تلفزيون الواقع: الدعوة عامة إلى الشر

تم نشره في الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008. 10:00 صباحاً
  • تلفزيون الواقع: الدعوة عامة إلى الشر

خارج منطقة التغطية

هاني البدري

هل أنا الذي كبرت وتقادمت عليّ مفاهيم الحياة؟ أم انني كنت واقعا أصلا في خدعة كبيرة تفرق بين الخير والشر؟ خدعة ترغّب بالثواب وترهّب بالعقاب.

اليوم بل منذ اكثر من يوم صرت أسيراً لحالة الذهول أمام التصفيق الحاد والتهليل للشطارة والفهلوة(وقلة الحياء) والتي كانت على أيامي لها اسم آخر.. الشر!! من المسؤول عن إيقاعنا بهذا الشرك العظيم؟

من صاحب المبادرة(والمغامرة) في جرجرة أطرافنا واحداً تلو الآخر نحو هاوية القيم حيث لا قيم!! اكتب هذه الكلمات في الوقت الذي انتفخ فيه جسدي بسبب تأثير سم برامج تلفزيون الواقع التي تتحفنا بها شاشاتنا العربية الغراء. تلفزيون الواقع صورة ومرآة لواقع ولا اقبح: شباب وصبايا في عمر الزهور وفي جمالها يجاهد الواحد فيهم حتى يقنع أسرته بالدخول في التجربة بحجة اللقب الكبير وتحت شعار المنافسة الحلوة والفرصة التي لن تتكرر!!

لكن ما ان تفتح الباب للدخول في الأكاديمية.. المنتجع.. الوادي.. القرار..وغيرها من المسميات التي لا تسمي الأماكن فقط ولكنها في حقيقة الأمر.. تسمي التجربة.. ما ان يفتح أي باب من تلك حتى يجد المشترك نفسه(ونجده نحن على الهوا) أمام صراع الخير والشر.. الجنون والذهول.. والمؤامرة!!

فمرة يخرج علينا برنامج بعنوان(القرار) يعلن عن مسابقة لمجموعة من الشباب معزولين عن الدنيا ليتنافسوا بينهم على مبلغ يتوجب على أحدهم الفوز بها فنتابع على مدى اشهر "لمن عُذب بالمتابعة" صراعات.. ودسائس.. وأساليب جديدة في المكر والإيقاع بالآخر..

شتائم.. واستغابات.. كل ذلك على مرأى منا جميعا.. والهدف في النهاية.. لاشيء.

قبل ذلك كانت الهيفاء قد وهبتنا "فيما تهب" برنامجا شبيها بعنوان الوادي ولم يختلف عن سابقه الا بمكان التصوير وجماليات المزرعة والحياة البدائية جداً للمتنافسين.

ثم جاء الرابح الأكبر وشريك الحياة وغيرها من برامج تلفزيون الواقع التي قدمت بدورها تعريفا جديداً لقيم وأخلاق الألفية الجديدة لتصبح كما نراها عبر كاميرات المراقبة المنتشرة في كل أماكن التصوير.

وهنا من مكاني هذا أتساءل عن أهمية ان نصدق أولادنا!! واستغرب مبررات خضوعنا لأهواء التمرد اللاإرادي والذي يفرضه علينا التغير الفسيولوجي المصاحب لبناء أجسادهم وعقولهم!!

أين هو دورنا الذي يجب ان يبرز الآن تحديدا بعد ان شاب شعر الرأس ونحن نربي ونزرع ونبني ونقوي؟

هل لأجل مجموعة من البهرجة غير الحقيقية نذعن لهم ونسمح لهم ان يكونوا جزءاً من تلك اللعبة؟ هل من اجل بوسترات وتمايل الحضور نضيع قيمة أعلام بلادنا التي أصبحت وللأسف العميق جزءاً من الصورة المتحركة بعد ان كابرت بلادنا ونحن وأهلنا حتى ترتفع على السواري.. وحال أعلامنا ليس افضل من حال أولادنا؟

الخلاصة: هذه دعوة مني كأب مسؤول خائف على مستقبل الحرية والأخلاق ان نقاطع كشعب "محترم ومؤدب" المشاركة في مثل هذه التظاهرات التي تكسر عيون الشباب وتجعل من حلم الستار او المليونير وغيرها هو الحلم الواحد حيث لا أحلام بعده!! هذه دعوة لنقوي حلم التجربة الحقيقية في الحياة والتي تحتمل الفشل كما تحتمل النجاح. دعوة لأن نحول دون ان تنال عواصف الواقع التلفزيوني المر. وأوهام المستقبل النجومي اللامع، من أبنائنا وأيامنا وأيامهم حتى نمكنهم من خوض شيء يشبه أي شيء ما عدا التجربة! نلتحم وإياهم في عناق طويل يحميهم من زمن الجمود والخوف نعلمهم ان تلفزيون الواقع هو الكذبة الكبيرة وأن الواقع أفضل بكثير.

دعاؤنا لمن أضحك الملايين

أخيراً.. أتذكر وانا "أشدشد" الفجوة بين قيم الأمس واليوم الرجل الذي أضحك الملايين بمسرح كوميدي حمل القيمة والجمال والرسالة عبر أربعة عقود عبر تأسيسه وإدارته لفرقة الفنانين المتحدين التي ينتمي لها عادل امام واحمد زكي وسعيد ويونس وريا وسكينة.

أتذكره وأدعو له وهو على سرير المرض في دبي في أعقاب عرض مسرحية البودي غارد هناك.. سلامات.. أستاذ المسرح سمير خفاجي.

hanibadri@orange.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا حياة لمن تنادي (احسان وشاح)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    قد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
  • »لا حياة لمن تنادي (احسان وشاح)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    قد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي