رجال أعمال فلسطينيون ينافسون الاحتلال على هوية مدينة القدس

تم نشره في الاثنين 16 حزيران / يونيو 2008. 10:00 صباحاً

القدس المحتلة- رغم النصائح المتكررة التي وجهت له بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية بالتريث وعدم الإقدام على أية خطوة استثمارية في مدينة القدس تحت ذريعة الاحتلال، لم يأبه رجل الأعمال الفلسطيني أسامة صلاح لذلك واتخذ قرارا جرئيا بالاستثمار في القدس، ليسجل نجاحا قل نظيره ويصبح أحد أشهر الاقتصاديين هناك رغم صغر سنه.

يقول صلاح "بعد رجوعي من الخارج نصحني البعض بعدم الاستثمار في مدينة القدس لظروف كثيرة أهمها التعقيدات والعراقيل الإسرائيلية، غير أن قناعتي وإيماني ودراستي لواقع السوق والإمكانات المتاحة حفزتني لخوض التجربة التي سجلت، والحمد لله، نجاحا لم يكن متوقعا".

ويحث صلاح المستثمرين المحليين والعرب على إيلاء مدينة القدس كل اهتمام، قائلا "انطلاقا من هذه التجربة الخاصة بي كمستثمر مقدسي يملك ويدير العديد من المشاريع العقارية والتجارية والمصرفية في المدينة، بداية من مشاريع الإسكان وانتهاء بمشروع الفندق الوطني، ذلك الفندق الذي ساهم في صنع تاريخ المدينة الحديث، فإنني وتأكيدا لقناعتي بجدوى الاستثمار في القدس.. أحث الجميع على خوض التجربة وكلي يقين أن مشاريعهم ستلقى نجاحا كبيرا".

وأكد أن فرص الاستثمار في القدس قائمة ومجدية اقتصاديا، سواء في قطاع الإسكان أم السياحة أم التعليم الخاص على وجه التحديد، داعيا رجال الأعمال والمستثمرين العرب للاستثمار فيها، مشددا على أنه واجب وطني وديني، وأنه رغم المعيقات الإسرائيلية فإن العديدين تمكنوا من تحقيق النجاح وجني أرباح مادية.

ويلفت صلاح إلى أن دعواته المتكررة لرجال الأعمال العرب للاستثمار في القدس تلقى آذانا صاغية واهتماما واضحا؛ حيث يؤكد أن الأمر لا يقتصر فقط على رجال الأعمال والمستثمرين العرب، وإنما يمتد إلى مسؤولين خليجيين الذين أكدوا له اهتمامهم بالاستثمار في مدينة القدس لما تعنيه من أهمية دينية ومعنوية بالنسبة لهم، غير أن غياب مبادرات فلسطينية جماعية لتشجيع الاستثمار في المدينة المقدسة وغياب آليات مناسبة وعملية تعزز من ثقة المستثمر العربي هو ما يدفعهم إلى التردد من القيام بخطوة كهذه.

وعن الصعوبات التي يواجهها المستثمر في القدس، شدد صلاح على أن أية صعوبات أو مخاطر هي مساوية لتلك التي يواجهها المستثمر في الخارج، قائلا "أينما كان المستثمر فلا بد وأن يواجه الصعوبات أو العقبات قبل أن يبلغ النجاح المنشود"، منوها إلى "أننا بحاجة إلى مستثمر للقلب والجيب يحب القدس لمكانتها، بحيث تكون لها في قلبه مكانة خاصة، وفي الوقت ذاته يكون سباقا في الاستثمار حتى يستفيد من العوائد المجزية التي يوفرها له استثماره هذا".

وكان صلاح أعلن مؤخرا الانتهاء من إقامة مجمع تجاري جديد في قلب مدينة القدس، تحت مسمى "وطني مول"؛ حيث يضم أيضا مدينة ترفيهية تزرع البسمة على شفاه أطفال المدينة المقدسة.

واتسم الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967 بتعزيز التواجد اليهودي وتقييد إمكانات التنمية الفلسطينية؛ سعيا لتحقيق هدف جغرافي سياسي يتمثل في "توحيد" القدس شرقيها وغربيها تحت الولاية الإسرائيلية المطلقة.

