عمران: الحزن يتربع مثل فاكهة دائمة على موائد النتاج الإبداعي العربي

تم نشره في الأحد 7 أيلول / سبتمبر 2008. 10:00 صباحاً
  • عمران: الحزن يتربع مثل فاكهة دائمة على موائد النتاج الإبداعي العربي

قاص سعودي يتوقع الفقد ويعيشه على الدوام

 

عمان- الغد- لا يهدأ القاص السعودي فاضل عمران في ذاته ولا يمَلُّ التعدد في نزعاته رغم القضايا التي تُربكه، إلا أنه ينظرُ إلى المشهد بنصفِ عينٍ، وكأنه لا يشي بالعزلة، فكلما تقرأ قصصه تتخيلُ نفسكَ معنيا به ليس من بابِ الرأفة والحنين إنما للالتباسِ بأفقه اللغوي ومعنى المعنى الذي يأخذكَ إلى مفارق التيه أحيانا، من رحم الواقع تتوالد نصوصه ثم يشدُّها إلى الرؤيا والأيدولوجيا بقصدٍ أو من دونِ قصد.

ومن هنا يشار الى أنه يُشبه برنارد شو في سخريته المتهكمة من كل شيء، لذا نحتاجُ إلى قراءةٍ متأنية لاكتشافِ أبعادهِ وانفعالاته، في هذا الذي اجراه الكاتب حسين الجفال نطل على تجربة فاضل عمران من داخل نصوصه اضافة الى مجمل تجربته القصصية، التي بدأت بالشعر وانتهت بالسرد.

*فاضل عمران اسم لمع في عالم القصة رغم أنه عاش والشعر طويلاً، كيف تقيم عالم الشعر الذي هجرته؟! ولماذا اخترت السرد ملاذاً؟

كانت البداية في النصف الثاني من الثمانينيات عندما تلمست الخطى كشاعر عمودي كلاسيكي يتعامل مع العمود والقافية والإيقاع الوزني كعقيدة لا يجوز خرقها، تناسلت المحاولات بكثافة متفاوتة لحوالي عقد من الزمن اعتقد أنها غذتني بفيض من الخبرة الأدبية بالمفهومين الفني والأخلاقي. تلت ذلك مرحلة غاب فيها الشعر كبناء فني ولم يغب كإحساس، إذ عشت في ظل منتدى سيهات القصصي حالة مزدوجة بين النظم والنثر وكانت الغلبة فيما بعد للنثر لأمور فكرية عديدة، أهمها يقيني أن المتلقي اليوم يعنيه بالدرجة الأولى "ماذا تقول" أكثر من "كيف تقول"، ومع ذلك فإن النفس الشعري ما يزال يطفو كلما مددت يدي لالتقاط قلم.

* تكاد تنحت في لغتك، ونصوصك القصصية تأخذ فترة مخاض طويل حتى ترى النور، هل يحتاج النص القصير كل هذا العناء؟

- للكيان السردي جانبان، فكري وفني، وأتصور أن فترة المخاض الطويلة التي تتحدث عنها هي مرحلة اختمار الفكرة التي تتفاوت من قاص إلى آخر، بل وفي القاص نفسه مع اختلاف مراحله الكتابية، شخصياً، أحب أن ترى نصوصي النور وهي مركزة جدا ومفعمة بالدفق الإنساني الدافئ، ذلك ينثر أمامي كماً غير محدود من الخيارات المتعلقة بزاوية السرد- الراوي- الزمن- نقطتي البداية والنهاية- انتقال الحبكة.. إنها آلية متعبة لكني متمسك بها كونها تصقل النص وتنتج عنها نصوص تبعث على الرضا وإن كانت قليلة.

