"حين ميسرة": عشوائيات وشذوذ وإرهاب تجعله أجرأ الأفلام العربية

تم نشره في الأحد 6 نيسان / أبريل 2008. 10:00 صباحاً
  • "حين ميسرة": عشوائيات وشذوذ وإرهاب تجعله أجرأ الأفلام العربية

رشا عبدالله سلامة

عمّان- العشوائيات.. هناك حيث حياة الإنسان رخيصة وعجائبية في آن !! حيث تنحدر لغة الحوار وأساليب التعامل إلى ما دون القاع، وحيث تنحرف الأخلاقيات الأساسية بين دروب البغاء العلني ودهاليز المخدرات وبراثن الإرهاب.

في تلك القنابل الموقوتة المسماة بالعشوائيات، أدار المخرج المصري خالد يوسف كاميراته ليصور فيلمه الجديد "حين ميسرة".

ولربما يستمد حين ميسرة تصنيفه كأكثر الأفلام جرأة في تاريخ السينما المصرية من مقدار الصدمة التي يثيرها في نفس المشاهد، منتزعاً تلك الصدارة من "عمارة يعقوبيان" الذي سبقه بسنوات، وإن كان يعقوبيان قد نجح أكثر في إدراج فئات وقضايا اجتماعية متنوعة تحت مظلته من خلال سكان عمارة ذوي مشارب عدة، ما أسبغ تلقائية في الطرح تركت للمشاهد متسعا ليلتقط أنفاسه.

العكس حدث في حين ميسرة عندما تكالبت جميع صنوف المصائب والمآسي على أفراد بعينهم، فنفس أفراد العائلة عانوا الفقر والبطالة والإرهاب، وتعذيب الأجهزة الأمنية والإدمان والبغاء والشذوذ والاعتداءات الجنسية ومن ثم عيش ثمارهم في الشوارع، وبذا تنضم أيضا قضية أطفال الشوارع إلى جانب كل ما سبق.

هذه النقطة تحديدا تثير تساؤلات عدة عن مدى جدوى إقحام الصُدف فنيا، إذ إن هذه الصدف واردة في الحياة بشكل طبيعي، بيد أنها تنزلق نحو الافتعال والمبالغة غير المبررة عندما تحيكها أنامل مخرج ما، لتبدو وكأنها منفذ لجأ إليه لإنهاء القصة وإن كان ذلك بطريقة الحشو غير المبرر!.

تتضح تلك الفكرة ليس فقط فيما يخص توالي المصائب على البطلة تحديداً، والتي لعبت دورها الممثلة سمية الخشاب، إذ إنها لم تصادف في دربها إلا المغتصبين والسحاقيات والمراقص، برغم أن منافذ كثيرة كان من الممكن إتاحتها لها دراميا ومنها العمل كخادمة أو عاملة نظافة في بيت أو مكان ما على سبيل المثال.

بل كذلك الحال مع الابن غير الشرعي الذي تنجبه والذي لم يكمل المتبنون معروفهم معه، فغدا ليس لقيطاً فحسب بل ابن شوارع بعدما تخلى الجميع عنه.

تلك المبالغات التي صبت جامها على أناس بعينهم باتت مثار شك الجمهور عن كونها قد تكون لمغازلة شباك التذاكر وليس لضرروة درامية، ما دفع دولا عدة لعدم عرض الفيلم حتى الآن كالأردن ودول الخليج رغم مرور أشهر على عرضه في القاهرة.

جانب آخر أثار حيرة المشاهد هو إقحام المسألة العراقية في الأحداث، لتمشي جنبا إلى جنب مع أحداث الفيلم منذ عام 1990 إلى 2003، أي منذ حرب الخليج وحتى سقوط بغداد، عن طريق زج الأحداث بأحد أبناء هذه العائلة المنكوبة في العراق ليتضح أنه مجند هناك في صفوف القاعدة.

وقد يكون المخرج أراد من هذا الإقحام أن يرمز للقضية العرقية التي آلت إلى ما آلت إليه بطلة الفيلم من الطمع بها ومن ثم زلة قدمها وانحدار خطها حتى جاءت لحظة السقوط المدوية في حادثة الاغتصاب التي رمزت لسقوط بغداد، ومن ثم المشي في درب المجهول الدامس الظلام بعد ذلك وهو ما يحدث حالياً في الواقع.

جدلية أخرى يثيرها الفيلم عن مدى تقبل الجماهير العربية لأفلام تعري الواقع إلى هذا الحد، إذ برغم فجاجة المشاهد إلا أنه ما من مجال لإنكار وجود كل الظواهر الواردة فيه بنسبة ربما تفوق الـ100%، سيما فيما يتعلق بمنتسبي الأجهزة الأمنية الذين يفرّغون عقدهم وكبتهم في الموقوفين فيمارسون بإملاء من أربابهم شتى صنوف التعذيب التي تصل إلى حد هتك العرض في مرات كثيرة.

تلك الجدلية توقظ تساؤلاً عما يريده ويرضاه الجمهور العربي: فالسينما الكوميدية الساذجة التي سيطرت لسنوات مضت وقبلها أفلام المقاولات أثارت حنقه واحتجاجه، كذلك الأمر مع السينما الجريئة التي تشخص الوضع بمبضع جرّاح!.

تقود تلك النقطة إلى تشخيص وضع السينما المصرية، إذ إنها بدأت في السنوات الأخيرة تصحو من غفوتها التي سيطرت عليها أحلام الكوميديا التي انزلقت إلى كبوة المهزلة في معظمها، غير أنه يبدو عليها حالياً الإغراق إلى حد التخمة في موجة الأفلام التي تتناول الإرهاب خصوصاً والقضايا الاقتصادية والأمنية والاجتماعية العالقة.

