إنعام كجه جي في "الحفيدة الأميركية": قص جذاب يتناول المفجع بسخرية

تم نشره في الثلاثاء 26 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً

 بيروت - رواية "الحفيدة الأميركية" للكاتبة العراقية انعام كجه جي تبرز أن الكاتبة ذات قدرة سردية غير عادية تستطيع -بادعاء البساطة أو حتى التبسيط في احداثها وحبكتها- أن تجعل القارئ يعيش الفواجع والاحزان العراقية "المعتقة" طويلا.

ولربما شعر القارئ أن الرواية هي من بين ندرة من الاعمال القصصية العربية التي تستولي عليه فتجعله يحجم أو ينسى اعطاء نفسه فرصة بين مدة من القراءة وأخرى ليتحول الامر إلى قراءة متصلة تجري بلذة وشغف.

الرواية التي جاءت في 195 صفحة متوسطة القطع صدرت عن "دار الجديد" في بيروت.

ولربما جاءت كلمة الاهداء، التي خطتها انعام كجه جي إلى كاتب هذه السطور، تختصر كثيرا لا مما جاء فيها فحسب، بل كثيرا مما جرى ويجري في بلاد الرافدين وطوفان الدم والاحزان فيها. قالت الكاتبة في لطف بدا اقرب إلى التحدي "...اذا كنت تحتمل جرعة اضافية من الوجع العراقي.. فتلطف بمطالعة روايتي".

وقد صورت الكاتبة الوجع بطريقة مختلفة لم تقتصر على تصوير الموت والتشرد والحزن والنقمة والغضب.

بدأت الكاتبة روايتها من النهاية. صور تختصر سنوات وأعمارا وفواجع وأحزانا لا تنتهي. الحفيدة الأميركية الجنسية تعود إلى العراق موطنها وموطن اهلها واجدادها، حيث امضت سنواتها الخمس عشرة الاولى. عودتها مختلفة كثيرا عن عودة آخرين من ابطال روايات أو ابطال حياة فعلية اليه أو إلى اوطان اخرى. ومن هنا فإن انعام كجه جي الصحافية والكاتبة المقيمة في باريس لجأت في كتابها هذا الرابع بعد روايتين وسيرة روائية إلى لعبة مألوفة في عالم الكتابة القصصية وهي ذلك الصراع أو تلك الاغراءات التي تدور من جهة بين "الإنسان" الذي يكتب ومشاعره المختلفة الخبيئة والمعلنة الظاهرة وبين "المؤلف" المحض اذا صح هذا التعبير من جهة اخرى.

تبدو انعام كأنها تتحدث عن المشاعر والوقائع الفعلية. تقابلها الوقائع والاحداث "الفنية" بمعنى تلك التي قد تدفع اغراءات عديدة -وطنية وغير وطنية- المؤلف اليها. وبمعنى آخر فقد يصح القول انها تشير إلى الامور الطبيعية الداخلية غير المزينة وإلى تلك الامور نفسها التي ستبدو مختلفة إلى حد ما اذا تولتها "الصنعة" الفنية. الا أن الكاتبة ترفض كما يبدو -ونستعمل هنا لغة النقاد القدامى في شكل خاص- هذا الامر خشية أن تتحول الصنعة معه إلى تصنع.

كانت عوامل "وطنية" قد جعلت امها وأباها -ونتيجة الظلم الوحشي الذي لحق بأبيها خلال عهد الرئيس الراحل صدام حسين- يهربان من العراق ويحملانها وشقيقها معهما.

أما هي فصارت أميركية خالصة. عادت إلى العراق في عمر الثلاثين لأسباب هي مزيج من الحاجة المادية ثم الشعور الوطني "الأميركي" ثم الحنين إلى الوطن القديم وأهمية ما تبذله الولايات المتحدة لإنقاذ بلد اهلها من الظلم و"حمل" الديمقراطية اليه.

الشأن المادي هو الاهم وقد جاء السببان الآخران سببين مساعدين يهونان اتخاذ القرار. اخذت الحكومة الأميركية بعد ما اعقب تفجيرات 11  ايلول "سبتمبر" 2001 تدفع مبالغ مالية مهمة جدا بالنسبة إلى الأميركيين المتحدرين من اصل عربي، والذين يتقنون لغتي بلديهما السابق والجديد للعمل، مترجمين مع القوات الأميركية في العراق بحجة تشجيع التفاهم وإنهاض العراق. بعد بعض التدريبات والارشادات ارتدى هؤلاء الثياب العسكرية وإن لم يكونوا من الجنود المقاتلين.

وسرعان ما بدأت الاوهام تزول، لم يكن قد بقي من عائلة "زينة" وهي ابنة زواج مختلط كلداني آشوري سوى جدتها بعد وفاة جدها الذي كان ضابطا وطنيا عراقيا كبيرا. الجدة على شوقها وفرحتها بتحقق حلم كانت تصلي له وتضيء الشموع امام الايقونات ثارت عندما اكتشفت حقيقة عمل حفيدتها ورفضتها ثم قررت ان تعيد تربيتها وطنيا وقوميا بمساعدة شابين مسلمين وطنيين من عائلة صديقة كانا مثل ابنين لها. وكان احد الشابين -في واقعية ورمزية محتملتين- أخا بالرضاعة للفتاة مما حال دون قصة حب بينهما.

في العراق تغيرت الفتاة، عند اول عودة لها الى أميركا التي لم تحبها امها وبقيت تحن إلى العراق حملت معها للام ليمونتين من حديقة بيت جدها "اشتهيتهما لأمي التي يبدو انها اكتشفت نعمة الخذلان قبلي وتحديدا منذ ذلك اليوم الذي سيقت فيه إلى الاحتفال الكبير في ديترويت لكي تؤدي قسم الولاء لأميركا وتنال بركة جنسيتها... دمعت عيناها وانا امد يدي بالثمرتين الصفراوين قطفتهما من البيت الكبير الذي امضت شبابها فيه"، اخذتهما الام بكلتا يديها "وتنشقتهما بعمق وكأنها تشم مسبحة ابيها وحليب امها وعمرها الماضي. حياة مغدورة تكومت في ليمونتين".

وقبل "الانتقال" ترسم لنا انعام حالات مرت بها بطلتها ومنها انها مرت مع رتل من الجنود في قرية مجاورة لها فيها ذكريات من ايام طفولتها وشاهدت اهلها. ودت لو تستطيع محادثة اهل القرية اي حديث "وكنت اريد ان اتباهى امامهم بأنني منهم سليلة منطقتهم اتكلم لغتهم بلهجتهم وبأن جدي هو العقيد الركن يوسف الساعور".. وأحست بأن عليها أن تكون مثل الممثلين البارعين في التقليد "القدرة على التقمص وتغيير الشخصيات وعلى أن اكون ابنتهم وعدوتهم في آن وأن يكونوا في الوقت نفسه اهلي وخصومي. من يومها بدأت اعي اصابتي بأعراض داء الشجن وأتعايش معه ولا ابحث له عن دواء. كيف اقاوم الداء الذي اعاد انجابي وهدهدني".. لقد واجهت الفتاة الام "شعبها" ومآسيه بعدما تصفه بأنه سذاجة ووهم عن الحرية والديمقراطية.

معرفة الكاتبة بالتفاصيل عراقيا وأميركيا تبدو جيدة مقنعة لا يشوبها ارتجال أو ادعاء نواجهه في بعض الاعمال. لقد اعدت "دروسها" بشكل مقنع مؤثر وموحٍ.

تعود بطلة انعام كجه جي الى اميركا وقد حققت "خلاصها" وتوازنها نفسيا وعقليا وربما عمليا. تقول "لا اظن انني احتاج مصحة نفسية مثل العائدين من العراق. شجني يداويني ولن اترفق به.. لن انتحر كما فعل" صديقها وزميلها "البصراوي" الذي اسمته مالك الحزين.

"وضعت بدلتي الكاكية في كيس ورميتها في برميل المطبخ... عدت وحيدة... لم اجلب معي هدايا ولا تذكارات. لا احتاج لما يذكرني. اقول مثل ابي.. شلّت يميني اذا نسيتك يا بغداد".

التعليق