"شمس صغيرة" يلوّن المدينة و"في الليل" يطرق بابا صعبا و"مونولوج" يشدو الألحان

تم نشره في الجمعة 22 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً

انطلاق فعاليات "نظرة على السينما الأردنية" ضمن "كارافان" بعد غد

محمد جميل خضر

عمّان- من قلب موسيقى شجية، يصدح فيلم "شمس صغيرة" للمخرج السوري الفوز طنجور بمقولته الجمالية عن الناس والأشياء والأماكن.

وضمن فعاليات "كارافان السينما العربية الأوروبية"، الذي يتواصل في المتحف الوطني وحديقة المتنزه التابع له في جبل اللويبدة ومقر الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في جبل عمان- الدوار الأول حتى 25 الشهر الحالي بدعم من الاتحاد الأوروبي (برنامج يوروميد 2 المرئي والمسموع)، عرضت مساء أول من أمس إضافة لـ "شمس صغيرة" أربعة أفلام روائية ووثائقية: الفيلم الروائي "غدا سنذهب إلى السينما" للمخرج البولندي مايكل كويشينسكي في المتحف الوطني، الفيلم الوثائقي "رنات العيدان" عن عائلة جبران الفلسطينية للمخرجة السويسرية آن ماري هالر، الفيلم الوثائقي "في الليل" للمخرجة الأردنية سوسن دروزة في مقر الهيئة الملكية للأفلام والفيلم الروائي "مونولوج" للمخرج السوري جود سعيد في مقر الهيئة الملكية.

ويحاول فيلم "شمس صغيرة" الروائي القصير الذي عرض مساء أول من أمس في مقر الهيئة الملكية للأفلام، الغوص في أحشاء مدينة دمشق، وتقديم رؤية مغايرة لناسها وحاراتها القديمة وعلاقاتها المرهونة للغليان على نار هادئة لا يكاد وهج احتراقها يظهر للعيان.

وعن مدينة كبيرة وغامضة، تزورها الشمس كل صباح، يحاول أن يكتب الصحافي المشاكس (أدى دوره الفنان السوري فارس الحلو)، الذي تتعرض مقالاته عادة لشطب وحذف وتدخل قاس من مقص الرقيب وقلم سلطته الأحمر.

ورغم اعتراضه المتكرر على مسألة حذف شيء من مقالاته، إلا أن الفعل يتواصل، وهو (هنا) فعل منطلق ليس من ضرورات لغوية أو تحريرية أو مهنية بحتة، ولكن دوافعه الأساسية أمنية، تتعلق بالتزام إدارة التحرير بما تسمح به السلطة وبما تمنعه وتعمم بأنه خط أحمر.

وفي قلب صراع الكاتب مع الرقيب، تحاول ابنته الطفلة لونا في الفيلم الذي بلغت مدته 18 دقيقة، أن تشكّل مصدر تفاعل بينه وبين العالم، ويحاول ابن جيرانها الصغير أن يتمرد على آلة القمع التي يمثلها والده، ويسافران معا (الطفل والطفلة) يوميا عبر سيارة معطلة لا تسير، في رحلة أحلام وخيالات طفولية وأمنيات متجددة.

تموت لونا (تدهسها سيارة) وهي تحاول اللحاق بسيارة الأمن التي اقتادت والدها إلى مكان مجهول، كانت على دراجتها الهوائية، ماتت البنت فيما ظل دولاب الدراجة يدور. يحرق الطفل السيارة المعطلة التي يركنها والده بانتظار ما قد لا يجيء، يذهب لبيت صديقته الذي أصبح خرابا (سجن الأب وماتت ابنته)، يكتشف أن والد لونا كان حضر هدية عيد ميلادها (لوهلة اعتقدت لونا أن والدها لم يسمعها ولم يكترث عندما ذكرته بعيد ميلادها مشغولا بمشاجرة الرقيب عبر الهاتف)، يفتح الطفل الهدية يتبين أنها لطفل وطفلة يتقابلان باقتراب حميم ويدوران وتدور معهما موسيقى ناعمة شجية تشلع القلوب، يقول الطفل لعين الكاميرا "الشام حلوة.. حلوة والله" وكان خاض نقاشا حادا مع لونا ضمن أحداث الفيلم رأت هي خلاله أن الشام حلوة، ورأى هو أنها (بشعة). ولكن صديقهما كشيش الحمام (أدى دوره الفنان السوري فايز قزق)، أقنعه أنها حلوة وطلب منه أن ينظر إليها بعيون الحمام.

الطفل وجد في بيت لونا أيضا، منظارا كانت تتجول في الشام من خلاله، وكان يفتح لها طاقات من نور على الأشياء من حولها، يضع الطفل المنظار على عينيه: الشام ما تزال مستمرة كإيقاع يومي لا يموت: العجوز الحامل سيجارته بين شفتيه كجزء من تمرد عام، النساء اللواتي يجففن البندورة، الأطفال الراكضون في الطرقات الضيقة، الحمام المحلق في سماء المدينة، وهي المشاهدة التي جعلته يستنتج أن الشام حلوة لذاتها، وبما هي، وبما تحلم أن تكون.

وحمل الفيلم الوثائقي الأردني "في الليل" لصاحبته سوسن دروزة كتابة سيناريو وإخراج وتصوير، جرأة لافتة في تناول موضوع حساس ومتداخل وخطير يتعلق ببنات الليل ومجمل عالم الليل من نواد وبارات ومطاعم ليلية، وبقليل من الكلام وكثير من الصور الحريصة على شروط اللعبة والمتقيدة بما سمح الآخرون به (من نساء ليل وأصحاب مثل هذه الأماكن) وبما سمحت هي كمخرجة لنفسها به مهنيا وإنسانيا وأخلاقيا بالتشاور مع فريق عملها، خصوصا مساعدتها الرئيسية بالفيلم هدى التليلي.

ويسعى الفيلم المقدم في 28 دقيقة عرض، أن يغوص في المسكوت عنه، ويدخل منطقة ظلت محرمة على الصحافة والإعلام عموما، ولم يصلها الفن المحمول بكاميرا على وجه العموم.

وعبر عناوين فرعية، تقوم كاميرا دروزة بجولات ليلية ونهارية وتلج أماكن لم يتعود أصحابها ومرتادوها رؤية نساء عاديات (غير منخرطات في العمل الليلي بمختلف تمثلاته) فيها، وتحاور بعض بنات الليل ممن قبلن الحديث معها، وترصد عين كاميرتها تفاصيل كثيرة ثم تعيد منتجتها بطريقة يمكن عرضها، ما أدى إلى احتواء مشاهد الفيلم على تداخلات بصرية وعناصر حركة لحيوات وجمادات داخل إطار البؤرة، جعلت بعض مكونات الفيلم تشبه كليب الأغاني.

ورغم التبرير المتكرر لكثير من النساء اللواتي قابلتهن دروزة ومعها التليلي، حول ظروف المعيشة وموت المعيل وتحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية مبكرة، إلا أن دروزة لا تجعل من هذه التصريحات حقيقة مطلقة، وتحاول عبر حوار منتج مع رفيقتها في رحلتها الليلية هدى التليلي، امتحان مصداقية هذه المبررات ومنطقيتها في آن.

يشبه فيلم "في الليل" مقدمة لمشروع سينمائي (روائي أو وثائقي) أطول وأشمل وأكثر جدلا حول هذا الموضوع الحساس وحول أقدم مهنة في التاريخ: الدعارة.

ورغم حميمية الكاميرا في الفيلم الروائي السوري "مونولوج" للمخرج جود سعيد، إلا أن مشهد نهاية الفيلم جاء وكما لو أنه بتر من سياق عام لم يكتمل.

ورغم ما تقدم، حملت الرسالة البصرية التي حاول الفيلم إيصالها كثيرا من الشفافية والرومانسية. وحدبت عين المخرج ومصوره على حارات الشام القديمة، خصوصا في المشاهد الليلية، أو الملتقطة في أول الصباح ومع تباشير الفجر الأولى.

وتنطلق في الثامنة من مساء بعد غد في مقر الهيئة الملكية للأفلام عروض برنامج "نظرة على السينما الأردنية" ضمن فعاليات الكارافان لهذا العام.

ويعرض في الثامنة من مساء اليوم الأول للبرنامج (الأحد) الفيلمان الروائيان: "صراع في جرش" المنتج عام 1957 من إخراج واصف الشيخ و"عاصفة على البتراء" المنتج عام 1965 من إخراج فاروق عجرمة، وتختتم عروض البرنامج في اليوم التالي (الاثنين) بالفيلمين الروائيين أيضا: "الأفعى" من إخراج جلال طعمة وإنتاج 1970 و"حكاية شرقية" من إخراج نجدت أنزور وإنتاج 1991.

التعليق