رمضان في فلسطين: حرمان من الأقصى وفقر مدقع وحصار خانق

تم نشره في الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • رمضان في فلسطين: حرمان من الأقصى وفقر مدقع وحصار خانق

رشا عبدالله سلامة

عمّان- ليس جرح الاحتلال الإسرائيلي الغائر منذ ستين عاماً وحده الذي يلون المشهد الرمضاني الفلسطيني ببؤس وحزن متغلغلين، بل هي مفرزات ذلك الجرح التي ليس أقلها مخيمات اللجوء المتناثرة وأصقاع المنفى المتباعدة وتردي الأوضاع المعيشية والسياسية على بقايا الأرض الفلسطينية.

إرهاصات كثيرة تنكأ الجرح الفلسطيني في كل مناسبة دينية، لتتركه ينزّ دماً وكأنما ما يزال طريا ومنذ الأمس فقط، ما يُكسِب الرمضان الفلسطيني طابعا خاصا لا يتشابه بتعقيداته وتفاصيله مع أي بؤرة توتر وصراع في العالم.

 "الصلاة في الأقصى كانت من أجمل ملامح الرمضان الفلسطيني، غير أنهم عقدوا إجراءاتها إلى حد كبير، فصارت غير ممكنة من دون تصاريح"، تقول نوال قرطلّو (65 عاماً) والتي تقطن مدينة نابلس.

ويقول ابنها نمر قرطلّو (44 عاماً) "حددوا لنا السن الذي يسمح بدخول الأقصى للصلاة وهو 45 عاماً كحد أدنى للنساء و50 عاماً للرجال. وبرغم اصدار تلك التصاريح بصعوبة ، فإن كثيرين منا يصلّون تحت لهيب الشمس في القدس لعدم السماح لهم بالوصول إلى قلب الأقصى".

وتعتمل الحسرة في قلب علي الخلايلة (18 عاماً)، الذي يقطن مدينة القدس بيد أنه ممنوع كما باقي الشباب الفلسطينيين من الصلاة في الحرم القدسي.

يقول ووالدته أمينة الخلايلة (47 عاماً) "الغصة الكبرى في قلوبنا دوماً وخصوصاً في شهر رمضان هي منعنا من دخول الأقصى، الذي تعد الصلاة فيه حلم أي مسلم فكيف بنا نحن أهالي القدس؟".

وليس المسجد الأقصى وحده الذي تطاله إجراءات الاحتلال الصارمة، بل وكذلك الحرم الإبراهيمي في الخليل، الذي لا بد من خضوع من يريد الصلاة فيه إلى "تشديدات وتفتيشات أمنية"، بحسب بلال الزعتري (40 عاماً)، والذي يعيش في مدينة الخليل.

أما أبو أيمن (63 عاماً)، والذي يسكن قرية كفر الديك- قضاء نابلس، فإن له مع إجراءات الاحتلال المجحفة في حق المصلين الفلسطينيين باعاً طويلاً وأليما أيضا.

يقول "برغم أنه من المفترض أن يسمح الإسرائيليون لمن هم في مثل عمري بالصلاة في الأقصى، إلا أن الواقع شيء مختلف تماما، إذ كثيرا ما يوقفوننا على أحد المحاسيم لأكثر من بضع ساعات فتضيع علينا الصلاة ونعود أدراجنا".

ويكمل أبو أيمن "كما أننا نخضع لمزاجية الجنود الإسرائيليين الذين ينتقون بعضنا لدخول الأقصى، فيما يجبرون الباقين على العودة لقراهم ومدنهم من غير سبب منطقي حتى لو وصلوا القدس".

ويستذكر أبو أيمن إحدى المرات التي قرر فيها التسلل مع بعض الفلسطينيين الذين تحذوهم الرغبة والتصميم للصلاة في الأقصى برغم إجراءات المنع، قائلا "في مرة استطعت التسلل حتى وصلت إحدى قرى القدس الملاصقة، وهناك حاولت الدخول من إحدى الثغرات الموجودة في جدار الفصل العنصري الذي يطوّق القدس إلا أن بعض أسياخ الحديد في الجدار علقت بملابسي وأدمت يديّ".

يكمل بينما تملأ المرارة صوته، "وحتى عندما كنا نتسلل، كنا نضع في حسباننا أن الجنود الإسرائيليين قد يقنصوننا في أي لحظة يفتضح أمرنا بها، غير أننا لا نستطيع برغم كل ذلك استيعاب فكرة منعنا من وصول الأقصى".

