غصيب: الأمة العربية تعيش مرحلة ما قبل العلمي وتحتاج إلى فلسفة التنوير

تم نشره في الأربعاء 19 آذار / مارس 2008. 09:00 صباحاً
  • غصيب: الأمة العربية تعيش مرحلة ما قبل العلمي وتحتاج إلى فلسفة التنوير

عزيزة علي

عمان- قال رئيس جامعة الأميرة سمية للكتنولوجيا د. هشام غصيب إن التحدي الذي تفرضه الثقافة الأوروبية الحديثة علينا وعلى غيرنا من شعوب الأرض لا مثيل له في كل العصور.

وبين غصيب في الندوة، التي نظمتها مؤسسة عبدالحميد شومان أول من أمس وأدارها د. غسان عبد الخالق "أن هذا التحدي ينبع بصفة أساسية من كون الثقافة الغربية هي أول ثقافة تاريخية تمحورت حول العلم وفكرة (التنوير)، وقد شهدت في مطلعها ثورة ثقافية كبرى، هي الثورة العلمية "التقانية"، التي ما تزال تتصاعد وتتنامى بوتيرة متسارعة، مزلزلة أركان الراسخ القائم على جميع الصعد".

وبين غصيب أن هذه الثورة العاصفة خلقت فكرا من نوع جديد يتمثل في فلسفة التنوير وطبعت الثقافة الغربية الحديثة بطابعها المميز، بحيث اضحى العلم محور الإنتاج الثقافي الغربي ومحركه، لافتا الى أن الفكر الغربي في جميع تياراته العقلانية منها واللاعقلانية، هو فكر "ما بعد علمي".

وأشار الى أنه في المقابل، بقي "الفكر العربي في صبغته العامة "ما قبل علمي"، لم يعاين الثورة العلمية وتحدياتها، ولم تتفجر هذه الثورة في قلبه على غرار ما فعلته في الفكر الغربي".

وأكد غصيب أن التحدي اليوم يتعقد كثيرا "لأن البرجوازية الغربية، التي خلقت ثقافة التنوير في مرحلة صعودها، لم تعد قادرة على تحمل هذه الثقافة في مرحلة استقرارها وسيادتها، فتجدها ترفع راية الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوقت الذي تغرق فيه الفاشية الصهيونية بالسلاح والمال لانتهاك حقوق الشعوب، وتسعى عسكريا واقتصاديا وإعلاميا إلى إخضاع الشعوب لإرادتها وهيمنتها".

ورأى غصيب أن "هذه البرجوازية تخصص مئات المليارات من الدولارات لدعم الإنتاج العلمي في الوقت الذي تخصص فيه المبالغ الطائلة لدعم الحركات والمؤسسات الثقافية التي تنتج اللاعقل وثقافة الظلام على جميع الصعد".

ولفت إلى أن ثقافة التنوير ما فتئت تفرض نفسها على الوجدان الغربي، بفعل دينامية الإنتاج الغربي، وبرغم محاولة البرجوازية الإمبريالية المستمرة الحد من تفشيها وإضعاف نفوذها، أضحى احتواؤها والتعايش معها هاجسين يؤرقان بال الفكر البرجوازي الغربي الذي خلق ما لا قبل له على تحمله.

وقال غصيب إن عقيدة التنوير، قلب الحداثة، تمثلت في "اكتشاف الطبيعة بوصفها كيانا ماديا مستقلا واكتشاف الإنسان بوصفه فردا ومصدرا للمعنى ومجتمعا وتاريخا"، وهي السمات الرئيسية لحركة التنوير، تلك الحركة التي نشأت على أيدي مثقفي البرجوازية الأوروبية واكتمل فكرها على أيدي مثقفي البروليتاريا الأوروبية في أعمال ماركس وإنغلز.

وبين أن التنوير ليس نظاما فكريا جاهزا ونهائيا، وإنما هو عضوية متطورة تنخرها التناقضات الداخلية والخارجية. وهو يمثل عائلة من الرؤى للحياة والكون وإطارا فلسفيا شاملا لمثل هذه الرؤى. وقد برز هذا الإطار ملازما للرأسمالية الأوروبية بثورتها العلمية وثورتها الصناعية وديمقراطيتها الليبرالية.

وأضاف غصيب "أتى التنوير مدعما بالعلم وإنجازاته الرفيعة وطرائقه المتطورة، ليقلب هذه الصورة التي دامت آلاف السنين رأسا على عقب على جميع الصعد، المعرفية والفلسفية والقيمية، لكي يعتبر الغيب ونظمه ومؤسساته التجسيد الأوضح لاغتراب الإنسان عن ذاته".

ولفت غصيب إلى أن "وقع التنوير على الوجدان الحضاري الغربي كان قاسيا، وأن قسوته تتضاعف مرات عديدة في حال الوجدان الحضاري العربي".

ورأى أن الصورة الغيبية للوجود أرسخ ما تكون في منطقتنا من العالم، وقد نشأت هنا وتطورت ووصلت أوجها، ثم استعارها الغرب وثار عليها جديا، وتوطنت بعمق في الغرب، ولكن المستورد يظل سطحيا مقارنة مع الأصل، مهما توطن. وكان صعبا على الغرب قبول التنوير والتخلي عن التصور الغيبي للعالم، فما بالك بالشرق الذي خلق هذا التصور على مدار آلاف السنين.

وأكد غصيب على أنه لا مفر للشرق من مجابهة ثقافة التنوير وتفجير وعيه التقليدي على ضفافها. فالهروب من هذا التحدي بلفت النظر إلى انحلال الغرب وانهيار المنظومة اشتراكية لا يجدي نفعا، وإنما يفاقم الأزمة ويعرض أمتنا إلى الانقراض.

وزاد أن الحل المتاح أمام الأمة العربية هو "الغوص في قلب ثقافة التنوير، ومحاولة هضمها نقديا، ومعاناتها ومعاناة تناقضاتها وجنونها وفوضاها جنبا إلى جنب مع التمتع بإنجازاتها الرفيعة بهدف تخطيها بحل تناقضاتها".

وقال "هذا ما أدعوه "الاستغراب"، الذي هو نقيض الاستشراق".

وأشار غصيب الى أن الهضم النقدي عملية تفاعل متفجر بين وعي تقليدي مأزوم وثقافة ثورية لا نهائية الطابع، لذلك يستلزم ثورة ثقافية دائمة تنطوي على إمكانية إعادة تركيب وعي أكثر قدرة على التكيف مع اللانهائي، لافتا إلى أن الهدف الحقيقي للاستغراب هو "بناء عقل حركة التحرر القومي العربية بما يجعلها البديل الحقيقي للبؤس القائم".

وخلص غصيب إلى أن حل المشكل الثقافي المتعلق بالحداثة في الوطن العربي هو الشرط الأول من شروط التقدم والتحرر القومي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (بنت البادية)

    الخميس 20 آذار / مارس 2008.
    شكرا لمؤسسة شومان
  • »رائع (بنت البادية)

    الأربعاء 19 آذار / مارس 2008.
    شكرا لمؤسسة شومان