"العقيدة والإنتاج المعرفي" دراسة تؤكد أن أوروبا استوردت عقائدها الدينية من العرب

تم نشره في الجمعة 1 آب / أغسطس 2008. 10:00 صباحاً
  • "العقيدة والإنتاج المعرفي" دراسة تؤكد أن أوروبا استوردت عقائدها الدينية من العرب

 

عمان- الغد- يرى الباحث صادق انعام الخواجا في كتابه "العقيدة والانتاج المعرفي" الصادر أخيرا عن دار الشروق للنشر والتوزيع أن تاريخ العالم العربي والهندي والصيني والفارسي وحتى الياباني يمتاز بوجود تجارب وجدية نجحت في التحول الى ديانات قوية استطاع بعضها الانتشار خارج حدوده الجغرافية.

ويشير الخواجا الى أن فكرة الالوهة في بعض أديان الشرق الاقصى لم تكن واردة، بل على الارجح انها فكرة لاحقة في العقائد الدينية جميعها.

ويقول "في قراءتنا للأديان العربية القديمة في العراق ومصر وبلاد الشام واليمن نتعرف على الآلهة والطقوس والأساطير القديمة ولكن لا نجد مرجعا لداعية بدأت الديانة به، وهذا ينطبق على الديانة الهندوسية في الهند، وديانة عبادة قوة السماء تي- يين في الصين وديانة الشنتو في اليابان".

ويرى الخواجا أن "هذه العقائد كانت تصاغ بشكل جماعي من قبل افراد مروا بالتجربة الوجدية وتبادلوا شهاداتهم حولها، وكان اول ظهور للداعية الذي عمل على تأسيس ديانة والدعوة لها في مصر وادي النيل منتصف القرن 14 ق.م، فما بين سنة 1369-2353 ق.م حكم مصر الملك امنحوتب الرابع الذي دعا الى ديانة توحيدية عرفت بالاتونية واشتهر هو بلقبه الجديد اخناتون، فقد ولي عرش مصر وهو في الثانية عشرة من عمره ومر بتجربة وجدية خاصة قبل بلوغه السادسة عشرة كانت من العمق والشدة بمكان دفعته الى رفض العقيدة السائدة والدعوة الى عقيدته الجديدة".

ويضيف أن هذه الظاهرة لم تتكرر إلا في القرن السادس ق.م ففي دفعة واحدة يظهر لاو- تسو في الصين ويدعو للديانة التاوية، والمهافيرا في الهند ويدعو للديانة الجاينية، وايضا سدهارتا غوتاما في الهند ويدعو الى الديانة البوذية، وفي فارس نهاية القرن السابع بداية السادس ق.م يظهر زرادشت ودعوته للديانة الزرادشتية، أما في العالم العربي فيتلاحق الرسل والانبياء طوال هذه الفترة الى ان تختتم في القرن السابع الميلادي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ويقول "لقد نجحت بعض هذه الاديان في الانتشار خارج حدودها الجغرافية مثل البوذية التي انتشرت في الصين واليابان، والمانوية التي انتشرت في فارس والعراق وبلاد الشام ومصر وأوروبا ابان القرن الثالث الميلادي، اما الديانات العربية من بابلية وكنعانية ومصرية فقد انتشرت في اوروبا منذ الألف الثاني قبل الميلاد وهي نفسها الديانة اليونانية والرومانية، هذا الى جانب انتشار الديانات العربية من يهودية ومسيحية وإسلامية في آسيا وأوروبا وافريقيا والتي يتبعها ما لا يقل عن ثلثي البشرية اليوم".

