"عقيدة رقص" للكاتبة ميس العثمان: الرواية حين تزيح الشعر

تم نشره في الأحد 3 آب / أغسطس 2008. 09:00 صباحاً

 

بيروت - عند قراءة عدد من الاعمال الروائية، التي قد يكون من اواخرها عمل الكاتبة الكويتية ميس خالد العثمان "عقيدة رقص"، قد تعود الى النفس أسئلة درجت على أن تطل برأسها في مجالات عديدة في الحقبة الأخيرة.

من الاسئلة -أو التساؤلات- واحد يتعلق فيما غدا شبه مسلّمة عند عدد كبير من النقاد ودارسي الأدب وقد عبروا عنه بما معناه ان الرواية في العالم العربي ازاحت الشعر وحلت محله أو أن عهد الشعر انصرم فحلت محله الرواية وتحولت الى "ديوان العرب" الجديد.

وهذا التساؤل لا يغفل عن أمر هو أن الشعر -وعلى رغم سيطرة ما سمي بالاتجاه المغرق في الواقعية بسماته الآلية التي تطبع كثيرا من أعمال هذه الايام- كان وما يزال "يسكن" كثيرا من الكتابات الروائية ويعطيها حياة وإيحاء شرط ان يغني الكتابة القصصية. الكتابة القصصية الشعرية اذن ليست أمرا طارئا بل هي عريقة في الحياة الأدبية.

لكن ربما بدا لقارئ عدد من الاعمال الروائية العربية في هذه الحقبة ان الشعر "معبود العرب" التاريخي الذي كان قد تربع لزمن طويل على عرش الأدب العربي والذي قيل أن عهده افل وحلت الرواية محله قد عاد في شكل آخر. لقد عاد وتلبّس كثيرا من الاعمال القصصية العربية.

والشعر في هذه الحال وعلى عكس ما ألفناه في "الرواية الشعرية" لا يشكل على رغم حرارته وتأثيره قيمة اضافية بل هو اقرب الى ما يسمى "حمولة اضافية". انه يرهق العمل الروائي ويحول كثيرا من انماطه الى شعر يتخذ شكلا قصصيا.

كأن الامر عند البعض يجسد ما يحمله المثل الانجليزي الذي يقول "العادات القديمة يصعب ان تزول". ونستطيع في هذه الحال ان نقرأه كما يلي "الحب القديم يصعب ان يموت".

أما الاحتمال الآخر فربما كان اشد "ايذاء"، إذ يظهر عددا من الكتاب العرب في حال تشبه العجز عن فهم العمل القصصي وانهم -على عكس نخبة كبيرة من الروائيين- في حاجة الى مزيد من الزمن والتخمر والممارسة.

وقد يشعر القارئ الناقد ان ما يقال اليوم عن تداخل الاجناس الادبية وزوال الحدود بين مختلف الانماط لا ينفع في تبرير اعمال من هذا القبيل. ولا بد من القول ان في كثير من هذه الاعمال نتاجا شعريا جميلا ونصوصا قصصية موفقة، لكن المأخذ يبقى على تلك "الكيمياء" التي سعت الى المزج بين الاثنين ولم تدرك ما قد يؤخذ على العمل في مثل هذه الحال.

رواية ميس خالد العثمان شكلت مناسبة تذكرنا بهذا الامر. ولا شك في ان هناك ظلما كبيرا للكاتبة وللكتاب اذا تصورنا هذا الكلام وصفا لعملها المؤثر في كثير من المجالات أو حتى تعليقا عليه. انه نافذة تذكرنا -ربما لأن فيها قدرا كبيرا مما يؤثر- بهذا الاتجاه.

ورواية ميس خالد العثمان الكاتبة والصحافية، التي جاءت في 145 صفحة متوسطة القطع، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. والرواية "عراقية" مسرحا وأحداثا ومشاعر.

تبدأ الكاتبة بكلام تحت عنوان "اضاءة" تنقل فيه عن قاموس المورد للدكتور روحي البعلبكي عن معنى "رقص". نقرأ بعد ذلك كلاما من رواية "زوربا" لليوناني نيكوس كازانتزاكي هو "لدي اشياء كثيرة اقولها لك لكن لساني قاصر عن ذلك. اذن سأرقصها لك".

وتحت عنوان هو "ما قبل الاهداء - كلمات من اوشو" عن الموسيقى وأن يعيش المرء الحياة كرقصة. بعد ذلك وفي مسك ختام قبل الاهداء صفحة من الشعر لشاعر من الكويت هو محمد هشام المغربي. ومن قوله:

"بغداد يا وطني

السراب الغائب

المغروس في لحمي

محال ان يفسر موقفي احد".

