رمضان في موريتانيا: انتشار ظاهرة الإفطارت الجماعية

تم نشره في الاثنين 15 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً

 محمد أبو المعالي

كسائر أقطار العالم الإسلامي شهدت الأجواء الرمضانية في موريتانيا، تغيّراً ملحوظاً خلال العقود الماضية، ساهمت فيه التغيرات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الموريتاني، والنزوح الجماعي للسكان من الأرياف - بعد موجة الجفاف التي ضربت البلاد قبل ثلاثين سنة من الآن - باتجاه المدن التي اتسعت وتحوّل معظمها من قرى صغيرة، إلى مدن كبيرة تعجّ بمئات آلاف السكان، وانتشرت المساجد في كل أحياء المدن وفي القرى والأرياف، بعد أن عمدت بعض الهيئات والمنظمات الخيرية والمحسنين وفاعلي الخير، إلى بناء مئات المساجد في موريتانيا، هذا فضلاً عن تداعيات الصحوة الدينية التي شهدتها معظم الشعوب الإسلامية والعربية خلال العشرين سنة الماضية، ووصل إشعاعها إلى المجتمع الموريتاني الذي يتميز من بين معظم الشعوب الإسلامية والعربية، بأنه شعب موحد الديانة والمذهب، فهو شعب مسلم مائة بالمائة، وسني مائة بالمائة، والمذهب السائد فيه مذهب الإمام مالك.

هذه التغييرات التي طرأت على المجتمع، كان لها جانب كبير من التجلي في مظاهر التعاطي مع شهر رمضان المبارك في أوساط المجتمع الموريتاني المسلم، ناهيك عن تطوّر العقلية الموريتانية من البداوة وما تقتضيه من روح الانفرادية وغياب ثقافة التكافل والعمل الخيري الجماعي، إلى روح المدنية، وما تفرضه من جماعية الشعائر والتلاحم في العمل الخيري.

ويقول سيدي ولد بزيد مؤذن سابق في أحد أقدم مساجد نواكشوط، إنه يتذكر في عقد الستينيات حين كان المصلون لا يتجاوز عددهم العشرات، ولا تشهد صلاة التراويح إقبالاً كبيراً، ومعظم المساجد لا تقام فيها صلاة التهجد، كما أن أغلب مرتادي المساجد في رمضان آنذاك هم من كبار السن، ومساجد نواكشوط لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، إلاّ أن الوضع تغير اليوم؛ إذ انتشرت المساجد وأصبحت تُعدّ بالآلاف في مدينة نواكشوط وحدها، وفي شهر رمضان المبارك، تشهد هذه المسجد توافد الآلاف من عمارها، معتكفين ومصلين، وتكتظ عادة عند الصلوات الخمس وصلاة التراويح والتهجد، وأصبح الشباب هم أغلب عمار المساجد، واليوم - وبعد أن كان عدد الصفوف في هذا المسجد لا يتعدى أربعة صفوف - أصبح المسجد يكتظ بالمصلين في هذا الشهر، وتمتلئ باحته بالمصلين، هذا إضافة إلى أن أعداداً كبيرة من النساء أصبحت ترتاد المسجد، وهناك جناح مخصص للنساء، وفي السابق كان عددهن لا يتجاوز العشرة يصلين بعيداً في نهاية باحة المسجد، وفي العشر الأواخر أصبح المسجد يمتلئ بالمعتكفين، والغالبية العظمى منهم من الشباب, أصبحت الأسر تعتكف بجميع أفرادها، وهذه ظاهرة جديدة ونعمة لم نكن نعرفها من قبل.

وخلال السنوات الماضية عرفت المساجد في موريتانيا ظاهرة جديدة تمثّلت في تقديم ولائم الإفطار داخل هذه المساجد للمحتاجين والفقراء؛ إذ يتبرع الميسورون - كل حسب طاقته وجهده – بتقديم الطعام، وتشهد المساجد إقبال إعداد كبيرة من الفقراء والمتسولين وذوي الحاجات للإفطار، حيث تتوفر وجبات لا يستطيعون توفيرها في بيوتهم ومساكنهم، كما تنشط بعض المنظمات الخيرية المحلية والإسلامية في هذا الشهر المبارك، وتوزع المساعدات على الفقراء والمحتاجين، خصوصاً المواد المستهلكة في رمضان من التمور واللحوم والخضروات والأطعمة.

