لماذا لم يأخذ رفيق عارف تحذيرات الحسين على محمل الجد عام 1958؟

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2008. 10:00 صباحاً
  • لماذا لم يأخذ رفيق عارف تحذيرات الحسين على محمل الجد عام 1958؟

 

د. سعد أبو دية

عمان - وصل إلى مسامع الحسين بعد إلقاء القبض على عميل (أحمد يوسف) أن هناك مؤامرة في الأردن لقتل الملك والشريف ناصر، وأن انقلاباً سيقع في الأردن والعراق في نفس الوقت.

اتصل الحسين هاتفياً بالملك فيصل ملك العراق ليحذره، سأل الملك فيصل الحسين بماذا ينصح، فطلب الحسين منه أن يرسل شخصية مهمة لأخذ التفاصيل، فوصل الفريق رفيق عارف وقابل الحسين فوراً، وتم اطلاعه على تفاصيل المؤامرة، إلا أن الحسين لاحظ أن رفيق كان يتململ وبدا عليه الملل والسأم.

وفي ختام الحديث تمطى الفريق رفيق وضحك وقال:

يا صاحب الجلالة أنا ممنون لجلالتكم وأنا أقدر جهودكم ولكنني أريد أن أؤكد لكم أن الجيش العراقي مؤسس على تقاليد متينة، وهو على كل حال يعتبر أفضل جيش في الشرق الأوسط، فهو لم يعرف المشاكل ولا التغييرات التي طرأت حديثاً على الشرق الأوسط.

توقف لحظة قبل أن يكمل:

لدي انطباع بأن الأحرى بنا أن نقلق على مصير الأردن فهذا الانقلاب يهدد بلادكم فعلاً وليس بلادنا فأرجوكم أن تراعوا جانب الحذر والحيطة.

فصاح به الحسين: ولكن لابد لك من أن تفهم خطورة الموقف والتهديد الذي يلقي بظله على العراق أيضاً.

فأجاب إنه فهم. وعندما رجاه الحسين أن يبلّغ الملك فيصل فإنه وعد بذلك.

هذه هي خلاصة المقابلة التي جرت بين الحسين والفريق رفيق عارف قبل أربعة أيام من ثورة 14 تموز،  وكان بإمكان الفريق عارف أن يأخذ الأمور على محمل الجد أكثر ولكنه لم يفعل!

والسؤال لماذا؟

هذا ما أحاول الوصول إليه.

رواية اللواء الركن المتقاعد عبد الحافظ خزغل العباسي

روى اللواء الركن المتقاعد عبد الحافظ خزغل العباسي ما يدين رفيق عارف. وكما ذكرت سابقاً فإن العميد المتقاعد خليل إبراهيم حسين معاون مدير الاستخبارات بعد ثورة 14 تموز 1958 جمع روايات العسكريين خطياً وكتب موسوعة 14/ تموز في عدة مجلدات وأهداني معظمها.

وفي رواية خطيّة كتبها اللواء عبد الحافظ يوم 19/1/1980 تحدث كيف أنه بعد ثورة 14 تموز اعتقل رفيق عارف رئيس الأركان وماذا قال له رفيق.

روى أن رتبته كانت ملازم أول وأن النقيب قاسم الجنابي جنده ضمن تنظيم الضباط الأحرار قبل الثورة بستة أشهر وأنه بدوره جنّد آخرين، وفي صباح يوم 12/ تموز تمت دعوتهم لأكلة سمك في شارع (أبو نواس) وهناك تم إخبارهم بأن اللواء العشرين سيتحرك للأردن ليلة 13/14/ تموز ماراً ببغداد وأن الثورة ستقوم، وطُلب منهم اعتقال الفريق رفيق عارف الذي يسكن في دار جانب مستشفى الرشيد العسكري وأن يتم تجميع الضباط غير الموالين للثورة في معسكر الهندسة.

تم الاتفاق أن تكون الحركة الساعة (4) صباحاً بعد أن يمر عليهم عبد السلام عارف، ولكنه لم يمر عليهم كما تم الاتفاق. هنا توقع (جاسم) أن عبد السلام عملها واجتاز بغداد. وبعد استطلاع عرفوا أن الثورة قامت.

تحركت المجموعة لتنفيذ ما هو مطلوب منها، وقد أصبحت الساعة أكثر من الخامسة والنصف. حاصروا دار رفيق عارف وطلبوا من الجنود الاستسلام وصعد ملازم يدعى علاء بواسطة أنابيب تصريف الماء إلى سطح الدار مع آخرين وطلب من رئيس الأركان أن يخرج، فخرج.

استقبله عبد الحافظ بتحية عسكرية ووضع المسدس في يده اليسرى وقال له: (تفضل سيدي اركب بالسيارة الجيب) وركبوا معه ولم يكلموه ولكنه قال بالحرف الواحد:

(والله شهيد على ما أقول) (كنت أعرف بالحركة وكان لازم أن أعملها). يعني كان يجب أن يعملها هو لأنه كان يعرف عنها.

أوصلوه إلى معسكر الهندسة وسلّموه إلى الرائد الركن جاسم العزاوي وعاد دون مشاكل.

اعتقال محمد وفيق عارف (شقيق رفيق)

كان العميد محمد وفيق عارف شقيق الفريق رفيق عارف قائداً للواء الأول. وكان وفيق محبوباً من مرؤوسيه، صاحب كياسة ودماثة وخلق رفيع وكان اللواء الأول قريبا من بغداد، وموضع ثقة النظام الملكي.

