السائل في المسجد

تم نشره في الأحد 21 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • السائل في المسجد

 

د. محمد بن لطفي الصباغ

قال الإمام النووي في(المجموع): [لا بأس بأن يُعْطَى السائل في المسجد شيئاً؛ لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل منكم أحدٌ أطعم اليوم مسكيناً؟"، فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كِسْرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه". رواه أبو داود بإسناد جيد.

قلت: أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة في باب المسألة في المسجد برقم 1670 ثم قال السيوطي في رسالته" بذل العسجد، لسؤال المسجد" (1) بعد أن نقل كلام النووي:

والحديث الذي أورده فيه دليل للأمرين معاً: أن الصدقة عليه ليست مكروهه، وأن السؤال في المسجد ليس بمحرم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اطَّلع على ذلك بإخبار الصدِّيق ولم ينكره، ولو كان حراماً لم يُقَر عليه، بل كان يمنع السائل من العود إلى السؤال في المسجد. وبذلك يُعْرَف أن النهي عن السؤال في المسجد -إن ثبت- محمول على الكراهة والتنزيه وهذا صارف له عن الحرمة.

قلت: ولم يثبت النهي عن ذلك.

ثم قال السيوطي: ثم رأيت أبا داود و البيهقي استدلَّا بالحديث المذكور على جواز المسألة في المسجد فإنهما قالا في "سننهما" باب المسألة في المسجد، وأوردا فيه الحديث المذكور. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" في كتاب الزكاة وقال: صحيح على شرط مسلم... ومن الأحاديث الدالة لما قلناه ما أخرجه الطبراني في "الأوسط " عن عمار بن ياسر قال: وقف على علي بن أبي طالب سائلٌ وهو راكع في تطوع فنزع خاتمه، فأعطاه السائل فنزلت: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون". وأورد خمس طرق لنزول هذه الآية الكريمة في التصدق على السائل في المسجد يشدُّ بعضها بعضاً.

وأخرج الحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن حذيفة بن اليمان قال:

قام سائل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسأل، فسكت القوم، ثم إن رجلاً أعطاه فأعطاه القوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سنِّ خيراً فاستُنَّ به فله أجره، ومثل أجور من اتبعه غير منتقصٍ من أجورهم".

ويستأنس لجواز الصدقة في المسجد بحديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه، الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم 1017 وفيه أن قوماً من مضر جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم صلى الله عليه وسلم تمعر وجهه لما رأى بهم من الفاقة، فدخل إلى منزله ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ..." إلى آخر الآية، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد". تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره" حتى قال: "ولو بشق تمرة"، فجاء رجل من الأنصار بِصُرِّة كادت كفه تعجز عنها، بل عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومتين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه ورزها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". رواه مسلم.

وكل هذا حصل في المسجد.

أقول: وماذا يفعل المحتاج المضطر إذا أراد أن يستغيث؟ أليس المسجد مجتمع الناس؟

هذا والنص المحكم العام يمنع نهر السائل وذلك قوله تعالى: "وأما السائل فلا تنهر". وإسكات السائل وأمره بالخروج ربما يدخل في الأمر المحظور والله أعلم.

هذا وقد درج المسلمون على إعطاء السائل الذي يسأل في المسجد، وقد شاهدنا ذلك في بلاد الشام وفي نجد. فقد سكنتُ سنوات في حي دخنة قريباً من منزل الشيخ محمد بن إبراهيم، وكنت أصلي الصلوات معه، فكان إذا جاء سائل قام المؤذن يجمع له، وعندما يعطي الشيخ محمد المؤذن ينادي بأعلى صوته (الشيخ محمد) وكذا يفعل إذا أعطى بعض الكبار في الحي يذكر أسماءهم.

والناس في ضيق ولاسيما الغرباء وأصحاب العاهات والمرضى والمسنُّون.

تذييل: وإذا لم يطمئن المرء إلى صدق السائل فلا يعطه، وليقل له قولاً ميسوراً.

(من الإسلام اليوم)

التعليق