاءت مع مرافق عسكري وأنها ليست صديقته.

ولأنه ممثل ملكة بريطانيا صاحبة الجلالة فلم يظهر معها في سيارة واحدة.

ونجحت المهمة وكانت ناجحة أصلاً دون تدخل أسمهان التي عادت لزوجها وبقيت أسابيع ثم ذهبت لمصر وبعد عامين قتلت في ترعة، ويقول كيركبرايد إنه ما يزال محتاراً من سبب نجاة السائق، إذ ماتت أسمهان وابنتها غرقاً في السيارة ولم يوضح السائق كيف نجا، ويؤكد أن هناك عاشقا غيورا جداً هو السبب في هذا القتل.

لم يكن (كيركبرايد) راغباً في مساعدة أسمهان وقال أنه حقق ما حقق دونها ولكنها أوامر بريطانيا، ويقول إنه استقبلها في منزله مع زوجته وأنه استدعى (كلوب) قائد الجيش الذي رمقها بنظرة مخيفة Horrified Look وانزوى بعيداً وترك المنزل.

ووصفها أنها ليست جميلة، وأنها درزية من لبنان تزوجت برجل من جبل العرب وعمرها (15) عاماً وأنجبت طفلة ثم غادرت لمصر، وبدأت تغني وتمثل لاحقاً. ويقول إنها عندما جاءت لعمان لبست لباساً معيناً على أساس أنها في عمل سري ولم تلبس لباساً تقليدياً للمرأة.

والخلاصة أن المخابرات البريطانية استعانت بها وأن هذا أثر على مركزها الفني في مصر بالرغم من كثرة المعجبين.

أن سبب انتباه بريطانيا لأهمية الفن كان ألمانيا وعبقرية الألمان في تقدير أهل الفن.

اهتمام ألمانيا:

تاريخياً كان الألمان والإيطاليون سباقين لمعرفة أهمية دور مصر عام 1939، إذ روى الصحافي محمد التابعي في كتابه من أسرار الساسة والسياسة (مصر قبل الثورة) أن رجال المخابرات البريطانية لاحظوا في صيف عام 1939 أن وكلاء ألمانيا وإيطاليا راحوا يجمعون من أسواق القاهرة وتل أبيب ويافا والقدس وبيروت ودمشق وحلب جميع الأسطوانات العربية وخصوصاً أسطوانات عبد الوهاب وأم كلثوم، وهذا مؤشر في نظر الإنجليز على أن دول المحور، إيطاليا وألمانيا، سوف تستخدم هذه الأسطوانات في الدعاية وأن دول المحور سوف تضمن المستمعين العرب، حيث استخدمت أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم وهنا قررت السلطات البريطانية أن تأخذ معها أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب إذا اضطرت للانسحاب من مصر لخشيتها استغلال الألمان أم كلثوم وعبد الوهاب في الدعاية. وهكذا خطط الإنجليز لاصطحاب عبد الوهاب وأم كلثوم لفلسطين أو السودان وكان في نظرهم كافياً أن تعلن الإذاعة أن أم كلثوم أو عبد الوهاب سيغنيان هذا المساء في هذه الإذاعة لكي ينصت العالم العربي كله لاي إذاعة.

ويظل التساؤل لماذا اختفى دور الأغنية في كل المناسبات التي حصلت بعد ذلك، ولم تظهر الأغنية الوطنية بنفس الطريقة التي كانت تظهر فيها في مصر منذ زمن وحتى في عهد الاستعمار البريطاني لمصر عندما غنى (سيد درويش) (قولوا لعين الشمس ما تحماش لأحسن حبيب الوطن صبح ماشي) بعد إعدام أحد المصريين إثر حادثة دنشواي المعروفة.

ولماذا غابت الإسهامات العربية في غياب الإسهام المصري، وقد كانت هذه الإسهامات موجودة إلى جانب إسهامات مصر، فهناك إسهام الجزائريين في الثورة الجزائرية عندما ظهر النشيد الجزائري الرائع:

قسماً بالنازلات الماحقات

والبنود الخافقات اللامعات

* قد يرتبط الأمر بضعف التفاعل هذا التفاعل مع الحدث الذي شهدناه في العصر العباسي في قصيدة أبي تمام ومطلعها:

السيف أصدق أنباء من الكتب   في حده الحد بين الجد واللعب

* وقد نظم أبو تمام هذه القصيدة في الفترة التي شن فيها المعتصم هجومه على عمورية انتقاماً لامرأة عربية أهينت من الروم.

