"أيام عمان المسرحية": ريادة مميزة في مسرحية الشعر

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2008. 10:00 صباحاً
  • "أيام عمان المسرحية": ريادة مميزة في مسرحية الشعر

 

بول شاوول

عمان- الشعر داخل المسرح، المسرح داخل الشعر، الشعر داخل الشعر، المسرح داخل المسرح... كل هذا يعني الشعر كما يعني المسرح. وهذا ليس جديداً. لطالما كان الشعر هو المسرح، وحتى المسرح هو الشعر، نصاً، أو أدوات سينوغرافية، أو تمثيلاً، أو مناخات، الاغريق مزجوا بين الشعر والمسرح لا سيما يورييديس (شاعر المسرح اليوناني وحتى سونوكل) وفي المسرح الروماني وإرث المسرح الاغريقي فإلى الأوروبي وإرث المسرحين، من شكسبير الى كورناي وراسين وصولاً الى فكتور هيغو وبوشكين وحتى في القرن العشرين كلوديل وآنوي... وصولاً الى ثورة المسرح باعتلاء المخرج منصة المسرح بعد خلع النص ألوف السنوات.

إذاً تحولت "شعرية" المسرح من المتن النصي الى المتون الإخراجية، والسينوغرافية، والكوريغرافية، والماكياج، والإضاءة، والفضاء... أي لم يعد النص المسرحي الشعري شعرياً وحده، بلغته أو بجوره أو بقوافيه كما عرفناه وعرفه العالم قبل "الثورة" المسرحية في القرن العشرين. بل ربما صار أي نص شعري أم غير شعري يمكن أن يغلف بمناخات شعرية بحسب رؤية المخرج في تركيبه على الخشبة. بمعنى آخر كان يسمى "مسرحاً شعرياً" المسرح- القصيدة، أو المسرح- الشعري، تماماً كما كانت الحال عند شكسبير (كشاعر)، أو راسين أو لرفتوف (روسي)، وغير شعري إذا صاغه كاتب كموليير مثلاً، أو تشيخوف، أو غولدوين... أي كان المسرح ينقسم الى مسرح شعري يكتبه شعراء، ومسرح غير شعري يضعه كتّاب.

هذا قبل اختراع الكهرباء. وبعد اختراعها، دخل المسرح في مرحلة أخرى: سلطة المخرج، وسلطة الأشياء والمؤثرات التقنية (كالإضاءة). وهنا بالذات، وبفعل هذه العناصر الجديدة، والرؤى الجديدة، والاتجاهات الجديدة ذات المسافة بين ثنائية الشعري وغير الشعري في النص. دخل عنصر غير الصوت كما كان الأمر في القرون الماضية: صار الجسد كله، وصارت الأشياء كلها، وصارت مختلف الأدوات، عناصر في العملية المسرحية: أي صار أي نص يمكن أن يكون شعرياً برؤية إخراجية ولو كان نثراً، أو روزنامة، أو مباراة كرة قدم... أو من دون نص (الايماء مثلاً، أو الرقص). إذ لم يعد العنصر الشعري الوحيد هو النص، بل كل ما يستخدمه المخرج ومصممو الديكور أو الرقص أو التقنيون. على هذا الأساس، مثلاً، انكسرت الصنيعة عندنا، في المسرح العربي تلك الصنيعة التي كانت تصنف مسرح أحمد شوقي مثلاً أو سعيد عقل، أو صلاح عبدالصبور، أو عبدالرحمن الشرقاوي، مسرحاً شعرياً، ومسرح يوسف وهبي أو عزيز عيد، أو نجيب الريحاني أو يوسف ادريس، أو ميخائيل رومان أو يوسف العاني أو مصطفى كاتب... غير شعري. تداخل كل شيء، وبات كل نص يمكن أن يكون شعرياً.