ومن أبرز مساجد نواكشوط التي تشهد إقبالاً كبيراً خلال شهر رمضان المبارك، لأداء صلاة التراويح وصلاة التهجد والاعتكاف هي: مسجد المدينة المنورة، المعروف محلياً باسم المسجد السعودي، وهو المسجد الجامع وسط العاصمة نواكشوط، ويؤم المصلين فيه عادة فضيلة الإمام أحمدو ولد لمرابط، وذلك بعد أن أقعد المرض الإمام الأكبر ومفتي موريتانيا العلامة بداه ولد البوصيري الذي كان يقيم حلقات إفتاء وتدريس في هذا المسجد، ثم جامع ابن عباس وهو أقدم جامع في نواكشوط؛ حيث يؤم المصلين فيه الشيخ حدمين، وجامع أسامة بن زيد بحي عرفات، ويؤم المصلين فيه العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو، الذي ينظم هو الآخر حلقات للتدريس والإفتاء ودورات في علوم القرآن والحديث، وجامع الإخلاص الذي يقيم فيه الداعية الشيخ عبد الله ولد أمينو دروساً يومية، ويلقي فيه محاضرات ليلية بعد صلاة التراويح.

ويقول إمام مسجد العقبة إن صحوة دينية جديدة عرفت طريقها إلى المجتمع، دفعت العشرات من الشباب والنساء ومختلف الطبقات العمرية إلى سلوك طريق المساجد، خصوصاً في شهر رمضان، ويضيف: "قبل عشر سنوات من الآن كان عدد المعتكفين في هذا المسجد خلال العشر الأواخر من رمضان أربعة رجال فقط، تجاوزوا جميعهم الخمسين من العمر، وفي رمضان الأخير فاق عدد المعتكفين الثلاثين شخصاً، وكان من بينهم شباب ونساء، توفر لهم إحدى المنظمات الخيرية الطعام والماء وكل مستلزمات الإقامة"، ويؤكد الإمام أن إقبال الناس خلال شهر رمضان على صلاة التراويح شهد تضاعفاً ملحوظاً، إضافة إلى أن المسجد بات خلال الأعوام الأخيرة محطة لعشرات الدعاة والفقهاء الذين يلقون دروساً ومحاضرات تعليمية، يفقهون الناس في دينهم، ويصححون عقائدهم، بينما كان النشاط في المسجد سابقاً يقتصر على أداء الصلوات الخمس وصلاة التراويح.

الداعية المعروف الشيخ عبد الله ولد أمينو إمام وخطيب "جامع الإخلاص"، أحد أكبر جوامع نواكشوط، يرى أن الحديث عن تعاطي المجتمع الموريتاني مع شهر رمضان المبارك قبل ثلاثين أو أربعين سنة، يتطلب أولاً الحديث، ولو بإيجاز عن الظروف التي اكتنفت تلك الفترة، ويضيف: "من المعلوم أن البلاد في تلك الحقبة عرفت انتشار إيديولوجيات متعددة، منها الماركسية والإيديولوجيات القومية، خصوصاً في صفوف الشباب، وبالتالي كانت تلك الفترة بالنسبة للشباب فترة عدم التزام ديني، حيث أصبحت لديه ردة فعل تجاه الحياة البدوية التي كان المجتمع يعيشها قبل نزوحه إلى المدن، فأصبح يرفض كل ما هو تقليدي بما في ذلك الدين، وأصبح التدين بالنسبة للشباب مظهراً رجعياً، كما أن اندفاع الشباب نحو الأفكار الجديدة وتبنيها، دفع الشيوخ وكبار السن إلى التحفظ تجاه كل جديد، خصوصاً إذا كان هذا الجديد مصدره الشباب أو مصدر غير معروف تقليدياً لدى المجتمع، ودفعتهم ردة الفعل إلى رفض المحافل الجماعية؛ لأنها لم تكن معروفة لديهم، ويخشون منها، ويرون أنه على المرء أن يفر بدينه، ويعتزل به الناس خوفاً من البدع والتشويش عليه، وعلى الرغم من أن كبار السن كانوا يهتمون بشهر رمضان، إلاّ أنّ هذا الاهتمام لم يكن يكتسي طابعاً جماعياً، بينما لم تكن لدى الشباب حينها اهتمامات دينية، وفي أواخر عقد السبعينيات بدأت الدعوة إلى الله تعرف طريقها إلى المجتمع الموريتاني، وتعزز ذلك في الثمانينيات، وأصبح الاهتمام برمضان وبكل مظاهر التدين أمراً مألوفاً، لكن ظلت تلك المظاهر فردية لا جماعية، إلا قليلاً، ومع مطلع التسعينيات انتشرت المظاهر الجماعية المهتمة برمضان، وتمثل ذلك في عدة أمور، منها:

أولاً: الإقبال الكبير على صلاة التراويح في المساجد، وانتقاء الناس للقراء الذين يصلون معهم، ففي السابق لم يكن المصلون يهتمون بمن سيصلي بهم، بل كان الكثيرون منهم يفضلون القارئ الذي يسرع في قراءته ويحدر فيها حدراً، وفي السنوات الأخيرة أصبح الجميع يبحثون عن القارئ المجوّد والمرتل، الذي يؤثر في الناس بقراءته ويتأثر هو بقراءة نفسه.

المظهر الثاني: هو انتشار ظاهرة الإفطارات الجماعية، والتي تكون أحياناً من تنظيم بعض الهيئات الخيرية الممولة من دول الخليج، خصوصاً من المملكة العربية السعودية، وأحياناً تكون مبادرات فردية لبعض رجال الأعمال والمحسنين الراغبين في امتثال الحديث الشريف: "من فطّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً".

أما المظهر الثالث لهذا الالتزام الديني في رمضان: فهو الحرص الذي أصبح سائداً لدى الناس في رمضان على تجنب ما يفسد الصوم أو ينقص من أجره، فالجميع كان ينطلق من فكرة أن المعاصي والمخالفات الشرعية من الصغائر وغيرها، لا تفسد الصوم، أما اليوم فقد أصبح الناس يتجنبون المعاصي والمخالفات الشرعية في رمضان لا خوفاً من بطلان صومهم؛ لأن ذلك لا يبطله على مذهب الجمهور، لكن خوفاً من نقصان أجره؛ لأن المعاصي تنقص أجر الصوم، كما يقول الجمهور أيضاً.

أما المظهر الرابع: فهو القيام في المساجد والاهتمام بها ورعايتها في كل الأوقات، خصوصاً الأوقات التي توجد بها حلق العلم والدروس، ففي رمضان عادة ما يكثر زوار المساجد في وقتي صلاة الظهر والعصر يستريحون فيها، ويبحثون عن الدروس التي تُقام في تلك الأوقات، ويتلون كتاب الله.

وفي السابق كان هناك إقبال في رمضان على بعض الألعاب الورقية والذهنية، لقتل الوقت انتظاراً لساعة الإفطار، وكان الكثيرون ينشغلون بهذه الألعاب في رمضان، واليوم ومع انتشار الدعوة والصحوة الإسلامية، أصبح من لديهم تدين مهما كان مستواه، يقلعون عن تلك الألعاب خصوصاً في شهر رمضان، ويمضون أوقتهم في قراءة القرآن و العبادة في المساجد، ينضاف إلى ذلك أن هناك أموراً كانت معتقدات ضاربة الجذور في المجتمع الموريتاني، من قبيل الاعتقاد بأن ليلة السابع والعشرين من رمضان هي ليلة القدر، وفيها تفك الأصفاد والقيود عن الشياطين، وكان الناس فيها يوقدون بعض المواد ذات الروائح الكريهة في هذه الليلة، اعتقاداً منهم أنها تطرد الشياطين، واليوم أصبح تلاشى هذاالاعتقاد لدى الناس، انطلاقاً من أن ليلة السابع والعشرين لو كانت ليلة القدر وهو الراجح، فإنها ستكون أفضل ليالي شهر رمضان، وبالتالي لا يمكن أن تسرح فيها الشياطين الذين تتصفد في رمضان؛ لأن ذلك يتنافى مع أفضليتها التي خصها الله بها.

