"ظل الغياب": سؤال والهوية والوجود

تم نشره في الخميس 21 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً
  • "ظل الغياب": سؤال والهوية والوجود

"كارافان السينما" يتواصل اليوم بثلاثة أفلام وثائقية

محمد جميل خضر

عمّان- تتحول مقابر الشهداء والموتى بطول الانتظار وتعب الحياة في فيلم الفلسطيني نصري حجاج "ظل الغياب"، إلى محطات انتظار جديدة، علها تنتقل بمن تحتضنهم من مهجرين ومبعدين ومطاردين وملفوظين من مشروعية الوجود، إلى أمكنة أكثر لياقة ومعنى، أو علها تستريح أخيرا في بطن الأرض التي ولدتهم أو ولدت أمهاتهم وآباءهم ذات يوم بعيد.

وفي اختيار ذكي ومؤلم لقصة فيلمه الوثائقي الطويل، يتناول حجاج في "ظل الغياب" الذي عرض مساء أول من أمس في المتحف الوطني للفنون الجميلة (القاعة الداخلية) ضمن فعاليات "كارافان السينما العربية الأوروبية" الذي يتواصل في المتحف الوطني وحديقة المتنزه التابع له في جبل اللويبدة ومقر الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في جبل عمان- الدوار الأول حتى 25 الشهر الحالي بدعم من الاتحاد الأوروبي (برنامج يوروميد 2 المرئي والمسموع)، قصص الموت الفلسطيني منذ 60 عاما، ويرصد بكاميرا بليغة الحساسية والدلالة والفهم، التفاصيل المتعلقة بما بعد الموت من مكان الدفن وما ورد بوصية الراحل (أيا كانت مكانة هذا الراحل أو رمزيته) حول مكان دفنه، والإمكانيات المتاحة لتحقيق تلك الوصية، وبدائل تعذر تحققها.

وبتوازن محكم ومضبوط الإيقاع بين اللغة البصرية التي تحركت الكاميرا من أجل تحقيقها في كل اتجاه (شوارع، حقول، بيارات، وجوه أطفال، مقابر جماعية، عواصم، أسيجة، دموع، شواهد وصور كثيرة أخرى) ، وبين الحوار الكلامي وجمل التعليق داخل أحداث الفيلم وانتقالاته، يبحر حجاج صاحب التجربة السينمائية الممتدة على مساحة 25 عاما، مع مشاهديه إلى مختلف مناطق الشتات الفلسطيني، معظم الدول العربية: لبنان والأردن وسورية ومصر والعراق وتونس وكثير من دول الخليج العربي، ذهابا باتجاه أوروبا (لندن وباريس نموذجيْن) وأميركا الشمالية واللاتينية، ويتابع قصص موت كثيرة، وحكايات وجع لا تنتهي.

ويبقى السؤال المتكرر في مختلف مشاهد الفيلم وانتقالاته: أين ندفن موتانا؟ رَفَضَنا الاحتلال أحياء فبأي شرعة يحرمنا من معانقة ثرى أرضنا أموات لا حول لنا ولا قوة؟!؟

وعبر إحاطة لحوحة ومثابرة تسجل لمخرج الفيلم وكاتب نصه وصاحب فكرته، لا يدع حجاج قصة موت فلسطيني تفوته، منذ أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي لم يشأ أن يثقل على من بعده فأوصى أن يدفن في غور الأردن، ليقينه بتعذر السماح لجسده حتى وإن كان ميتا قطع النهر، فاختار أقرب نقطة تطل على أريحا في منطقة أبو عبيدة أول الأغوار الشمالية شرق النهر، مرورا بالرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) الذي كان أوصى أن يدفن في حرم المسجد الأقصى داخل البلدة القديمة في القدس المحتلة، وعندما تعذر ذلك رغم الوساطات العالمية اللحوحة بشأن تحقيق هذه الأمنية له ميْتا، فقد دفن داخل مقاطعة الرئاسة في رام الله، ووجه القبر باتجاه الأقصى وقبة الصخرة ووضع الجثمان داخل تابوت حجري قابل للنقل، علّ وصيته تتحقق ذات يوم.

وفي سياق متواصل وداخل الإطار العام لفكرة الفيلم، يمر حجاج على قصة موت مبدعين ومفكرين وسياسيين ومناضلين وقادة فلسطينيين: إدوارد سعيد (دفن داخل حرم كنيسة لبنانية تشبه إلى حد ما روحانية المكان الذي أوصى أن يدفن فيه داخل القدس)، ناجي العلي (دفن في لندن)، معين بسيسو (دفن في مصر)، غسان كنفاني، علي فودة، خليل الوزير (أبو جهاد)، كمال ناصر، الحاج الحسيني (دفنوا جميعهم في مقبرة الشهداء قرب مخيم شاتيلا في لبنان)، فيصل الحسيني الذي دفن داخل حرم الأقصى بقوة دفع شعبية عارمة فرضت على الاحتلال الرضوخ، وآخرين أعلام وأناس عاديين دفنوا في الأردن وفيتنام وتونس وسورية والعراق وأماكن أخرى كثيرة في هذا العالم الواسع.