ويقوم الاقتصاد في القدس على قاعدة ضيقة، وتعتبر السياحة وتجارة "المفرق" والورش الصغيرة مصادر الدخل الرئيسة، وقد تراجع الوضع الاقتصادي بشكل كبير بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول (سبتمبر) 2000.

وأدى انخفاض أعداد السياح إلى الإضرار بالقطاعات المرتبطة بالسياحة، كما أن تشديد القيود على حركة السكان والبضائع بين القدس الشرقية والضفة الغربية قد ألحق أضرارا بقطاع الأعمال هناك.

وبحسب الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينين في القدس، فتعود أسباب ضعف القاعدة الاقتصادية والانخفاض الملموس في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات إلى القيود المفروضة على تطوير هذه القطاعات، مثل سلب الأراضي والسيطرة على مصادر المياه وتشديد إجراءات ترخيص الأعمال وارتفاع تكلفة الأرض ورأس المال.

وأصبح العمل في إسرائيل المصدر الرئيس للدخل بالنسبة لحوالي 45% من القوى العاملة من المقدسيين، مما جعله أحد الاعتبارات السياسية الرئيسة.

ومن الهموم التي يعاني منها الفلسطينيون في القدس، الضرائب التي تثقل كاهلهم، وخصوصا ضريبة "الأرنونا"، وهي تفرض على المساكن والمحال التجارية في القدس الغربية؛ حيث الأغلبية الإسرائيلية التي تتمتع بالعديد من الخدمات والامتيازات والإعفاءات الضريبية، كما فرضت على سكان القدس الشرقية بعد ضمّها عام 1967، رغم أنهم يعانون الاضطهاد والتضييق، دون مراعاة للفروق الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية.

وتقدر قيمتها حسب المساحة وتزداد عاما بعد عام بحسب طبيعة العمل والموقع، حيث تزيد الآن على 300 شيكل للمتر المربع الواحد (الدولار= 3.3 شيكل). وتبرز مشكلة ضريبة "الارنونا" في البلدة القديمة من القدس، حيث إن مساحات المحلات التجارية والمبنية غالبا في الفترة المملوكية تزيد على 100 متر مربع، ولو كان صاحبها يستخدم جزءا بسيطا منها، فإن عليه أن يدفع على كامل المساحة، كما تشمل الضريبة "سدة" المحل التجاري.

وقد دفعت الضرائب الباهظة أكثر من 250 تاجرا هناك إلى إغلاق محلاتهم، بعد أن تعرض بعضهم للملاحقة، والبعض الآخر إلى الحجز على محتويات محلاتهم ومصادرتها، أو الحجز على حساباتهم في البنوك، بدعوى أن عليهم ديونا مستحقة بمئات الآلاف من الشواكل لسلطات بلدية الاحتلال والضرائب، إضافة إلى الاعتقالات، ثم المحاكمات الظالمة التي انتهت ببعضهم إلى السجون.

وعمليا يدفع المواطن الفلسطيني في القدس 16 نوعا من الضرائب، والهدف منها توجيه المزيد من الضغوط والتضييق عليه لدفعه إلى هجرة المدينة، أو إغلاق مصلحته التجارية فيها.

ويطالب مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري المستثمرين ورجال الأعمال على اختلاف جنسياتهم الاستثمار أولا في البشر قبل الحجر، نظرا لكون الصراع على القدس عقائدي ووجودي أكثر منه اقتصادي.

ويتابع شارحا وجهة نظره "بعض المستثمرين اليهود وأشهرهم موسكوفيتش استثمروا عشرات الملايين من الدولارات في سبيل توسيع الاستيطان وتوطين المستوطنين في القدس، وهذا يعتبر في الميزان المالي استثمارا خاسرا، غير أنه في ميزانهم يعتبر من أنجح الاستثمارات التي تسعى الدولة اليهودية لدعمها وتوسيعها".

ويضيف "هذا لا يقارن بالمطلق مع بعض المحاولات الخجولة للدعم العربي والإسلامي لتعزيز صمود المقدسيين".

وبحسب الإحصائيات الأخيرة، فهناك 250 ألف فلسطيني في المدينة، 40% منهم دون سن الخامسة عشرة، كما أن نسبة البطالة فيها منخفضة نسبيا.