.. وينتهي بالقول:

"سنعود يا ارضي نقبل تربة عيّت خضوعا

خلّفتنا ها هنا رغم المنافي شامخين".

وتحت عنوان هو "تستدير الى الابد"، تبدأ الرواية شعريا وبجمال معرّفة بالبداية فتقول "قمرنا كان هلالا... تتدلى منه نجمة متأرجحة تتوارى بطفولة وراءه. بقيت ابحلق به لأنني كنت اظن بأن القمر غادر سمانا..غادرنا.. ترك دجلة وحكايات الناس التي كانت تذكي ضوءه كلما ند سر جديد من افواههم... كنت على يقين ان القمر قد تركنا فعلا.. فاسحا المجال لهرطقات الشيوخ على المقاهي ولعب الطاولة وثرثرات النساء ومرح الاطفال". وفيها "في ايلول (سبتمبر) 1989 في آخر ليلة من بلد "اللاقمر" قالت تلك العجوز التي زارتنا كالمصادفة الثقيلة وتفننت في تمزيق ساعاتنا الاخيرة.. مع اسرتي كنا نفترش حبنا ونلوك كل الحكايات التي ترسبت في ذاكرة اعطبتها الحروب والالم والخوف والسجن والهرب المتواصل". وتقول "قلت.. الغيم يتوالد.. والقمر يندس ليختفي مجددا... قالت العجوز.. القمر غادرنا منذ زمن.. الى هناك رحل ينظر الينا بعين منكسرة فضل تلك الارض التي تحييه كل مساء بالقران والنور والصلوات".

بعد نضال ودخول السجن قررت البطلة ان تهرب من العراق. تقول: "كنت جاهزة كي اولد بعد ساعات من رحم ارض اخرى". تقول عن امها الباكية ولها "كنت اشاطرها البكاء من دون ان احدد سببا واضحا لله لكنني كنت اتمنى لو اصرخ بكل ما اوتيت من شباب بأنني لا احبكم وبأنني وبأنني سأدفن نفسي في رمل غريب لأنني مختلفة ولأنني ورثت التمرد عن ابي".

تركب السيارة التي سيسير بها سائقها جنوبا. تضع الكاتبة بعد كل بضع صفحات عناوين شعرية منها مثلا كل شيء مكبل.. من يستطيع منعك من استذكار اجمل ايامك.. من يحشر نفسه بينك وبين شاعرية الاشياء.

تتحدث مع السائق الذي سألها عن سبب مغادرتها العراق بعد انتهاء الحرب فتقول: "أصارحه بأن هذا الوطن اللعين لم يمنحني سببا واحدا لأحبه بجنون. لا تصدقني.. ربما كل ما حدث ويحدث لي لأنني احبه بطريقتي الخاصة جدا تلك التي لم يفهمها حتى اقرب الناس الى روحي".

في الرواية تراكم عن الآلام والمآسي التي تنتج عن الحرب في العراق ولبنان وغيرهما من خلال ضحايا لها جمعتهم زمالة عمل وصداقة في الكويت. إلا أن هذه القصص المفجعة والرهيبة لا تضيف كثيرا الى العمل الروائي وتكاد تكون نفس الصور التي تحفل بها اعمال اخرى، فأشكال الموت العديدة لم تعد غريبة على الانسان العربي في شكل خاص. المهم هو الرؤية التي تستخدم فيها هذه القصص لتوصل الى غاية فنية أو انسانية معينة فلا يقتصر وقعها على مجرد اثارة التفجع.

في الفصل الاخير من الرواية تبرز سمات العمل كلها أو جلها وتصوير لنهايات تبقى حزينة في كل ألوانها. عنوان الفصل هو "ملطخ بالتوت" وهو يبدأ على الشكل التالي "انتفاخ هل تمضي الحياة هكذا.. علامات حمراء.. يومان اقل.. خمس اكثر.. اقلب حزن اجندتي.. لتتقافز نقاطي القانية بأيام تظل تتباعد وتقترب من دون كلل. وحدها مزاجية الايام تتشابه بينما يتنامى على جلدي مؤشر الاحساس بالالم الى درجة لا يغفرها جسدي".

ميس خالد العثمان كاتبة شاعرة تترك اثرا في النفس من دون شك. لكن قد يكوّن القارئ انطباعا بأنها لو كتبت النص الشعري منفصلا ليأتي ابنا للتجربة الشعورية الخاصة به لجاءت بشعر جميل ولجاءت نصوصها القصصية اكثر تحررا ورسوخا بدلا من سقوط الحمولة الزائدة عن الشعر والرواية كليهما.

التعليق