* منذ التسعينيات وأنت تقيم وتشرف على منتدى القصة من منزلك، هل أفرز هذا المنتدى كتاباً؟ كيف تقيم المنتديات الأهلية؟ أهي ندّ للأندية أم مكملة لدورها؟

- سؤالك هذا في حد ذاته يحتاج سلسلة ندوات لمناقشته، لكني سأغرس رؤوس أقلام سريعة هنا... المنتدى القصصي تأسس في إحدى ليالي عام 1993م بحضور ثلاثة من الشباب المبتدئين في السرد والفكر عموماً، كنت أحدهم، الشيء الوحيد الذي كنا نمتلكه هو الرغبة في تشكيل حراك سردي-ثقافي-اجتماعي من حولنا، مع الزمن انظم للمنتدى مجموعة من الأصدقاء ذوي توجهات متفاوتة شكلت تمازجاً فكرياً فريداً من نوعه، ولطالما أثارت النصوص المطروحة عواصف جدلية ساخنة لا يتوقعها كاتب النص نفسه، مر المنتدى بمراحل متعددة وناقشنا نصوصا لا تحصى نقلتنا لا إرادياً لمراحل لم تكن في الحسبان... المنتدى القصصي اليوم يغلب عليه الطابع الفكري على حساب السردي البحت، كما أنه يغذي العديد من الأنشطة الثقافية الأخرى، وما من شك ان كل من صاحب مسيرته في مرحلة ما قد تأثر بطرحه، كما تخرجت منه كوكبة من القاصين والروائيين المعروفين على مستوى الوطن، وأنا أفتخر بكوني أحد تلامذة هذه المدرسة الناضجة.

* تأخذ نصوصك طابع الحزن والموت، ترى لماذا يحضر الموت في معظم نصوصك القصصية؟

- لا إرادياً يتربع الحزن كفاكهة دائمة على موائد النتاج الإبداعي العربي، وهو منعكس على كل الإبداعات الفكرية والثقافية سواء المقروءة أو المسموعة وحتى المشاهدة عبر الوسائل البصرية الحديثة، ولذلك أسبابه الفكرية والظرفية المعقدة، فإن لم يكن هذا النتاج الثقافي تعبيراً عما يجول في ذات الشعوب فماذا عساه سوف يكون..؟ الموت حضر في نصوصي لا إرادياً لمرحلة كاملة، أو بتعبير أشمل الفقد، وهو هاجس لم يكن ليفارقني أينما حللت، أعي جيداً بأن كل ما حولي ليس سوى أطياف متبدلة، الوجوه والأماكن والأزمنة وحتى الأفكار، هذا التحول هو الثابت الوحيد، وأنا بدوري لست سوى طيفاً آنياً ضمن هذا الكم الهائل من المتغيرات. للوهلة الأولى يتبادر للمتلقي أنها حالة سوداوية متقدمة، إلا أنها -من وجهة نظري- عكس ذلك تماماً، فعندما أعي لعبة الأطياف والمراحل المتغيرة يسوقني ذلك لامتصاص كامل رحيق المرحلة الآنية، وحينما يحدث فقدٌ ما فإن الجميع يبكي أما أنا فلا، كوني توقعت هذا الفقد وعشته على الدوام، إنها فلسفة اكتشفتها في ذاتي لاحقاً ولم أصطنعها عمداً.

* ما سر أنسنة الجماد لديك والسخرية التي كثيراً ما تثير الضحك بتلقائيتها، ولم تحضر الكوميديا السوداء في نصوصك؟

- بالدرجة الأولى هي جانب أخلاقي تربوي، أحببت أن أتجاوز قراءتي لمشاعر الآخرين بقراءة مشاعر كل شيء من حولي، كل شيء من دون استثناء، توقعت أني حينما أصل لهذه المرحلة فذلك سينقلني لحالة متقدمة من التهذب السلوكي، لذا استشعرت ردود فعل وسلوكيات الحيوان في نصوص مثل "نعل المرحوم" و"الساحرة" و"كابوس"، ونفخت الروح في الجماد في نصوص مثل "أيام الدرب" و"إلى اللانهاية"، وبموازاة ذلك ولجت لنفسية الكائن الإنساني في ظروف خاصة جداً كسرد شعور اقتراب الإعدام من الداخل كما في "دم المتهم" ومشاعر كره الآخرين تجاهنا كما في "جبار"، وأتصور أنها حققت الهدف لحد بعيد خاصة إذا اعتبرنا الكتابة حالة مكثفة من الولوج في عوالم لا يمكن ممارستها عملياً، ولكن القاص يمكن أن يعيشها ويمارسها ضمن عالمه الخاص. ومن الطبيعي تخلق عوالم كهذه أن تحضر الفنتازيا والكوميديا ويبرز الجانب الغريزي الذي يكشف ردود الفعل التلقائية دون ستار، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف المجاملة والمواربة، إلا أن العفوية تطفو بين الفينة والأخرى كاشفة عرينا الآدمي.