تسوق هذه المقدمة الوجيزة لنقول إنه على امتداد القرون الماضية، وهذا القرن، كان الشاعر يكتفي بالمنبر لتكون أمسية شعرية: فهو موجود بجسده، وصوته، وملابسه، وحركاته، والمنبر والمنصة، لكن مع هذا فالأمسية الشعرية تعني أولاً وأخيراً "حضوره"، منعزلاً عن أي تدخل "إخراجي" لتكثيف الشعر بالمسرح أو بالأدوات المسرحية: كان الجواهري وبدوي الجبل وأحمد شوقي والأخطل الصغير وسعيد عقل والبياتي، والسياب، وصولاً الى سعدي يوسف، ومحمود درويش وقباني وأدونيس، والماغوط، وأنسي الحاج... يتكلون على المنصة العارية، والحضور الصوتي (الى حد كبير) ليلقوا الشعر. وأحياناً، وفي المدة الأخيرة، دخلت بعض الأدوات الموسيقية المرافقة للشعر، ودخل بعض الممثلين ليؤدوا أشعاراً، ولكن بقي كل شيء على حاله (تقريباً): فعازف العود كان مجرد مرافق لصوت الشاعر، مرافق زخرفي، وكان الممثلون يلقون القصائد من دون "تمثيل" النص، ومن دون استخدام عناصر أخرى: أي كان الإلقاء من دون مخرج... ومن دون رؤية إخراجية، وبقي من دون استخدامات سينوغرافية كاملة من النص، أو تدخلات إخراجية تقرأ النص قراءة خاصة (باستثناء بعض التجارب اليتيمة). أي كان النص في صوت الشاعر، والمنصة حوله معطلة: يعني كان يتعاقب على المنصة أحياناً عشرون شاعراً على ديكور واحد، ومكان واحد، وبشكل واحد: النصوص كلها متشابهة افتراضاً لتكون المنصة واحدة.

عندما دعيت الى مهرجان الفوانيس المسرحي الرابع عشر، في دورته الأخيرة، وأرفقت الدعوة بـ"شعر في المسرح"، قلت أن الأمسيات لن تكون مختلفة بمفهومها عما سبق أن أشرنا إليه: منصة، آلة موسيقية مرافقة، وشاعر يلقي وجمهور يتلقى. لكن عندما بدأت الاستعدادات، من قبل المخرجين نادر عمران وسوسن دروزة (والاقتراح قدم من الشاعرة جمانة مصطفى وتبناها المهرجان المسرحي)، اكتشفنا أن ورشة مسرحية على نصوص الشعراء، قد أقيمت، أي محاولة مسرحة النص الشعري وكأنه نص مسرحي: السينوغرافيا، الإضاءة، الساحة، الفضاء، موقع الشاعر، وكذلك الموسيقى المرافقة التي صارت جزءاً من النص، أو منطلقة من النص كما حال السينوغرافيا. وعلى امتداد الأمسيات الممسرحة، كانت تتغير الأدوات السينوغرافية وحتى الآلات الموسيقية، انطلاقاً من لغة الشاعر: يعني تحول المكان من منصة الى بؤرة مسرحية.

بالطبع كانت تلك "المغامرة" هي الأولى أو المبتدأ ولا بد من أن تتطور وتتعمق، ونتوقع أن تنتقل الى مسارح ومهرجانات عربية أخرى.

محمد علي شمس الدين

إذاً المسرح من نكهة الشاعر، والشاعر من متطلبات المسرح.

وهكذا كان للشاعر محمد علي شمس الدين أن يقرأ شعره، محاطاً، بمؤثرات كالإضاءة والحلبة وما حوله فامتزج النص بالأشياء، وبالخشبة وبالجسد وبالصوت فكانا واحداً: مسرحاً يوحي شعراً، وشعراً يوحي مسرحاً: وكان التخلص من المنبر تخلفاً أيضاً من الأداء المعروف. وهنا تألق محمد علي شمس الدين (كما تألق مع شوقي بزيع وسواهما في المهرجان الشعري الأخير في القاهرة، وبَهَت من بهت هناك، لتكون ردة الفعل موقفاً من الجمهور (من قبل الباحث) ومن المهرجان ومن كل الشعراء الذين لم يذكرهم في مطالعته النرجسية).