وباختصار يمكن القول إن الموريتانيين قديماً، خصوصاً من الكبار والشيوخ، كانوا يهتمون برمضان، والجديد اليوم هو اهتمام الشباب بهذا الشهر المبارك، الذي كان يتسم سابقاً في غالبيته بعدم التدين والفرار من الأمور الدينية، كما أن طبيعة مظاهر هذا الاهتمام تختلف اليوم عما كانت عليه في السابق.

من جانبه يقول فضيلة الشيخ أحمد جدو ولد باهي، أحد علماء ودعاة موريتانيا الكبار: "مما لا شك فيه أن اهتمام الشعب الموريتاني بشهر رمضان المبارك، وفريضة الصوم، شهد تطوراً ملحوظاً خلال الثلاثين والأربعين سنة الأخيرة؛ إذ أصبح بالإمكان أن نتحدث عن اهتمام كبير بهذا الشهر وهذه الفريضة، ومرد ذلك يعود إلى أسباب عديدة، منها كثرة نزوح الناس إلى المدن، وما فيها من ثقافة ووعي، سواء كان ذلك نتيجة لاكتساب الثقافة والوعي في المدارس والمساجد، أو كان عبر وسائل الإعلام المختلفة، كما أنه ناتج أيضاً عما شهدته البلاد من تطور في خطاب الصحوة والتوجيه، وزيادة التدين المرافق لذلك، ومن هنا فإن اكتظاظ المساجد أثناء صلاة التراويح، واكتظاظها طيلة أيام الشهر المبارك بالمتعبدين، قراءة للقرآن وشهوداً للصلوات، وأحياناً تكتظ بالمعتكفين، إضافة إلى أن اهتمام الناس بوسائل الإعلام، خصوصاً الإذاعة والتلفاز أصبح أكثر لمتابعة ثبوت الهلال؛ ففي السابق كانت وسائل الإعلام تعلن ثبوت هلال شهر رمضان، دون أن يعلم بذلك كثير من الناس، واليوم أصبح الجميع يهتم به ويراقبه، ومن المظاهر الدالة على الاهتمام المتزايد بهذا الشهر، كثرة استشارة الفقهاء والأطباء، بشأن أحكام الصوم والكفارات وموجبات الإفطار الصحية والشرعية، فهذه أمور كلها تشكل تجلياً لهذا الاهتمام المتزايد بهذا الشهر، هذا فضلاً عما أصبح معروفاً اليوم في المجتمع من شيوع صوم التطوع خصوصاً الأيام الستة الأولى من شوال التي تلي رمضان، والتاسع من ذي الحجة، وعاشوراء، وصوم يومي الاثنين والخميس.

وعموماً يمكن القول إن المجتمع الموريتاني كان في السابق يحافظ كثيراً على الصلاة، أما الاهتمام بفريضتي الصوم والحج فكان يشهد نوعاً من النقص، ولا يزال هناك نقص ملحوظ في هذا الاهتمام، خصوصاً في البوادي والمناطق الداخلية البعيدة عن الحضر، أما الاهتمام بالأعمال الخيرية في هذا الشهر فلا يزل هو الآخر دون ضابط، أو رعاية منظمة، فهناك انتباه في بعض الجوامع الكبيرة في المدن لإفطار الناس، وهناك أيضاً اهتمام متزايد داخل المجتمع بأفضلية إفطار الصائمين وإعانتهم، لكنه ما زال دون المستوى، فإذا استثنينا بعض الهيئات الخيرية ذات الثقة والقبول الاجتماعيين، والتي لا تستطيع تغطية جميع المدن والمناطق، فإن العناية المنظمة والمعينة للناس على الصوم لا تزال قليلة.

أما الأمكنة التي تصلها رحلات الجمعيات الخيرية، أو بها فروع لهذه الجمعيات، فيوجد بها نوع منظم إلى حد ما من هذه الأعمال الخيرية، هذا بالإضافة إلى ما تقوم به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من توزيع بعض المواد المعينة على الإفطار، على بعض المساجد والمحاضر، وإن كانت هي الأخرى لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب .

 (نقلا عن الإسلام اليوم)

التعليق