* ما هو تقييمك للمنجز السردي في السعودية؟ وكيف تلقيت خبر عدم دخول أي رواية سعودية في البوكر؟

- خلال الأعوام الخمسة الأخيرة شهدنا نهضة سردية محلية متميزة، عدد الروايات السعودية الصادرة هائل بالنسبة لشعب عرف التعليم متأخراً، وهي بالطبع متفاوتة الرؤى والفنيات، ولا يمكن لأي دارس للرواية العربية اليوم ان يتجاهل هذا المنجز الكبير بكل ما يحمله من مجد وإخفاقات، وكم أتمنى أن ينشأ لدينا تيار نقدي معتدل يتعامل مع هذا النتاج بشكل أكثر مهنية ومسؤولية، فمعظم الأصوات النقدية لدينا إما تجامل المنجز بشكل مخجل، أو تقذف به بالكامل في سلة المهملات، ومن الإجحاف أن نطلق على أي من هذين النوعين مصطلح "نقد". أما بالنسبة لجائزة البوكر فلها مقاييسها التي أوصلت هذه الأعمال للفوز أو الترشيح النهائي، فقد رشحت كمرحلة أولى من دور النشر ولم يكن يحق للدار أن ترشح أكثر من (3) روايات كحد أقصى حتى وإن كانت إصدارتها بالعشرات، لذا يجب أن لا نهمش ايضاً كتاباً أكفاء في باقي أقطار الوطن. في اعتقادي أن لجنة التحكيم كانت لها نظرتها ومقاييسها الخاصة ولم يدنس الترشيح أي فئوية أو انحياز، بل من السابق لأوانه إحاطتها بكل هذه الرؤى السلبية وهي ما تزال في سنتها الأولى.

* لو سألتك أي من الرويات السعودية التي أثارت دهشتك، سمها ولماذا؟

- لدينا محلياً أنواع من الروايات، ناضجة فنياً وفكريا: وهذه أعمال يعتد بها عموماً كتابها عادة من جيل الوسط لكنها ظلمت وسط هذا الموج الهائل من الاعمال الأقل مستوى.

ناضجة فنياً ومتواضعة فكريا: ومعظم كتاب هذا النوع من الإناث.

ناضجة فكرياً ومتواضعة فنياً: العينات من هذا النوع قليلة، وهي أيضاً سائدة لدى شريحتين، الكتاب الجدد، وكتاب المقالات المخضرمين الذين لم يمارسوا السرد من قبل.

غير ناضجة فنياً ولا فكرياً: كثيرة للأسف ومعظمها تجارب أولى ويتيمة.

وعن نفسي فإن كل عمل يحمل قيمة فكرية يغذيني، وكل عمل يحمل قيمة جمالية يمتعني، والأفضل هو من يجمع القيمتين.

* هل هناك قصور في تعامل النقد والمنجز الابداعي المحلي؟ لماذا يصرخ الكتاب دائما: ليس من نقد حقيقي لدينا؟ هل هذا صحيح؟

- النقد يا سيدي هو حالة من التشخيص الدقيق للمستوى الحقيقي للعمل، إنه مرآة الإبداع، يبرز لنا مكامن الضعف لنعالجها، ويدلنا على مكامن القوة لتعزيزها بصرف النظر عن اسم الكاتب أو فئته، إلا أننا لا نشهد هذا مع معظم من نطلق عليهم نقاد محليين للأسف.

الحالة الدارجة على الأغلب هي التعالي على مجتمع الكتاب وعدم الثقة في المنتج المحلي لأنه محلي فقط بصرف النظر عن العوامل الأخرى.

التعليق