فقد عرف محمد علي شمس الدين كيف يكوّن صوته، ونبراته، من الداخل وليس من الخارج، مع تقشف في الحركات، وكثرة في الايحاء.

هالة محمد

وفي الأمسية ذاتها وعلى خشبة مركز الحسين الثقافي كان للشاعرة السورية هالة محمد أن تتلو قصائد قصيرة، متجردة من أي تبسيط أو تزويق، في التقاط الالتماعة. وهنا يمكن القول إن صوتها الحيادي إلى حد كبير (والداخلي) ساهم في تقطيع المشهدية الشعرية إلى فواصل أو إلى بياض، أو إلى الصمت. وكان عليها أن ترمي كل ورقة تقرأها، حولها، وكأنها تقول إن الشعر أيضاً فصل من مسرح... يُهمل أو ينسدل ستاره!.

محمد مقدادي

الشاعر الأردني محمد مقدادي اختار الجلوس، والخلفية كأنها لوحة أو ستار أو جدار غامض، وكان له أن يقرأ قصائده قراءة "عارية" من التنغيم، والتطريب (وهذا ما ساد الإلقاء الشعري طويلاً) بنبرة هادئة، ملونة وقريبة.

جيهان عمر وخليل درويش وموسى حوامدة

الأمسية الثانية ضمت جيهان عمر (مصر)، وخليل درويش (سورية) وقد قيل إن جيهان كانت حميمية الى حد الهمس، وهامسة الى حد العمق بلا تبرج "القائي" وبلا مبالغة وبلا تصويت.

خليل درويش، ذو النكهة الشعرية الخاصة في الشعر السوري، قيل إنه تمكن من الانسجام والمناخات المسرحية، باعتبار أنه يعتمد على "المشهديات" المختزلة، أو الالتماعات المكثفة. وهذا صعب على المنبر عادة، لكنه مع هذا تمكن من اختراق اللغة الشعرية الى اللغة المسرحية، مع مجمل الأدوات التي استخدمت لخدمة نصه.

أما الشاعر الأردني موسى حوامدة، وهو من أبرز الشعراء الأردنيين المخضرمين فقد كان له (كما تردد) حضوره المميز، ونبراته القاطعة على نصوص منسابة بين الحارات الملتبسة، والايقاعات الداخلية التي كان لها أن تكون خصبة لتعدد مستويات النص، مما استدعى تعدد مستويات القراءة، على مدى القصائد بقراءاتها، وبما استمد منها من ديكورات، ومن موسيقى ساكسوفون لإياس الغول، وقد عرف حوامدة كيف يجمع بين تلاوة النص وبين ترسيمه في فردات، تشبه التنفس هنا، والجملة الطويلة هناك، والامتداد النصي في غير مكان. هذا الجمع أدى إلى تعامل مكثف (أي مسرحي بالمعنى الإيقاعي) وداخلي بحيث بدا الصوت وكأنه الجسد، والجسد هو كل ما يحيط به... امتداداً من النص نفسه.

رضوان وعمران

الأمسية الثالثة ضمت شاعرين هما عبدالله رضوان (الأردن)، ورشا عمران (سورية) واعتذر الشاعر الفلسطيني غسان زقطان.

عبدالله رضوان كأنه خاض الحضور المزدوج بين نصوص تستدعي الصوت والموقف والقضية (غزة) وبين أخرى تستدعي الذاتية. وهنا كان له أن يضيف النبرة العالية مع النبرة الخفيتة، في وضع الواقف أمام الميكروفون، لا الجالس في الكرسي. وقد ساعده ذلك، وفي مناخ ديكوري مختزل، على تأدية نصه بطريقة مألوفة، كانت تحتضن أحياناً الطرفين: الاندماج بالجو وبالنص وما يتطلبه من نبرات متنوعة، وبين المد الصوتي المناسب. كأنه طلع من عميق قصائده على تلك المنصة.

