"الشريط المصور" في تونس: تجربة فنية متميزة في الكتابة الموجهة للأطفال

تم نشره في الخميس 6 آذار / مارس 2008. 10:00 صباحاً

تونس - يعتبر فن الأشرطة المصورة أو الفن التاسع مثلما يحلو لرواده تسميته أحد أهم الألوان التعبيرية التي انتشرت في تونس خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي عبر عدد من المجلات والنشريات الدورية الموجهة أساسا للأطفال قبل أن يتحسس هذا الفن طريقه الى صحف الكبار وينحت له موقعا مهما بين القراء.

وتتذكر أجيال من التونسيين بالخصوص مجلة "عرفان" التي ظهرت في العام 1965 لتدشن لتجربة جديدة في باب الكتابة الموجهة للأطفال في تونس وهي تستهدف بالخصوص تنمية الحس العلمي والتربوي لدى الناشئة.

ومثلت هذه المجلة محطة شهرية حافلة بالعديد من القصص المسلية، وكثيرون هم الذين ما يزالون يستحضرون شخصية "عرفان" بطل السلسلة المصورة "مغامرات عرفان" وما تحمله من طرائف ومواقف تجمع بين الافادة والترفيه.

ومن الأقلام التي أسست السلسلات المصورة لمجلة عرفان في بداياتها نذكر المنصف زرياط وحسنين بن عمو وابراهيم الدريدي وغيرهم ممن ابدعوا في كتابة العشرات من المسلسلات المصورة وتطوير هذا الجنس التعبيري المتميز والتأسيس لتجربة سيتواصل صداها الى يومنا هذا مع اختلاف في الاسماء والنشريات.

وشهد العام 1968 صدور مجلة شهرية جديدة موجهة للأطفال هي "شهلول" ورغم عمرها القصير نسبيا (17) عددا، فإنها شكلت على امتداد عام ونيف مساحة للتسلية والترفيه من خلال مجموعة من القصص المصورة للأطفال. وتبعتها في نفس العام مجلة "كوسكو" التي صدرت في مناسبة واحدة وكان لا بد من انتظار عشر سنوات كاملة لرؤية عنوان جديد تمثل السلسلات المصورة احد اهم أركانه الأساسية وهي مجلة "انيس" التي صدر العدد الاول منها في العام 1978 وتواصلت اطلالتها على امتداد عامين وساهمت وفق بعض النقاد في اثراء النشر الموجه للطفل غير أن كل هذه التجارب المتنوعة والثرية اصطدمت بعديد الصعوبات لعل من ابرزها الكلفة المرتفعة وقلة الفضاءات المحتضنة لهذا الفن "مجلات وصحف" وتواضع المقابل المادي الذي يتحصل عليه كتاب القصص المصورة مما دفع بالعديد منهم الى هجرة الفن التاسع.

وتراجع تبعا لذلك وهج هذا اللون الابداعي، ومع صدور مجلة "قوس قزح" في العام 1984 والتي مثلت نقلة مهمة في مسيرة هذا الفن بتونس، شهد الشريط المصور انطلاقة جديدة برؤى اكثر تنوعا، خاصة وقد جمعت مجموعة من ابرز رواده في تلك الفترة على غرار الشاذلي بلخامسة والحبيب بوحوال وعبدالقادر شلبي ومحمد قلبي والطاهر الفازع وتوفيق الكوكي والمنصف الكاتب وغيرهم.

وعلى امتداد أكثر من خمس سنوات وهي عمر مجلة "قوس قزح"، تمتع الأطفال بسلسلات شيقة من المغامرات والحكايات المعبرة منها "نبهان وغفلان" و"مغامرات بريبش ودلول" و"عمي هدونة" و"نسناسة" و"الحمامة المطوقة" وعشرات الحلقات الأخرى التي وفرت مادة ترفيهية وتثقيفية متميزة للأطفال في وقت قلت فيه عناصر التسلية الموجهة لهذه الشريحة العمرية، ويرى بعض المولعين بهذا الفن في تونس أن هذا اللون الابداعي استفاد الى حد ما من الحركية التي شهدها قطاع النشر الموجه للأطفال في أواسط الثمانينيات والمنافسة القوية التي فرضتها المجلات الواردة من الشرق.

