كتاب جديد للباحث خالد زيادة يتناول "الخسيس والنفيس في المدينة الإسلامية"

تم نشره في الجمعة 15 شباط / فبراير 2008. 09:00 صباحاً

 

بيروت- كتاب خالد زيادة بعنوانه الطريف يشكل قراءة ممتعة تتسم بجعل المادة التاريخية أو فلنقل "العلمية" تصل الى القارئ وهي أقرب الى نص أدبي يحمل في ذاته حافزا لمتابعة القراءة.

كتاب الدكتور زيادة وعنوانه "الخسيس والنفيس..الرقابة والفساد في المدينة الإسلامية" يشكل كما قال المؤلف مسعى الى اظهار البنى التحتية والقيمية التي كان يقوم عليها نظام "الاحتساب" قديما.

وقال المؤلف في حديثه عن عمله "اردنا من هذه المحاولات في المدينة الإسلامية أن نظهر البنى المعيارية والقيمية التي يقوم عليها نصاب الاحتساب والآليات التي حكمت عمله من دون أن نتطرق الى مسألة تحتاج الى مزيد من البحث تتعلق بما اذا كان الاحتساب قد أخفق في أن يكون مؤسسة كاملة الملامح".

أما الكتاب الذي جاء في (110) صفحات متوسطة القطع فقد صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.

وقال المؤلف إن القاضي في المدينة والذي يعرف ايضا باسم الحاكم الشرعي أناط "مسؤولية الرقابة في الأسواق الى المحتسب تبعا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وأضاف "إلا أن احدى المشكلات التي لم تعالج كفاية تتعلق بعلاقة المدينة بالدولة وبمعنى أدق تقاسم سلطة الرقابة في المدينة بين حكم الفقهاء ونفوذ الدولة أو السياسة حسب ابن خلدون والمقريزي...ومن جهة أخرى فاذا كانت الدولة تسير وفق قوانينها فان محاولات اخضاع السلطة والامارة -السلطان والأمير-  لمبدأ النهي عن المنكر -أي للمحاسبة- لم تصل الى أي نتيجة فاكتفى الفقهاء بنصح السلطان والأمير ووعظه معترفين بأن الدولة تسير وفق قوانينها مكتفين بإخضاع المدينة لحكم الشرع".

وفي مجال آخر يستشهد الكاتب بحديث أورده الامام أحمد بن حنبل في مسنده وهو "المدينة حرام فمن أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

كما يستشهد بكتاب محدثين وبمراجع قديمة منها كتاب "تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك" للماوردي ليصل الى خلاصات منها أن "المدينة لا تقوم إلا باجتماع جملة شروط وابرزها القاضي والجامع والسوق والنهر والحمام. وتحدث الماوردي عن ثمانية شروط الماء - تقدير الطرق والشوارع - الجامع للصلوات في وسط المصر - تقدير الاسواق بحسب الكفاية - تميز خطط اهله وقبائله ولا يجمع بين أضداد متنافرين - أن يسكن الملك في افسح اطرافه ويجعل وسطه لعوام اهله - السور - العلوم الصنائع".

ومن الواضح كما يقول "أن الرقابة كانت بأيدي المحتسب حسب ما توحي به اعمال الفقهاء وخصوصا في رسائلهم الخاصة بالحسبة. فهو الذي يراقب الأسواق والمساجد والحمامات ويزور المقابر والسجون ويمنع ما يحدث من المنكرات على ضفاف الانهار إلا أن أمكنة اخرى تبقى بمنأى عن رقابته اختص شخص آخر بشؤونها وهو صاحب الشرطة الذي يعرف ايضا باسم صاحب العسس وعرف في الاندلس والمغرب باسم الحاكم وعرف في مصر المملوكية باسم الوالي".

ويستخلص زيادة من المواد الكثيرة التي استند اليها اننا "نستطيع أن نضع حدا بين سلطتين تتنازعان المدينة.. سلطة الشرع ممثلة بالقاضي والمحتسب من جهة وسلطة السياسة حسب تعبير ابن خلدون ممثلة بالحاكم وصاحب الشرطة".

وتحت عنوان "المدينة الاسلامية - الخسيس والنفيس" قال الدكتور زيادة "انقسام سكان المدينة الإسلامية الى اغنياء وفقراء كان أمرا قائما تعكسه الأدبيات المرتبطة بالمدن الإسلامية. ويمكننا أن نعزل هذا الانقسام عن كل تمييز عرقي أو ديني. فلا العنصر أو العرق كان مدخلا الى الغنى ولا الدين كان مدخلا الى الفقر. ولا شك في أن إشكالية الفقر والغنى ترتبط بشكل اساسي بمستويات الدخل الفردي ونوع المعاش. إلا أن التفاوت في المداخيل واختلاف المعاش لا يكفيان للاحاطة بذلك التمييز الذي يقسم سكان المدينة الإسلامية الى فئات دنيا".

وزاد على ذلك قوله اننا من جهة أخرى "يمكننا أن نلاحظ أن الغنى ليس الشرط الملازم للارتقاء الى مستوى الفئات العليا. لا شك بان التجار كانوا من الفئات المنظورة والمعتبرة والتي يرتبط وضعها بالغنى وتكديس الثروة إلا أنه يجب أن نترك حيزا واسعا لنوعين من الفئات تلك المرتبطة بالسلطة والحاكم والأخرى المرتبطة بالوظائف وتضم فئات دنيا وضيعة محتقرة من دون أن يكون الاحتقار اللاحق بها ناتجا عن فقر بالضرورة".

وفي خلاصة البحث يقول زياد إن بحثه هو محاولة في مقاربة مسألة الفساد والاصلاح "في التجربة التاريخية الإسلامية - العربية".

وقد ابتكر الفقهاء وظيفة الاحتساب أي الرقابة على الأسواق وسعوا الى توسيع الرقابة عن طريق اعطاء المحتسب صلاحيات واسعة لمنع كل فساد بما في ذلك مجالس القضاة.

وأضاف "لكن وظيفة الاحتساب لم تتحول الى مؤسسة رقابة إلا حين تعلق الأمر بالكسبة والصناع والحرفيين والنساء والذميين. فمراقبة مجالس القضاة اكتفت بالشكل من دون التفتيش على أحكام القضاة ومدى مطابقتها لشروط العدل ولم يستطع الفقهاء أن ينشئوا نظاما للعقوبات فتركوا تقدير ذلك الى المحتسب نفسه الذي كان يطلب منه تأنيب المرتكب أو زجره.

وحال الفقهاء دون جعل الاحتساب مؤسسة حصرية للرقابة حين اطلقوا مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وجعلوا من كل مسلم محتسبا ورجحوا الجوانب الاخلاقية والمبدئية على حساب انشاء نظام متكامل للرقابة.

واذا كان النظام المعرفي الفقهي قد حافظ على تقاليده واستقلاله فان جهاز الفقهاء لم يتحول الى مؤسسة مستقلة. وكان تعيين القضاة بيد السلطان وطالما تعرض هؤلاء القضاة الى ضغوط السلطة الحاكمة من أجل تسويغ الضرائب وارتكابات لا تتفق مع القواعد الفقهية".

التعليق