ولعل من أبرز تلك الأفلام دم الغزال وهي فوضى وعمارة يعقوبيان وحين ميسرة. وربما يجدر التنويه هنا إلى تعالي أصوات تفسر هذه الموجة من الأفلام بذرائع أميركية تسعى لتعرية الإرهاب في المنطقة ومحاولة التطبيع مع "التابوهات" التي كان الحديث عنها حتى الأمس القريب محرماً كالشذوذ والعلاقات المحرمة وانتقاد الأجهزة الأمنية العربية.

البعض الآخر يذهب إلى كون هذه الأفلام ترسل رسائل تحذير أو تكهنات عن اقتراب انهيار بعض الأنظمة السياسية بفعل الضغوطات المتراكمة.

وفيما يتعلق بقضية الإرهاب تحديداً، فإنه يؤخذ على حين ميسرة وباقي الأفلام الجديدة التي عالجتها أنها حصرت جانب الإسلام والمسلمين في زاوية الإرهاب فقط! مع أنه يجدر بالعرب والمسلمين في هذه المرحلة تحديداً من التذرع الأميركي والإسرائيلي بالحرب ضد الإرهاب أن يسعوا قدر الإمكان للتبرؤ من هذه الخلايا وسلخها كليا عن الإسلام والمسلمين.

وليس ما يحدث حاليا من عدم إظهار المتدينين المعتدلين في الأفلام إطلاقاً، وما ينجر إليه كثير من الجماهير من الاحتجاج على تناول هذه التنظيمات بطريقة تبعث على التقزز، فيظهرون بموقف المدافع عنها برغم أنهم معارضين لها في الواقع! وهم بذلك لا يطالبون كجماهير عربية بحقهم المشروع في تشخيص أسباب الإرهاب الحقيقية أمام العالم والتي من أهمها الممارسات الأميركية والإسرائيلية ضد المسلمين، والأوضاع الاقتصادية المتأزمة، بل إنهم يقفون من حيث لا يدرون في موقف محامي الدفاع عن الإرهابيين!.

نهاية الفيلم استمدت قوتها ليس فقط من تنويه المخرج لكون الواقع أشد قسوة من الفيلم فحسب، بل من رمزيتها العالية، رغم ضعف المشهد إخراجياً، إذ ظهر أنه مركب على الكمبيوتر، حيث تمضي بطلة الفيلم والبطل وابنهما اللقيط وصديقته وكذلك طفله اللقيط أيضا في قطار سريع نحو الإسكندرية من غير أن يعلم أحدهم بوجود الآخر.

وفي هذه النهاية الرمزية أحد تفسيرين وهما إما أن وباء العشوائيات وما تفرزه سيتفشى ليصل مناطق مصرية عديدة، أو أن العشوائيين قد يلقون حياة أفضل في مدن مصرية أخرى تحظى بشيء من دعم الحكومة التي يبدو أنها لا تحيط علماً بحال العشوائيات على الإطلاق!.

الرمز ذاته ينسحب على الابن اللقيط الذي يمضي مع عائلته المبنية على الحرام، موحين بشيء من الأمل في السعي نحو حل مشكلتهم، وليس كوالديه (البطلة والبطل) اللذين تبرآ من ثمرتهما ليضيفا مأساة جديدة لمجتمع باتت جميع مشاكله وقضاياه تدور حول رحى الأوضاع الاقتصادية والسياسية الخانقة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفليم واضح و صريح بصراحة ¿¿¿¿¿¿!!!!!!! (عادل امام)

    الاثنين 7 نيسان / أبريل 2008.
    بطبع هنالك افلام خطيرة لكن علينا ان نكون وراء المجتمع مما يخبئ لنا من مواجع ¿¿¿ فنحن من ينقل الاخبار 3 من ينقل هذه الاخبار بعد جريدة الغد..و التلفاز؟¿¿ فنحن الافلام تنقل المواجع و الافلام توبين الماضي و المستقبل فنحن نريد ان نخبر ابنائنا .... عن الحاضر بل الافلام في 3 ساعات تنقل هذة الخبر .....وان لا نضع العربق بين بعضهم (يتمشكلو) ... عيب
  • »الفليم واضح و صريح بصراحة ¿¿¿¿¿¿!!!!!!! (عادل امام)

    الاثنين 7 نيسان / أبريل 2008.
    بطبع هنالك افلام خطيرة لكن علينا ان نكون وراء المجتمع مما يخبئ لنا من مواجع ¿¿¿ فنحن من ينقل الاخبار 3 من ينقل هذه الاخبار بعد جريدة الغد..و التلفاز؟¿¿ فنحن الافلام تنقل المواجع و الافلام توبين الماضي و المستقبل فنحن نريد ان نخبر ابنائنا .... عن الحاضر بل الافلام في 3 ساعات تنقل هذة الخبر .....وان لا نضع العربق بين بعضهم (يتمشكلو) ... عيب
  • »انت ناقدة ممتازة يا رشا (nadia muner)

    الأحد 6 نيسان / أبريل 2008.
    فعلا و بدون مقدمات هناك مبالغة في الفيلم فالمصائب مقحمة من حيث لا ندري على نفس الافراد .
  • »انت ناقدة ممتازة يا رشا (nadia muner)

    الأحد 6 نيسان / أبريل 2008.
    فعلا و بدون مقدمات هناك مبالغة في الفيلم فالمصائب مقحمة من حيث لا ندري على نفس الافراد .