"صور على البال": توليفة درامية تحركت في منطقة بكر

تم نشره في الثلاثاء 13 أيار / مايو 2008. 09:00 صباحاً
  • "صور على البال": توليفة درامية تحركت في منطقة بكر

تواصل فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان "ليالي المسرح الحر" بعرضين سوري وأردني ومسرحية أطفال إماراتية

 

محمد جميل خضر

عمان- في منطقة بكر، تحركت المسرحية الأردنية "صور في البال" التي عرضت مساء أول أمس على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي ضمن فعاليات الدورة الثالثة 2008 من مهرجان "ليالي المسرح الحر".

وحملت فكرة العرض، الذي أخرجه فراس المصري عن صياغةٍ مسرحيةٍ للفنان علي عليان بالاستفادة من كتابات محمد طمليه ويوسف غيشان، بناء دراميا مشبعا بسمات الجدة وعدم الوقوع في مطب التكرار.

وكشف عليان، الذي أدى إلى ذلك دور البطولة في العرض إلى جوار إياد الشطناوي ولينا خوري، عن قدرة توليفية وذكاء التقاط لمّاح، تمثل في الحوارات التي دارت بين شخصيات العمل وفي النسيج الدرامي الذي شكّلته في نهاية المطاف خيوطه.

وتميز العرض، الذي ولّف موسيقاه الفنان رامي شفيق وصمم إضاءته محمد مراشدة، بالتنوع الخصب وتعدد مستويات التعبير، وهو ما برز في حواراته وما عكسه الممثلون في أدائهم الذي كان برشاقته وخفة ظله أحد نجوم العمل.

وتلخصت حدوتة العرض أو متنه الحكائي؛ بأن أستاذا جامعيا متسلطا أو لنقل مستبدا (علي عليان) يقرر أن يناقش أطروحة عن التاريخ الإحصائي تقدم بها واحد من طلبته لنيل درجة الماجستير، في غرفة النوم الزوجية لذلك الطالب (إياد الشطناوي)، بعدما اقتحم خلوة خاصة واستثنائية رتبتها الزوجة (لينا خوري) في ليلة اكتمل بدرها وتفتحت في ظلالها زهرة ملأ أريجها البيت بعد أن بلغ زواجهما سنته الخامسة، وهو ما يتطابق مع رؤية العرافة التي اشترطت توفر كل هذه الظروف لتتحقق اللحظة التاريخية التي يمكن أن ينجب الزوجان فيها وليدهما المنتظر.

ومن خلال هذا المدخل الحكائي، مرّر العرض الذي أدار شؤونه نبيل كوني، رسائله السياسية والاجتماعية والقيمية، وجعل من البناء المعماري لمشاهد المسرحية حيلة درامية ليقول ما يريد وينسف حاجزي الزمان والمكان.

فالأطروحة التي تحولت إلى مبرر الحوار بين الطالب وأستاذه ووعاء الحراك الدرامي في المسرحية، مكنت معد العمل من التنقل بين أحداث تاريخية عديدة، ومنحت الأستاذ فرصة التجول في سياق مناقشته الطالب حول محتوى رسالته وتعليقه عليها ورصده للعيوب والنواقص فيها، بين عديد الحضارات والأحداث الكبرى.

وهي (أي الأطروحة) كانت المبرر (غير المنطقي) الذي أباح الأستاذ لنفسه (متكئا عليه) من التلصص على لحظة خصوصية بامتياز بين زوج وزوجته وقد تحضرا لخلق خصب في حياتهما بعد أن كاد يطيح بها جفاف البحث العلمي ويقضي على موجبات صمودها انشغال الزوج بدراسته والإعداد العلمي المنهجي لبحثه.

وفي إطار حلم الخصب الذي ظل يراود الزوجة المؤمنة بالأسطورة والمنذورة للعطاء، دار الزوجان في رقصة وجود مشتعلة وتعطرا وصنعا باقي مؤثثات اللحظة التاريخية الفاصلة بين زمن وآخر.

وجاء اقتحام الأستاذ الجامعي المتخبط في عقده كفعل خلخلة، مقلق ليقينية تلك اللحظة داخل وجدان الزوجة، وشكّل إلى ذلك، حالة إرباك مؤلمة للزوج/ الطالب.

وجاءت معالجات فراس المصري الإخراجية، متمثلة لما تقدم، فأثث غرفة نوم الزوجين بأكياس الرمل التي تصنع منها متاريس الحروب (خصوصا الأهلية منها)، ونثر اكسسواراته عديدة الدلالات (أص الزهر، الستائر، حامل الشمع وعاء الفاكهة وباقي الاكسسوارات) في محيط تلك المتاريس بما حمل تناقضا على صعيدي الشكل والمضمون، وهو التناقض الذي كان لا بد منه لخلق حالة النماء الدرامي في إطاره الجدلي (صراع الأضداد).

وحمل أداء الممثلين وكثير من حوارات المسرحية التي تابعها جمهور بلغ زهاء 400 شخص، طرافة وخفة ظل لاقتا الاستحسان وحققتا بذكاء لماح تفاعلا منتجا من قبل جمهور النظارة.

وشكل البعد الأسطوري، الذي استهل منه العرض مشاهده، مدخلا خصب الدلالات، وأثرى مقولة العمل منذ لحظته الأولى "أنا بان إله الغابات والحقول والمواشي والرعاة، بيتي مغارة، أتسلى بالصيد، تعرف أيها القمر أنني مغرمة بالموسيقى، أنا مخترعة مزمار الرعاة، ولك فقط أعزف أيها القمر لتقول لي قاسميني القشعريرة والنبض، تغاضي عن غرقي إذا فاض البريق في عينيكِ/ تسامح مع حريقي في وهجك، تساقط صمغا كي نلتصق، أنا بان إلهة الغابات وأنت الشجر".

وفي اقتباس لافت من كتابات محمد طمليه الساخرة والمؤلمة في آن تتجه دفة المسرحية نحو أحوال العراق "عام دراسي جديد في العراق الجديد، صدرت الأوامر للجنود أن يكونوا دمثين عند مفارق الطرق، وأن يحملوا الصغار إلى مدارسهم في الناقلات نصف المجنزرة بعد دهنها باللون الأصفر، وكتابة تمهل مجنزرة أطفال في مكان بارز، وأغنية دلع لكاظم الساهر تنبعث من المجنزرة، والمجندات خلعن الخوذات وظهرن بتسريحات شعر أكاديمية".

وتتواصل في السابعة والنصف من مساء اليوم فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان "ليالي المسرح الحر" عبر تقديم العرض الأردني "الرقصة الأخيرة" من إخراج إياد الشطناوي على المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي. وعلى المسرح الرئيسي تقدم فرقة نقابة الفنانين في حماة المسرحية السورية في التاسعة مساء "شيطانسان" من إخراج مولود داوود. وعلى فترتين؛ صباحية (في الحادية عشرة) ومسائية (في السادسة)، يقدم مسرح بني ياس الإماراتي على أسامة المشيني عرض الأطفال "شلهوب والحاسوب" من إخراج فيصل الدرمكي.

التعليق