إصدار جديد لعدنان البخيت يعاين جوانب متعددة من تاريخ بلاد الشام

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً
  • إصدار جديد لعدنان البخيت يعاين جوانب متعددة من تاريخ بلاد الشام

 عمان-الغد- يرى أستاذ تاريخ العرب الحديث والمعاصر في جامعة دمشق د. عبدالكريم رافق أن بحوث د. محمد عدنان البخيت في كتابه "دراسات في تاريخ بلاد الشام" تتميز باعتمادها المصادر الاولية بأنواعها من عربية وتركية وعثمانية واوروبية, فالعربية منها تضم سجلات المحاكم الشرعية, ومجموعات الفتاوى وكتب التراجم والاخبار والرحلات, والتركية- العثمانية تضم سجلات الطابو والمالية وكتابات المؤرخين الاتراك, وتضم المصادر الاوروبية كتب الرحالة الذين أموا بلاد الشام والكتابات الحديثة حول جوانب متعددة من تاريخ بلاد الشام.

ويؤكد رافق على حرص البخيت على تحقيق ونشر بعض هذه الاصول, كما انه استخدمها جميعها في كتابة بحوثه, وفق الشروط العلمية المنهجية الدقيقة, فجاءت بحوثه موثقة ومبينة على مصادر اولية, كما اتصفت استنتاجاته التي بناها عليها بالواقعية لانها تقف على ارض صلبة من الحقائق التاريخية.

ويقول "تعد بحوث البخيت مدرسة بحد ذاتها في المنهج العلمي يفيد منها الباحث المتخصص, كما الطالب الجامعي والقارئ العادي, من دون ان يخشى وجود خلل في تحقيقها او شطط في تفسيرها".

ويضيف "ليست هذه الملاحظات مبنية على دراسة البحوث المنشورة في هذا المجلد فحسب بل تنطبق على البحوث التي كتبها البخيت كافة سواء منها تلك التي شارك بها في المؤتمرات الدولية, او التي وضعها لتكريم زملاء افاضل له, ونلاحظ في جميع كتابات البخيت تقيدا بالموضوعية, وهي موضوعية العلاقة بين المؤرخ والحقيقة التاريخية, فلا يشتط في التفسير ولا يحمل الحقيقة اكثر مما تطيق من المعاني, كما انه لا يغمط حقيقة على حساب أخرى لتتلاءم الحقائق مع نظرية مسبقة له, تخرج الحقيقة من سياقها وواقعيتها, بل هو يستخرج نظرياته واستنتاجاته من داخل الحقائق, كما يقتضي المنهج العلمي".

ويؤكد رافق أن بحوث هذا الكتاب تعالج مواضيع شتى, يجمع بينها إطار تاريخي واحد هو تاريخ بلاد الشام في العقود الاخيرة من الحكم المملوكي والقرون الاولى من الحكم العثماني, وتركز في عدد منها على القوى المحلية في الارياف وعلاقتها بعضها ببعض وكذلك مع حكام الولايات.

ويتطرق رافق الى البحوث المنشورة في هذا المجلد التي تضم رسالة السلطان العثماني بايزيد الثاني الى عبدالمؤمن الحفصي الذي بويع الخلافة في تونس عام 893هـ/ 1487م مقدما وساطته بين العثمانيين والمماليك لاحلال السلام بينهم خشية الخطر الصفوي المتصاعد في ايران واثارته الفتن بين القبائل في شرقي الاناضول الواقعة تحت الحكم العثماني.

وأهمية هذه الرسالة تكمن في الصراع على النفوذ في تلك الفترة بين قوة عثمانية راسخة البنيان بعد توطيد قدمها في البلقان, واحتلال القسطنطينية في عام 1453م, وضم امارات الغزاة التركمان في الاناضول والتفاتها الى التوسع في الولايات العربية حيث الموارد الاقتصادية والاماكن الدينية الاسلامية, وبين سلطنة مملوكية اصابها الانحطاط, وبين قوة صفوية شيعية اثني عشرية على وشك توطيد سلطتها في ايران.

