ضابط في رئاسة الوزراء يروي أسرار أحداث "نيسان 1957"

تم نشره في الجمعة 2 أيار / مايو 2008. 10:00 صباحاً
  • ضابط في رئاسة الوزراء يروي أسرار أحداث "نيسان 1957"

 

د. سعد أبو دية

تحدثت عن الوثائق العراقية والبريطانية، وهنا سأتحدث عن مصدر أردني مهم جدا من قلب رئاسة الوزراء يتحدث كشاهد عيان شاهد الحدث عن كثب.

وأعرض بعضاً مما رواه (موسى عادل بكمرزا شردان) أحد ضباط رئاسة الوزراء في تلك الفترة، حيث كان شاهد عيان، ومرافقاً لرئيس الوزراء. وعلى ما يبدو فإنه كان متابعاً لكل صغيرة وكبيرة.

ومن حسن الحظ أن ملاحظاته المهمة تم تدوينها بقلم جندي مجهول خبير في الصياغة هو (سعد جمعة) الذي أصبح رئيس وزراء لاحقا وامتاز بكتاباته المميزة.

أحداث يوم 4/4/1957م:

في يوم 4/4/1957م، التقى سليمان النابلسي في مكتبه مع عبدالحليم النمر وعبدالقادر صالح وعبدالله الريماوي وذهبوا للسفارة العراقية بمناسبة عيد الجلوس الملكي العراقي.

ركب عبدالحليم النمر في سيارة الرئيس، ولما كان شهر رمضان وقتها تحدث سليمان النابلسي عن التدخين في شهر رمضان، طلب منه عبدالحليم النمر أن يغير الحديث، وقال له بالحرف الواحد "اتركنا من الدخان"، ثم أضاف "أنا شايف جماعتك مع احترامي لهم راح يضيعونا"، أجاب سليمان: "ان علي أبو نوار أكد له أن الأمور كلها بيده".

وهنا رد عبدالحليم النمر أنه غير موافق على هذا، وأن علي أبو نوار (ما معناه) لا يقيم الأمور تقييماً صحيحاً، وما معناه (لا يعتمد عليه)، وأنه غير موافق على هذا (ويقصد خطط النابلسي وأبو نوار في الضغط على الملك في الأزمة التي عرفت بأزمة الملك والحكومة)، وقال بما معناه أن علي لا يقيم الأمور تقييماً صحيحاً وأنه لا يعول عليه.

وفي طريق العودة إلى الرئاسة، ركب عبدالقادر صالح مع الرئيس واستوضح من سليمان النابلسي عن مدى موافقة عبدالحليم النمر على الموضوع الذي هم بصدده.

ملاحظة:

بينت أن عبدالحليم النمر لم يكن موافقاً وبالرغم من أن التيار جارف جداً، فإنه أبدى عدم الموافقة من جهة، وعدم قناعته بعلي واستخدم كلمات اضطررت لتعديلها عندما كتبتها أعلاه.

ويلاحظ أن الحكومة مندفعة للغاية تجاه إقامة علاقات مع موسكو والسماح للحزب الشيوعي للعمل في عمان، في وقت كان الأمن العام يعطل أي نشاط شيوعي وصادر جريدة الحزب الشيوعي.

أحداث يوم 6/4/1957م:

روى الضابط الأردني الأحداث (يوماً إثر يوم) وفي اليوم السادس من نيسان 1957م ذكر أنه كان يوم سبت، وكانت الأزمة قد بدأت بين القصر والحكومة على النحو الذي ذكرته سابقاً.

في ذلك اليوم، استقبل رئيس الوزراء سليمان النابلسي شفيق رشيدات وزير العدل والمعارف وقال له "البرلمان معنا والجيش معنا"،

وفي حديث طويل ذكر أنه كان في نابلس يوم أمس، وطلب من شفيق عمل لقاء الأسبوع القادم في إربد.

وفي خطاب مدينة نابلس، التي زارها يوم الجمعة 5/4، ألقى الرئيس سليمان النابلسي خطاباً قرر فيه تبادل التمثيل الدبلوماسي مع موسكو، ولو طلب جيمس ريتشارد ممثل الولايات المتحدة عكس ذلك ودفع مائة مليون دولار، فإن الجواب سيكون لا.

أحداث يوم 8/4

تأخر سليمان النابلسي عن الحضور يوم 9/4، بسبب سهره الليلة السابقة حتى الساعة الثانية صباحا، فقد شهد يوم 8/4 حادثة المدرعات التي اتهمت فيها الكتيبة الأولى بقيادة نذير رشيد بتطويق عمان يوم 8/4 وكما ذكرت كانت المناورة قانونية وموافق عليها من القيادة.