وكان الشاعر الراحل محمود درويش الذي قال ذات يوم بعيد "أريد جنازة وتابوتا أنيق الصنع"، الحاضر الغائب في فيلم "ظل الغياب"، فالفيلم أنتج قبل موته، لكن أي مشاهد للفيلم لا يستطيع أن يمنع نفسه من استحضار قصة موته هو الآخر، وكيف تأخر دفنه أيام علّ سلطات الاحتلال الصهيوني تقبل أن يدفن في البروة مسقط رأسه قرب عكا أو في الجديْدة حيث تقيم عائلته حاليا قرب الناصرة، إلى أن رضخت القيادة الفلسطينية أخيرا ودفنته على تل مطل في رام الله قرب قصر الثقافة الذي شهد آخر أمسية له في بلد عربي.

درويش كان حاضرا من زاوية أخرى، لأن كثيرا من أشعار رافقت مشاهد الفيلم، كانت من أشعاره بصوت نسائي "لا ينظرون وراءهم ليودعوا منفى، فإن أمامهم منفى، لقد ألفوا الطريق الدائري، فلا أمام ولا وراء، ولا شمال ولا جنوب. "يهاجرون" من السياج إلى الحديقة، يتركون وصية في كل متر من فناء البيت: "لا تتذكروا من بعدنا

إلا الحياة"..."يسافرون" من الصباح السندسي إلى غبار في الظهيرة، حاملين نعوشهم ملأى بأشياء الغياب: بطاقة شخصية، ورسالة لحبيبة مجهولة العنوان: "لا تتذكري من بعدنا إلا الحياة" و"يرحلون" من البيوت إلى الشوارع، راسمين إشارة النصر الجريحة، قائلين لمن يراهم: "لم نزل نحيا، فلا تتذكرونا"! يخرجون من الحكاية للتنفس والتشمس يحلمون بفكرة الطيران أعلى... ثم أعلى يصعدون ويهبطون، ويذهبون ويرجعون ويقفزون من السيراميك القديم إلى النجوم ويرجعون إلى الحكاية... لا نهاية للبداية يهربون من النعاس إلى ملاك النوم، أبيض، أحمر العينين من أثر التأمل في الدم المسفوك:"لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة".

أو كما في اقتباس آخر من عبقرية درويش التي لن تموت "لم يسألوا: ماذا وراء الموت؟ كانوا يحفظون خريطة الفردوس أكثر من كتاب الأرض، يشغلهم سؤال آخر: ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟ قرب حياتنا نحيا، ولا نحيا. كأن حياتنا حصص من الصحراء مختلف عليها بين آلهة العقار، ونحن جيران الغبار الغابرون. حياتنا عبء على ليل المؤرخ: "كلما  أخفيتهم طلعوا عليَّ من الغياب".

"ظل الغياب" فيلم عن الوجع النافذ في الروح، وعن الحقيقة مرة بلا هيل ولا محسنات، وعن شرفات تطل على مقابر جماعية ومجازر لا تنتهي، وعن بلاد لا حدود لها "كفكرتنا عن المجهول"، وعن أهل الشاطئ الآخر، بصوت كاميليا جبران حيث انتهت مشاهد الفيلم ولم تنته أسئلته.

وفي سياق متواصل، عرض في حديقة المتنزه التابع للمتحف الوطني الفيلم المصري الروائي "عين شمس" إخراج إبراهيم بطوط. وسافر الفيلم المنتج عام 2008 من قبل شريف مندور في طرقات وأزقة عين شمس التي كانت في زمن الفراعنة عاصمة لمصر وموقعا مقدسا زاره المسيح ومريم العذراء، إلى أصبحت الآن (كما يحاول الفيلم أن يقول) من أفقر مناطق مصر وأكثرها إهمالا.

ويتواصل اليوم "كارافان السينما العربية الأوروبية" بعرض الفيلم الوثائقي الفلسطيني "خمس دقائق في بيتي" من إخراج ناهد عواد في السادسة مساء في القاعة الداخلية للمتحف الوطني، وفي الحديقة يعرض في الثامنة مساء الفيلم الوثائقي القطري "من حلب إلى هوليود" من إخراج محمد بلحاج وحضوره الشخصي. وفي مقر الهيئة الملكية يعرض الفيلم الوثائقي المصري الكويتي المشترك "البحث عن رفاعة" إخراج صلاح هاشم وحضوره الشخصي أيضا.

التعليق