ويلفت رافق الى أن البخيت يورد في بحث لاحق نصين اولهما بقلم مصطفى بن كرامة الطرابلسي, وثانيهما بقلم الحسن البوريني الدمشقي يعرضان لتفاصيل الاحداث التي جرت في بلاد الشام في الفترة بين عامي 1015-1016هـ/ 1606-1607م, حين ثار علي باشا جانبلاط في حلب وانضم اليه فخر الدين المعني الثاني امير جبل لبنان, وحصارهما لدمشق وتهديدهما قافلة الحج الشامي, وشمول الاضطرابات منطقة نابلس, وكلفت الدولة يوسف باشا سيفا التركماني لقتال الثائرين, واهمية هذا البحث ان علي باشا جانبلاط هو امتداد لثورات الجلالية في الاناضول, وفي تحالفه مع فخر الدين وحصارهما لدمشق تحدٍ واضح للسلطة العثمانية التي بطشت بعد قليل بهذين الثائرين.

كما يلفت الى تناول البخيت في بحث آخر جوانب من تاريخ بيروت في بدايات الحكم العثماني, ومحاولة سلطاتها تحصينها وتجديد سورها لترد غارات الفرنجة, حيث يصف البخيت بروز الاسرة التركمانية, ويستطرد في وصف سكان بيروت ومحلاتها من الضرائب المفروضة عليها بالاستناد الى دفاتر الطابو العثمانية.

ويشير الى تناول البخيت في بحث آخر تاريخ اسرة آل الحنش البدوية في منطقة البقاع, منذ اواخر عهد المماليك وحتى اوائل حكم العثمانيين, فيعالج المهام التي أوكلت اليهم, من إدارية وضرائبية, في منطقة البقاع الغنية بالموارد الاقتصادية, ونظراً لذلك توجب على المماليك والعثمانيين, على حد سواء, اما اخضاع هذه الاسرة لسيطرتهم او ارضائها باستخدامها في موازنة القبائل الاخرى, وفقاً للاوضاع السياسية القائمة.

وقد استخدم الدكتور البخيت في كتابة هذا البحث مجموعة من المصادر المعاصرة لاسرة آل الحنش, وكذلك دفاتر الطابو العثمانية التي استخدمها بكثرة للتعريف بالقرى التي اوكل امرها آل الحنش, وتوزع سكانها, ومقدار الرسوم المجباة, وكذلك اسهام اسرة آل الحنش في تحبيس الاوقاف".

ويقول رافق إن البخيت يتبع هذه الدراسة بملاحق تضمنت نصوص رسائل من ناصر الدين ابن الحنش الى السلطان سليم العثماني بُعيد احتلال السلطان لبلاد الشام في العام 1516م.

كما ويرتبط بالبحث السابق ما كتبه الدكتور البخيت في بحث آخر عن العشائر العربية في ولاية دمشق الشام في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي, بالاستناد الى دفاتر الطابو والمهمة العثمانية التي قلما رجع الباحثون اليها حول موضوع العشائر, ومن هنا اهمية هذا البحث والمعلومات الواردة فيه, وموقف العثمانيين من هذه العشائر في العقود الاولى من حكمهم لبلاد الشام.

ويشير رافق الى أن البخيت مهد لبحثه بايراد المصطلحات التي استخدمتها كتب الانساب حيث الاشارة الى العشائر وتفرعاتها.

ويعدد البحث هذه العشائر, ويتناول موقف السلطات العثمانية منها, فقد خطبت ود القبائل القوية فأسبغت عليها الالقاب والاموال وعهدت اليها بالاقطاعات وبالتزام الضرائب وحتى تعيين رؤسائها حكاماً محليين, في حين شددت قبضتها على القبائل الصغيرة, كما أنها اعتمدت سياسة "فرق تسد" اذ اثارت قبيلة ضد اخرى لاضعاف القبيلتين.

ويؤكد رافق أن بحث البخيت يرصد بدقة اماكن توزع هذه العشائر, وعلاقاتها بعضها ببعض, وبالإدارة العثمانية. حيث يورد في الهوامش تفاسير دقيقة للمصطلحات والتعابير الواردة في المتن, وكذلك التعريف بالاماكن كعادته في بحوثه كافة, مما يسهل للقارئ عناء البحث عنها.

وفي بحث العوائد المالية لمقاطعات دمشق يزودنا البخيت بتفاصيل مهمة مبنية على دفتر الطابو لسنة 977 هـ/1569م, وخاصة انه يأتي مع مطلع عهد السلطان سليم الثاني, ومن هنا اهمية هذا البحث والشروح الواردة في هوامشه.

التعليق