بالمقابل يشير الخواجا الى "اننا لا نجد في تاريخ اوروبا هذا الغنى العقدي، فهو لا يفتقر فقط الى وجود ديانات قوية انتشرت خارج حدودها ووجود "الداعية" بديانة اوروبية خاصة، بل ايضا نلاحظ بأن العقائد الدينية الاوروبية جميعها من اليونانية والرومانية الى اليهودية والمسيحية قد تم استيرادها من العالم العربي، وقد استمرت اوروبا طوال تاريخها الى الآن تستورد عقائدها الدينية من العرب، فإلى جانب استمرار نفوذ المسيحية العربية بشكلها الاوربي حتى اليوم، فالديانة العربية الإسلامية تمثل أسرع الأديان انتشارا في اوروبا المعاصرة".

ويقول إن "الحضارة العربية تعد سابقة على غيرها من الحضارات، وخاصة الاوروبية، في انتاجها المعرفي ومنذ العصر الحجري، ونحن لا نتحدث هنا -كأن نقول فلان سابق عصره- بل نتحدث عن أسبقية بآلاف السنين، فعلم شكل الاحياء يفيد بأن هيئة الانسان الحالي قد شهرت في المشرق العربي أول الأمر وعاش هناك آلاف السنين في حين أن انسان أوروبا المعاصر له قد ظل بهيئة النياندرثال الأقل تطورا".

ويؤكد الخواجا أن الحضارة العربية كانت محاصرة لأوروبا طوال تاريخيهما، فمن العراق الى هضبة الاناضول الى بلاد الشام فمصر فالمغرب، كانت السواحل الجنوبية والشرقية للبحر الابيض المتوسط وعمقها الجغرافي تمثل موطن الحضارة العربية، ومن اسبانيا الى البلقان والسواحل الشمالية والغربية للبحر الابيض المتوسط تمثل مناطق امتداد نفوذ الحضارة العربية منذ انتشار نفوذها بوضوح ابان الألف الثانية قبل الميلاد، وقد كان لهذا الحصار تأثيره الخانق على اوروبا في محاولاتها الاتصال بباقي ارجاء العالم المعروف وقتها، وما رحلات فاسكو ديجاما وكلومبس في تاريخ اوروبا الحديث الا بدافع كسر هذا القيد التاريخي.

ويرى الخواجا أن العرب "نظروا الى العقيدة الدينية كونها البؤرة المركزية لحضارتهم، لأن التجربة الوجدية حقيقة لا وهم، ووحدة وتكامل الوجود حقيقة لا وهم، والانتاج المعرفي الذي تم نسجه بهذه العقيدة اثبت تقدمه وتأثيره الشديد في الحضارات المحيطة عبر التاريخ وهذا ايضا حقيقة لا وهم، وقد ادى هذا الى اعتزاز بالعقيدة الدينية والمحافظة عليها كبؤرة بحيث ظهر التطور في الحضارة العربية كإعادة صياغة لها لا كهدم وإحلال بناء جديد".

ويطرح الخواجا مثالا متواضعا على اعادة الصياغة بعيدا عن الهدم للعقيدة العربية، حيث يقول "نلاحظ انه منذ ما لا يقل عن 5000 عام استمر الايمان بأن الاله العلي الاول الأصل.

ويشير الى عدم وجود تاريخ في الحضارة الاوروبية لتجارب وجدية نشأت عنها صياغة لعقائد دينية نسجت انتاجا معرفيا خاصا بها الى جانب تأخر ظهور هذه الحضارة بالنسبة للحضارة العربية لآلاف السنين، فرض على الحضارة الاوروبية "أن تكون متلقية للعقائد الدينية من الخارج باستمرار وخاصة من العرب، وبالتالي جاء تطور العقيدة الاوروبية كردة فعل على هذه العقائد المستوردة في محاولاتها التكيف معها أو رفضها، تحريفها أو تخطيئها، بحثا عن عقيدة تميزها وترى فيها خصوصيتها".

ويؤكد أن هذا التأخر في الظهور كحضارة واختفاء العقيدة الدينية الخالصة "دفعها الى تطوير عقائد فلسفية مبنية على التراكم المعرفي لحضارة غير السابقة كبديل للعقيدة الدينية وكدليل على الخصوصية".

التعليق