ويشاركه الرأي مستشار رئيس الوزراء لشؤون القدس حاتم عبدالقادر، الذي يؤكد أنه من الخطأ أن يكون مفهوم الاستثمار في القدس منطلقا من مفهوم تجاري يعتمد على الأرباح فقط، فالأرباح في المدينة يجب أن تكون موجهة لصمود المواطن والمؤسسات والاستثمار في عروبتها وتحدي المحاولات الإسرائيلية لتهويدها.

وطالب عبدالقادر رجال الأعمال عدم النظر للاستثمار كعوائد تجارية أو هامش ربحي وأن يستثمروا بالقدس للمحافظة على عروبتها حتى لو كلفهم الأمر جزءا من أموالهم.

وتمثل القدس أحد أهم مراكز الاهتمام السياحي الديني في العالم، كما أن قربها الجغرافي وتاريخها وثقافتها تعد من المقومات التي لا تقدر بثمن، وهذه المقومات، من الناحية الاقتصادية، تعطيها إمكانات كامنة للنمو السياحي بشكل كبير وبالتالي لتوليد فرص العمل، إلا أن هذه الإمكانات لم يتم تحقيقها على أرض الواقع بسبب السياسات الإسرائيلية التي تحكم نمو وتطور السياحة في القدس.

ويشكل القطاع الفندقي ما نسبته 40% من اقتصاد القدس الشرقية؛ حيث بلغ عدد الفنادق هناك 46 فندقا عام 2000، وتراجع لنحو 24 فندقا حاليا، غير أن إقامة 4 فنادق إسرائيلية يبلغ عدد غرفها أكثر من الغرف العربية مجتمعة أخذت تنافس القطاع الفندقي الفلسطيني، نظرا للامتيازات والتسهيلات المقدمة لها من قبل الاحتلال، كما أن إسرائيل بشكل عام تسيطر على حركة السياح الأجانب وتوجههم نحو الفنادق والأماكن السياحية التابعة لها.

يقول أسامة صلاح "القدس بالدرجة الأولى مدينة سياحية، وبالتالي علينا بذل الجهود لاستقطاب السائح الأجنبي عبر تطوير القطاع الفندقي بشكل خاص، فإذا استطعنا استقطابه لقضاء ساعة واحدة في القدس الشرقية، فإن المدينة تحقق دخلا إضافيا قدره 25 مليون دولار في السنة، لذا علينا أن نعمل جاهدين ليقضي معظم وقته في مدينتنا المقدسة".

وأشار إلى أن هذا القطاع بحاجة إلى تطوير عبر الاستثمار في بناء فنادق جديدة وتوسيع وترميم القائم منها حتى تستعيد المدينة المقدسة مكانتها السياحية المعهودة.

وتجري 80% من الاستثمارات في القدس الشرقية في قطاع الإسكان، مولدة حجما ملموسا من فرص العمل، ومع ذلك، فإن جودة المخرجات الناتجة عن هذا القطاع تتهدد بفعل النظم والقيود المشددة في مجال التخطيط الهيكلي، إلى جانب مصادرة الأراضي.

وبحسب المتابعين، فإن قطاع العقار في القدس يعتبر ملاذا آمنا لكل مستثمر، فالطلب على العقار والشقق السكنية داخل المدينة المقدسة في ارتفاع مستمر، ونسبة العائد التي يحققها مرتفعة جدا مقارنة مع باقي دول العالم، وهو ما يساعد أيضا على الصمود والبقاء في المدينة.

وكان رجل الأعمال الفلسطيني مازن سنقرط، رئيس مجموعة "سنقرط" العالمية، قد كشف النقاب عن حاجة مدينة القدس إلى أكثر من 45 ألف شقة في السنوات القليلة المقبلة، مؤكدا أن للمدينة مصادر نمو طبيعية أكثر من المناطق الفلسطينية الأخرى، فهي رأس الهرم السياحي لفلسطين مع بيت لحم وأريحا.

كما يدعو الاقتصاديون والخبراء رجال الأعمال إلى الاستثمار في قطاع التعليم الخاص في مدينة القدس "لما له من جدوى وكرامة وتعزيز لصمود أبناء وبنات القدس"؛ حيث يؤكدون أن القدس بحاجة إلى العديد من المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة، "فالاستثمار في القطاع الخاص ذو عائد مجدٍ كثيرا، وهناك طلب على هذه النوعية من التعليم نظرا للظروف التي تعيشها المدينة".

التعليق