يردف أبو أيمن "الله أكبر حتى بين الزيتون بنلاقيهم عاملين محاسيم.. وين نروح منهم؟". كذلك تعاود قرطلّو القول "إلى جانب كل ذلك، فإن الوضع المعيشي للفلسطينيين متردّ بشكل لا يصدق، فالغلاء الفاحش يعصف بنا من جهة ونقص المواد التموينية الأساسية بسبب تحكم الإسرائيليين بها من جهة أخرى".

وهو ما ذهب إليه الزعتري والخلايلة، واصفين الرمضان الفلسطيني بالذي "لا بهجة له في ظل ممارسات الاحتلال والحصار والفقر والإحباط السياسي".

أما الخمسيني المقدسي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، فإن عينيه تنطقان بما يعجز لسانه التعبير عنه بعد غياب دام 26 عاماً عن فلسطين. يقول "طوال السنين الماضية كنت أقطن دبي، ولم أتمكن من العودة أو حتى زيارة منطقتي المقدسية جبل المكبّر، وعندما تمكنت لمدة أيام معدودة...".

تقطع تنهيداته سيرورة الحديث.. بصوت ملؤه الشجن يكمل "لم أصدق عينيّ عندما رأيت القدس وما حولها، تطويق أمني وتوتر ومحاسيم وحواجز تفتيش".

يشيح بوجهه بعيداً رافضا الاستمرار في الحديث، قائلاً "شو بدي أحكي؟ خليها على الله". أم تيسير (57 عاماً) تحمل حزناً من نوع خاص، فقطاع غزة الذي تسكنه "يعيش ليلاً لا ينتهي"، بحسبها.

تقول "قلما تجد أسرة في غزة لم تفقد زوجاً أو أما أو ابناً أو أخاً كان معها في رمضان الماضي فخلت منه الدار في هذا الرمضان".

تتساءل أم تيسير، بينما يمتزج البؤس في سمرتها الغزية، تكابر دمعة عصية تكاد تفر، "من غيرنا في هذا العالم يفطر على المحاسيم بسبب تجبر الإسرائيلين بالفلسطينيين المارين من خلالها وتأخيرهم عليها لساعات وفي مرات ليوم كامل؟ ومن غيرنا يفطر على دويّ القذائف وهدير الصواريخ؟ إلى جانب الحصار الخانق والفقر المدقع الذي نغرق فيه يوما بعد يوم؟".

تستجمع أم تيسير شيئا من رباطة جأشها قبل أن تكمل "قدرنا أن نعيش في هذه المأساة، إلا أننا والحمد لله راضون وليس بأيدينا إلا الدعاء بالرحمة للشهداء وبإطلاق سراح الأسرى المحتجزين في سجون الإسرائيليين بالآلاف".

ذات الأمل يرتسم في عيون قرطلّو والزعتري، إذ يشتركان في رصد بعض المشاهد التي تأبى إلا أن تحضر في الرمضان الفلسطيني برغم كل البؤس، يقولان "نطبخ أكلاتنا الفلسطينية التقليدية بقدر ما تسمح به إمكانياتنا، نذهب جماعات لصلاة التراويح، نعود فنتابع بعض المسلسلات الرمضانية، وبرغم كل الظلام الذي يهيمن على حياتنا نضيء زينة رمضان ونصرّ ببعض الأمل المتبقي لدينا على التقاط شيء من السعادة للعيش وسط كل ما نحن فيه".

ووفقاً لإحصاءات معهد دراسات التنمية في غزة، فإن الفقر في القطاع في العام 2008 وصل إلى 80%، وما نسبته 66.7% تحت خط الفقر المدقع. وبحسب الأرقام التي نشرتها الحكومة الفلسطينية المقالة في غزة، فإن هنالك ما تعداده مليون ونصف المليون غزّي تحت خط الفقر، و150 ألف أسرة فلسطينية تحت خط الفقر المدقع.

كما أشارت إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن 70% من العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية طلبت المساعدة في العام 2005، وهي النسبة التي تتواصل سنويا في الارتفاع بحسبهم.

ويذكر أن أرقام الفقر الفلسطيني هي نتيجة لتجريف الاحتلال الأراضي الزراعية وإلحاقه الضرر في البنى التحتية وتشديده الحصار الخانق على الفلسطينيين، والذي يعد جدار الفصل العنصري من أحد وجوهه، ما أدى لعدم توافر أدنى مقومات العيش الكريم إلى جانب عدم تسلمهم رواتبهم في مواعيدها بسبب سيطرة إسرائيل على تحركات الأموال في الداخل الفلسطيني وزيادة نسب البطالة بينهم وتضاعف عدد الأرامل والأيتام نتيجة تصفية ذويهم.

التعليق