ولذلك كان الضباط الأحرار قلقين من هذا اللواء. قام عبد الكريم قاسم بزيارة اللواء في شهر حزيران ومعه فاضل عباس المهداوي (ابن خالته) وتناول الغداء مع الضباط وأخبرهم أن الثورة قريبة وطلب منهم شل حركة اللواء عند إعلان الثورة.

وفي يوم إعلان الثورة وضع الرائد عبد الجبار الكريم (الراديو) في الساحة ليسمع الجميع أنباء الثورة وألقى كلمة في الجنود وطلب منهم تأييد الثورة. حضر (وفيق عارف) وكان مرتبكاً. ولأنه تأخر فقد أفلتت منه السيطرة على اللواء، وكان الضباط الانقلابيون أسرع، فاعتقلوا وفيق والعقيد عبد الجبار يونس الذي رفض استلام اللواء، وتسلمه فاضل المهداوي.

ولولا تأخر وفيق لكان للفرقة الأولى بقيادة (عمر علي) دور في السيطرة على بغداد وإجهاض الثورة إذ أن عمر قاوم حتى الرابعة عصراً.

خلفيات الفريق رفيق عارف

هو من خريجي الدورة الأولى للمدرسة العسكرية الملكية العراقية. شق طريقه وسط تنافس كبير وأوصى به خيراً الفيلد مارشال مونتغمري باعتباره من تلاميذه ومن الضباط الأكفاء. فأصبح الضابط رقم (1) وهو أول خريج من المدرسة الحربية يتولى رئاسة أركان الجيش وأصغرهم سنّاً.

لكن نوري السعيد لا يميل إليه ويفضل عليه غازي الداغستاني. كان على اطلاع تام بكل منشورات الضباط الأحرار وكان يخفيها عن الجميع لأنه كان يؤمن بالحكمة القائلة (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق)، ولم يفصل أيا منهم، وكان لا يحب المغامرات.

وعندما بلّغ مدير الأمن ولي العهد أن في الجيش حركة، فإن رفيق عارف اتصل به ليلاً ووبخه لتدخله في شؤون الجيش. كان يعرف عن نشاطات الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف. ومع كل ذلك فقد تم الزج به في السجن هو وشقيقه.

لقد زار (العميد إبراهيم حسن) بصفته معاوناً لمدير الاستخبارات العميد رفيق عارف في السجن، واشتكى العميد من معاملة عبدالكريم قاسم له ولشقيقه وكيف زج بهما في السجن، وقد روى العميد إبراهيم حسين موضوع المؤامرة في الأردن ومن وراءها.

كما روى شهادات عن طريقة رفيق عارف والقهقهة التي تلي استماعه لبعض الأمور، ومنها أمور الضباط الأحرار في العراق.

ماذا قال رفيق عارف للمحكمة العسكرية؟

في محاضر المحكمة العسكرية التي اطلع عليها العميد إبراهيم ونشرها في موسوعة 14/ تموز ذكر أن رفيق عارف كتب خطياً للمحكمة وبيّن أن الملك فيصل طلب منه التريث لأنه كان يريد الاستقالة بعد مواجهات مع ولي العهد الأمير عبد الإله، وأنه كان يدافع عن الضباط الأحرار، ويعرف عن تحركاتهم، وأنه توقع مظاهرات، وأن الجيش غير قادر على مواجهتها. وبيّن أنه لم يظلم أحداً، ولكن لا يلوم أحداً. الوضع صعب.

لقد علّق العميد إبراهيم على تلك الشهادة بأنها صادقة كل الصدق، وأنه كان أباً وأخاً وصديقاً لكل ضابط.

شهادة محامي رفيق عارف

قال المحامي عباس حسن جمعة وحسن الكاهه جي في دفاعهما عن الفريق عارف، إنه كان عالماً بالحركة الثورية في الجيش، وأنه كان يقاوم فكرة تسليم ضباط الجيش إلى شرطة الأمن لأن ذلك إهانة، وأنه كان حريصاً على قوة الجيش (وقد بقي الجيش شامخاً مرفوع الرأس في نظره وقام بالثورة).

شهادة الضباط الأحرار

استشهد الرفيق عارف بالضباط الأحرار فكتب بعضهم شهادته، فالعقيد طاهر يحيى (آمر كتيبة المدرعات) ذكر أن الرفيق استدعاه وطلب منه الابتعاد عن السياسة وأن ينصرف لواجباته لأن حوله عيونا كثيرة تفسر الأمور كما يحلو لها.

وشهد ضابط آخر يدعى شكيب الفضلي أن رفيق كان يعرف عن الضباط الأحرار ويدافع عنهم ويكتم أخبارهم.

الخلاصة:

يبدو أن الأمل عند رفيق كان قوياً في الإصلاح. لقد كان ينتظره مستقبل سياسي، إذ أنه كان سوف يشكل الوزارة بالرغم من أن علاقته مع ولي العهد فاترة وعلاقته مع نوري السعيد ليست جيدة، كان نوري يحب الداغستاني وللعلم فإن الداغستاني أسطورة في النزاهة، كان إذا كتب إجازة لا يستخدم ورق الحكومة، وكان لا يسمح لخاله بالركوب معه في السيارة الحكومية إذ كان يستأجر له سيارة أجرة. ربما توقع أن يقوم هو بالإصلاح لأنه كتب (كان القلق يساورني بصورة مستمرة فالجو في العراق "متكهرب" والحكومات مهملة في إصلاح ذلك). وعلى ما يبدو أن علاقته مع الملك القوية، وأمله في الأفضل كان السبب في تلك الحالة من الاسترخاء التي دفع ثمنها هو أيضاً باعتقاله ومحاكمته أيضاً.

Abudayeh@hotmail.com

التعليق