* ومن المؤكد أن ضعف التفاعل هو الأساس في غياب المشاركات وأن الحدث السياسي والقيادة السياسية مسؤولون عن هذا التفاعل.

الساحة الأردنية العام (1955):

كانت الساحة الأردنية في عام 1955 شاهداً على هذا الاندفاع والتفاعل، ويذكر الأردنيون المعاصرون لتلك الفترة مساهمة مصر الخالدة في أبرز المناسبات الأردنية، إذ قدم المصريون لمسات فنية خالدة ما تزال تتردد في أسماع الأردنيين، فقد غنت (فايدة كامل) للأردن والأردنيين أغنية خالدة لم يألف الأردنيون أغنية في مستواها الفني وهي أغنية:

[نادي يا ابن الأردن نادي

نادي نادي

أصل بلادك هي بلادي

أيدي بايدك نحمي بلادنا..........]

وعندما تزوج ملك الأردن الحسين الشريفة دينا عبد الحميد المقيمة في مصر فإن عبد العزيز محمود قدم رائعة من روائعه وهي أغنية.

[فرح وجانا بعيد مولانا

غني يا أردن غني معانا

أما الفرحة بقت فرحين

ألف نهار مبروك يا حسين]

* وكانت تلك المشاركة هي الذروة في التفاعل المصري مع الأحداث في الأردن إذ أن الحرب الباردة العربية حرمت الأردنيين من هذه الميزة التي تميزت بها مصر في تفاعلها مع الحدث السياسي. ولأن العلاقات الأردنية المصرية قد ساءت في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات فإن الساحة الأردنية خلت من أي إبداع فني مصري على أرض الأردن.... ولم تتكرر التجربة بنفس المستوى أبداً.

الساحة السورية:

لكن المصريين عادوا للساحة بنجاح عندما توطدت علاقاتهم مع سورية بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط عام 1958م وقدم الفن المصري أروع تجربة في أغان رائعة منها (من الموسكي لسوق الحميدية أنا عارفة السكة وحديا) يعني من سوق الموسكي في مصر لسوق الحميدية في دمشق وهناك مساهمات عديدة منها أغنية (وأنا واقف الأهرام قدامي بساتين الشام).

* وأعاد هذا إلى خاطري مساهمات مصر في الثلاثينيات والعشرينيات عندما قدم عمالقة الشعر في مصر أروع القصائد مثل قصيدة أحمد شوقي التي نظمها عندما هاجمت القوات الفرنسية دمشق وقدم رائعته:

سلام من صبا بردى أرق     ودمع لا يكفكف يا دمشق

وهناك قصيدة شاعر النيل حافظ إبراهيم:

لمصر أم الربوع الشام تنتسب   هنا العلا وهناك المجد والحسب

إذا ألمت بوادي النيل نازله      باتت لها رواسي الشام تضطرب

هدوء الجبهة الفنية:

وتعتبر فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر هي فترة العصر الذهبي للمساهمات الفنية حتى في داخل مصر إذ قدم المصريون أغاني وطنية خالدة مثل قصيدة (الله أكبر) التي لحنها محمود الشريف والتي ما تزال تبث في بعض الإذاعات والفضائيات العربية.

لقد ظهر هذا النشيد عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر وقدم المصريون غيره الكثير في تلك المناسبة ثم قدم المصريون مساهمات عظيمة في حرب حزيران (يونيو) 1967م مثل (راجعين بقوة السلاح .....)، (والله زمان يا سلاحي) وبعدها أصبح كل شيء هادئاً على الجبهة الفنية ولم يسمع المواطن العربي عن مساهمات فنية جديدة في القضايا السياسية حتى عام 1990م عندما ظهرت بعض المساهمات العربية قبيل حرب العراق بأغنية (وين الملايين وين، الشعب العربي وين) لكن ظل ثقل مصر مميزاً وظل الباع الطويل لمصر وكان غياب مصر لافتاً للانتباه وبغياب مصر عن الساحة غابت المساهمات الفنية وليست هناك مساهمات في الأزمات التي مرت بها المنطقة العربية عام 1990م وعام 2003 وفي جميع المناسبات الأخرى.

abudayeh@hotmail.com

التعليق