كما أن الصحف اليومية والأسبوعية الموجهة للشباب والكهول انفتحت بدورها على فن السلسلات المصورة ومثلت متنفسا للعديد من الفنانين والكتاب لنشر ابداعاتهم وبعضهم ما يزال الى اليوم يحتفظ بأركان قارة تتناول قضايا اجتماعية وسلوكية من يوميات المواطن التونسي والحديث عن فن الشريط المصور في تونس لا يستقيم من دون ذكر الفنان المنجي الماجري الذي يعتبر أحد أهم رواد الفن التاسع في تونس.

ومن المراجع التي تركت بصماتها في مسيرة هذا الفن وله مجموعة كبيرة من الاصدارات، كما كان وراء تنظيم أول مهرجان للشريط المصور في تونس في بداية الثمانينيات وجمع عددا هاما من رواد الفن التاسع من تونس والخارج غير أن هذه التظاهرة توقفت عند دورتها الاولى، ومن المحطات المهمة في تاريخ الفن التاسع في تونس مبادرة جمعية "مهرجان تازرك" للكتاب الى احياء فكرة تأسيس مهرجان وطني للشريط المصور.

وانعقدت أولى دوراته في العام 1997 لتتواصل الى اليوم من دون انقطاع، وحول هذه التظاهرة قال مدير مهرجان تازركة للكتاب أبو السعود المسعي إن فكرة بعث مهرجان للشريط المصور فرضت نفسها أمام غياب تظاهرة فنية واحتفالية تجمع رواد الفن التاسع في تونس وبالتعاون مع فنانين من مدينة هينو "بلجيكا" التي اشتهرت بهذا الفن ليس في اوروبا فحسب بل في العالم وتطور هذا الموعد السنوي ليتحول الى أهم مهرجان مختص في الشريط المصور في تونس على الاطلاق.

وأضاف أن جمعية معرض الكتاب بـ"تازركة" ومن منطلق تجاوز مبدأ الاستهلاك "عرض وبيع الكتب" والانتقال الى طور انتاج أجناس تعبيرية، تم تنظيم ورشات عمل مختصة في كتابة وإنجاز الاشرطة المصورة بهدف مزيد تشجيع الاقبال عليها من قبل الاطفال، مشيرا الى أن العام  2002 شهد نقلة تحول مهمة في مسيرة المهرجان بعد أن قام الفنان التونسي المقيم ببلجيكا صبري القصبي بابتكار شخصية "سعيد المسكين"، وبرع الأطفال في كتابة اربع قصص مصورة حولها باللغتين العربية والفرنسية وطباعتها وحظيت بإعجاب وتقدير رواد المهرجان.

وبين ابو السعود المسعي أن النجاح الذي عرفته تجربة مهرجان "تازركة" للشريط المصور جلب له تقدير العديد من المراكز الثقافية والفنية المختصة خارج البلاد من ذلك مشاركته في مهرجان "انغولام- فرنسا" للشريط المصور وهو إحدى أكبر التظاهرات المختصة في العالم، ملاحظا أن بعث مركز وطني مختص للشريط المصور في تونس على غرار ما هو موجود في فرنسا وبلجيكا اضحى حلما مشروعا وهو ما من شأنه أن يساهم في حفظ الذاكرة الوطنية وابداعات العشرات من رواد هذا الفن والاكيد أن عدة مؤشرات توحي بانطلاقة جديدة لهذا الفن ابرزها الاهتمام المتزايد به سواء من قبل المبدعين أنفسهم أو كذلك وسائل الاعلام التي سلطت الضوء على فن الشريط المصور والتحديات التي يواجهها.

وشهدت الأسابيع القليلة الماضية نقطة تحول أخرى في مسيرة فن السلسلات المصورة في تونس تمثلت في تنظيم معرض متنقل ضم حوالي (50) لوحة عملاقة على محامل جدارية لمشاهد ومقتطفات من المسلسلات التي صدرت بمجلات وصحف تونسية.

التعليق