أما رشا عمران فقد قرأت، وعلى الركن العاري تقريباً قصائد يغلب عليها الامتداد في النفس الشعري.

وفي سرد يقطع السرد، وفي بوحية تكسر البوحية التقليدية، وفي تفجيرات مكنوزة، ومخبوءة خلف الوجه، وخلف الجسد وخلف الصوت الذي يلامس هنا النص كالهواء ويخترقه هناك كما الشغف وقوة الحالة. كانت رشا عمران "سنديانة" شفافة ترمي قصائدها أمامها كما ترمي الأشجار أوراقها، أو كما ترمي الأوراق أشجارها. وجاء الساكسوفون ليعمق تلك "الحالات" الليلية، فكأن موسيقى الأرق، أو اليقظة المؤرقة بين الكلمات والصور... وذاك "العدم الخلاب"!.

أما الأمسية الرابعة والختامية فقد قدمتها رشا عمران، واشترك فيها بول شاوول وعماد أبو صالح (مصر) وجمانة مصطفى (صاحبة فكرة الشعر في المسرح والمنسقة).

كأنما هذه المسرحية كانت تتويجاً للمسرحة الشعرية من حيث تطور الأدوات والأداءات ودور الموسيقى والسينوغرافيا.

عماد ابو صالح

وتلاه الشاعر المصري عماد ابو صالح، الذي قدم نصوصاً "قاسية" بمضامينها وعنيفة، مع نصوص نابعة من التفاصيل، أقصد تفاصيل الشاعر (وهناك شعراء كتبوا التفاصيل المأخوذة من الكتب: "استعاروا الطناجر والمدافئ والأواني والحنفيات من عند شعراء آخرين...) وقد جاء على تنوع شديد في النص وفي القراءة، والنبرة والمناخ مع شاوول وكذلك مع جمانة مصطفى بعده: وهذا شيء حسن أن يظهر التنوع أداء ونصاً بين الشعراء. حضر بخفر وبرز بما يشبه الصمت الشعري، بين اللقطة البيضاء (بالصوت الأبيض)، وبين المشهد المرتب بالنبرة الحيادية.

جمانة مصطفى

الشاعرة الأردنية جمانة مصطفى كانت حالة في ختام الأمسيات: فهي قدمت عدداً من الشعراء لتأدية مسرحية، ثم تحركت في سينوغرافيا جميلة، وملونة حيث اقتعدت الأرض بعدما دخلت إلى المنصة دخولاً "طقوسياً" لتؤدي أداء يجمع بين "الطقوسية" وبين التلاوة، وبين التقطيع الايقاعي. كانت جمانة مصطفى حيوية، منسابة مرتاحة، لتعبر عن قلقها وحالاتها، بالتماعات، أو بمشهديات أو ببوحيات، تلوّن حضورها، على المنصة الملونة، وشف كما النسمة المشتعلة.

التمييز

وإذا كان مهرجان الفوانيس قد تميز وبشكل خاص، هذه الدورة، بمسرحة الشعر، وبمحاولة ترسيخه ريادة جديدة في التعامل مع النصوص: وهذا اختراق مهم، يمكن، إذا تطور في المستقبل أن يحدث تغييراً جذرياً في تعاطي الشاعر والممثل مع النص، والخشبة، والأدوات، والإضاءة، والموسيقى، والجمهور. إنه محاولة لتحويل المنبر الشعري العربي الى خشبة مسرحية. وهذا ما نتمنى أن نتوقعه في المستقبل، خصوصاً أن منفذي هذه المغامرة الجديدة مخرجان وسينوغرافيان مسرحيان: سوسن دروزة (المسرحية والسينمائية المميزة)، ونادر عمران أحد أبرز المسرحيين والمخرجين والسينوغرافيين الأردنيين.

التعليق