وفي تلك الليلة، عقد مجلس الوزراء جلسة في الليل حضرها علي أبو نوار في سيارة غير سيارته، حتى لا يتعرف عليه أحد، كما كتب (موسى)، لقد غادر إلى الاجتماع غاضبا بينما بقي الوزراء في مكتبهم.

ماذا جرى يوم 8/4؟

أبلغ عبدالله أبو نوار (زوج شقيقة علي وابن عمه) وموظف الوزراء، أبلغ موسى عادل أنه مساء يوم 8/4.

اتصل علي بعبدالله وطلب أن يذهب إليه لمقابلته، فذهب ووجده في موقف صعب والشرر يتطاير من عينيه، وقال له "يا عبدالله اذهب إلى سليمان النابلسي وأبلغه أن الأمور بقبضة (يد علي) وأن عليه أن يتخذ قرار الاستغناء عن مجموعة سياسيين ومدير الأمن (بهجت التلهوني، محمد أمين الشنقيقي، مدحت جمعة، عبدالمجيد العدوان وبهجت طبارة)".

وذهب عبدالله إلى الرئاسة، فلم يجد سليمان النابلسي وانتظره حتى جاء إلى رئاسة الوزراء وأبلغه بما طلبه منه عبدالله.

ووعد سليمان النابلسي أن يتخذ القرار فورا، فطلب اجتماع مجلس الوزراء. وطلب عبدالحليم النمر من السلط وحضر، ولكن عبدالحليم النمر لم يوافق معهم.

يوم 10/نيسان

كان سليمان النابلسي قد أبعد مدير الأمن وعددا من الموظفين، وكان مجلس الوزراء مجتمعا ليقرر الاستغناء عن آخرين، وفي هذه اللحظات جاء بهجت التلهوني، وأبلغ رئيس الوزراء برغبة الملك أن يقدم استقالته، وذهب الرئيس لإبلاغ الوزراء وظل بهجت جالسا في مكتبه، وهنا عرض سليمان النابلسي نص الاستقالة وفيها:

"حضرة صاحب الجلالة ملك المملكة الأردنية الهاشمية المعظم....

يا صاحب الجلالة، لقد أبلغني بعد ظهر اليوم معالي الديوان الملكي الهاشمي رغبة جلالتكم بأن أقدم استقالة الحكومة، وتنفيذا لطلب جلالتكم واستنادا لأحكام المادة (35) من الدستور، أتشرف بأن أتقدم بهذه الاستقالة شاكرا لجلالتكم باسمي واسم زملائي معونتكم التي مكنتنا من أن نحقق بعض أهداف أمتنا في الوحدة والتحرر والسيادة داعين المولى عز وجل أن يحفظ على البلاد حريتها وسيادتها وانتصاراتها ودمتم يا صاحب الجلالة باليمن والإقبال".

المخلص سليمان النابلسي/ رئيس الوزراء

حمل النابلسي كتاب الاستقالة وذهب في الساعة الرابعة والثلث إلى القصر وقدمه للملك.

ولكنه داوم في مكتبه في الأيام التالية 11 ويوم 12 ويوم 13 حتى نهاية يوم 13/4/1957م.

وفي اليوم الرابع عشر لم يحضر، ولم تشكل الوزارة بعد وكذلك يوم 15/4. وفي يوم 16/4 باشر حسين فخري الخالدي مهامه رئيسا للوزارة وفي يوم 17/4 عين علي الحياري رئيسا لأركان الجيش، وفي يوم 19/4 ذهب إلى سورية ولم يعد.

وفي يوم 11/4/1957م وقع اجتماع في نابلس وقرر المتظاهرون الاضراب العام يوم 24/4، وفي يوم 23/4 جاء وفد من نابلس وطلب من الرئيس الخالدي أن يتخلى عن الحكم.

وفي يوم 24/4، خرج المتظاهرون إلى الرئاسة وظل دولة الرئيس في فندق فيلادلفيا حيث يقيم، وسرت الإشاعات من مصادر مختلفة أن الشيوعيين سوف يحرقون القدس (غدا) فهاله ذلك واستقال.

وحول هذا الموقف حدثني بهجت التلهوني أن حسين فخري الخالدي (بكى) هنا، وقال "أبكي على بلدي وإنني لم (أبكِ) على والدي يوم مات". وفي يوم 25/4 استلم ابراهيم هاشم الرئاسة وخيم الهدوء على ربوع الوطن بعد عام عسير جدا وصفه الحسين بأنه من (العامين العسيرين) في حياته.

abudayeh@hotmail.com

التعليق