خارج منطقة التغطية

تم نشره في الأربعاء 21 أيار / مايو 2008. 09:00 صباحاً
  • خارج منطقة التغطية

 

هاني البدري

عمّان- لكم عاد يستوقفني هذا التجانس العجيب ما بين الخيال والحقيقة، الدراما والواقع.. ربما لا يكون تجانساً كاملاً، ربما تعايش، لكنه تحت أي مسميات يبقى شيئاً يدهش العارف بالأشياء. وينغصُ استراحة من تربى وعاش في كنف الواقع وحده. فأنا ابن هذه المدينة.. عمّان.. استيقظت حواسي الأولى وانفعالاتي البدائية على بساطة فعل التعجب التي مارسها علينا الاعلام الأول: إذاعة عمان والتلفزيون الأردني. أيامها كانت الحقيقة هي الحقيقة. والدراما هي الدراما.. كانت الحقيقة فعلا مستمراً يفرضه واقع الايام بكل مواصفاتها. الجميلة والمتعبة والمدهشة والمقرفة، وكانت الدراما هي الخيال الذي ينتهي بعد الحلقة الثالثة عشرة مباشرة.

اليوم، بين ملايين الصور التلفزيونية ومشاهد الدراما ونشرات الاخبار وال?يديو كليبات و(التوك شوز) في كل مكان، تمر أمام اعيننا كل يوم عناوين وأخبار برامج أو حوارات. تكاد تمر امامنا او نمر امامها، فلا نراها، ربما لا يراها البعض. والبعض يراها ولا يصدقها. والآخر لا يجد لها معنى. في خارج منطقة التغطية أحاول أن أرصد بين كل هذه البرامج المزدحمة والصور المتزاحمة ما يمكن ان يستوقفنا للحظات لنفكر، علنا نجد في نهاية المطاف ايجابية واحدة للاستلقاء طويلاً امام شاشة التلفزيون نتلقى كل ما ترميه الفضائيات في (حضننا) دون حراك إلا بالكاد لتناول (كاسة) الشاي التي بردت من فرط اندماجنا في احداث المسلسل العربي (ذي الاثنى والثلاثين حلقة)، فنسيناها.

ونسينا معها جماليات السذاجة المعرفية: سذاجة اللجوء الى كافة الحواس، حتى نعرف.. كما نسينا وللاسف الشديد متعة الدهشة في اكتشاف السحر داخل منطقة التغطية حين كان الاعلام والفن لغة يكتنفها الغموض محصنةً بجدران عتيقة لا يخترقها الا سلاح الاكتشاف والاصرار على كشف الغطاء.

أما اليوم، حين صار الكل.. الكل.. خارج منطقة التغطية، بما في الكل: الحقيقة والوهم والخيال.

ونحن اليوم.. صار لزاماً ان نعترف ان الواقع والدراما: سيّان.. وصار لزاماً ان نقرأ ونرى ونستشهد بالاشياء خارج منطقة التغطية.

فضائية لكل مواطن

"حط على قنال 3.. او غيّر على قنال 6 خلينا نشوف الفلم الاجنبي.. طب حط على الشام".. أقوم مفزوعاً على هذا الكابوس الذي يعاودني كل ليلة، فكيف لي ان اتخيل حياتي كما كانت ونحن صغار "تلفزيونّا" لا نرى فيه إلا قنال 3 و6 أو الشام. كم كانت الخيارات ضيقة في تلك الايام، صحيح انه كابوس.. أما اليوم، فالحمد لله لا اكاد ارى شيئاً من الفضائيات والقنوات، ولا حتى لدقيقة، فكيف ارى شيئا؟ وانا ابدأ بتقليب الريموت الساعة التاسعة وأنتهي عند منتصف الليل، فيغلبني النعاس وأنام.. ثم يعود ذلك الكابوس.

أتراه كان كابوساً فعلاً؟ ام اننا اليوم امام آلاف الكوابيس المتحفزة للخروج عبر الريموت (او الحاكوم كما اسماه مجمع اللغة العربية)؟

كل يراه بطريقته..

لكن الحقيقة اننا امام غول اسمه التلفزيون اليوم..

فالولد يتابع مباراة ريال مدريد وبرشلونة، والبنت تتابع بشغف آخر افلام تامر حسني، رب الاسرة يطلب من الجميع تخفيض الصوت ليتمكن من متابعة نشرة الجزيرة ويا ويل الام اذا (تخنفست).. فلماذا لا تلبد في المطبخ لتتابع على التلفزيون مسلسل سنوات الضياع!

وهنا أتساءل عن سخرية فعل المصادفة.. سنوات الضياع.. وضياع السنوات..

المشهد يبدو لنا انه احد مشاهد فانتازيا كوميدية لرأفت الميهي لكنه حقيقي لدرجة مخيفة كأفلام يوسف شاهين.

المهم في كل ما يجري اننا امام عالم من دون رقابة، لا رقيب على الولد، ولا حسيب على البنت، أما الاب فلا يعدم الوسيلة لأن يفك شيفرة كل القنوات المغلقة والاقمار البعيدة، فتراه ينتقل ليلا من نشرة الجزيرة الى جزيرة ليس فيها الا المواجز والعناوين.

المهم ان ثقافة التلفزيون تأتي ثمارها سريعاً وربما فوراً بعكس ثقافة الكتاب او ثقافة الكلام او حتى ثقافة التخيل رحمها الله.

أينما تدور برأسك ترى اثر الفضائيات في حياتنا.

بلوزة عمرو دياب ولا جلابية نانسي سوالف وائل ولا حواجب تامر أو ربما لهجة نيشان.. الاثر في كل مكان..

وعند الحديث عن اثر ما نشاهده فيما نعيشه أستذكر الاحصائية التي اوردتها احدى الصحف المصرية عند بث مسلسل الحاج متولي حول عدد حالات الزواج الثاني والثالث التي شهدتها مصر وكان رقماً كبيراً آنذاك، ناهيك عن حالات الطلاق التي تحدث بسبب غيرة الزوج على زوجته بسبب اعجابها بالمطرب الفلاني او النجم العلاني.

خلاصة الكلام اننا امام حالة جديدة لم نعشها من قبل، فهل هذا جزء من الكابوس؟ وهل فعلاً نحن بحاجة لكل هذا التدفق الصوري والحركي والفيلمي وربما الفكري دون رقابة؟ سؤال يكاد يكون معجزة ضمن رداءة الاندفاع المبرمج لكل ما يعرض على الشاشة.

أنهي الآن تقليب الريموت فلم يتسنّ لي ان اشاهد شيئا، اذهب للنوم مجدداً، املاً ان يزورني حلم بالابيض والاسود. حلم لا يقلد فيه احد مسخ الوجوه او (مساخة) الصوت واللهجة.

حلم جميل يشبه هذه المدينة.. وأهلها.. حلم يعيدني الى واقع لم يخرج عن منطقة التغطية..

التعليق