"خارج التغطية": دراما تلفزيونية سورية على شريط سينمائي

تم نشره في الاثنين 24 كانون الأول / ديسمبر 2007. 09:00 صباحاً

 

دمشق- يعد المخرج عبد اللطيف عبد الحميد أكثر مخرجي السينما السورية حظوةً ودلالاً بالنسبة إلى الجهة الوحيدة المنتجة للسينما حاليا في سورية، وهي المؤسسة العامة للسينما التي تتبع إداريا لوزارة الثقافة السورية، ليس لأنه الأوفر فرصاً في عدد الأفلام التي قام بإخراجها قياساً لأبناء جيله، ولا لأنه أيضاً الذي لم يعان أية مشكلة رقابية أو إنتاجية في إنتاج أفلامه مع الجهة المنتجة كما حدث مع مجايليه من مخرجي السينما السورية، ولكن لأنه استطاع أن يقنع مؤسسة السينما السورية بإنتاج السيناريوهات التي كتبها سينمائيا، والتي لم تكن لتحظى لولا الدلال والرعاية اللذين يتمتع بهما بأكثر من فرصة في الإنتاج كسهرات تلفزيونية لا أكثر، سواء بسبب أحداثها البسيطة إلى حد السذاجة أحياناً التي يشبه بناؤها الدرامي أسلوب الحكاية الشفوية أو النكتة، من دون أن يرقى حتى إلى مستوى بناء الحدث القصصي المبني فنيا، أو لصورتها المسطحة الخالية من أي عمق أو دلالات أو تعبيرات تساهم في إغناء الحدث الذي يجري أمام المشاهد على الشاشة.

والإنصاف يقتضي أن أقول بأن فيلمي عبد اللطيف عبد الحميد(ليالي ابن آوى) و(رسائل شفهية) حظيا بترحيب نقدي وجماهيري إبان عرضهما كونهما قدما نكهة جديدة ومختلفة في السينما السورية، أولاً لأنهما صورا بحال من الحب والفهم بيئة خاصة من الريف السوري شبه مجهولة بالنسبة لمشاهد السينما، وثانياً لأنهما قدما أحداثهما بطرافة جديدة ومختلفة عن كوميديا المدينة التي اعتاد عليها المشاهد السوري، ولكن عبد الحميد وتمرداً على تأطيره كمخرج للكوميديا الريفية، وفي محاولة لمجاراة المستوى الجمالي والفني والفكري لأعمال زملائه المخرجين الأبرز في السينما السورية محمد ملص وسمير ذكرى وأسامة محمد، حاول تقديم أعمال "مثقفاتية" خارج البيئة الريفية التي يعرف تفاصيلها جيداً، فضيّع تلقائيته التي ظهرت في فيلميه، وتحولت بساطته إلى سذاجة فنية وفكرية في تعامله مع المواضيع الجديدة التي طرقها، وفيلم (خارج التغطية) يكاد يكون نموذجاً متكاملاً لمرحلته الجديدة.

في(خارج التغطية) يحكي عبد اللطيف عبد الحميد قصة صداقة بين شخصين أحدهما سجين سياسي، والآخر حر يقوم على خدمة زوجة الصديق السجين وابنته، مقسماً وقته وجهده بينهما وبين زوجته وابنه، ومع الوقت والعشرة تتطور علاقة الوفاء للصداقة بين عامر (يؤدي الدور الممثل السوري فايز قزق) وزوجة الصديق السجين(تجسدها الممثلة الأردنية صبا مبارك) إلى حب يغلف توقاً جسديا لتنتهي بعلاقة، وتتحول علاقة المؤازرة والتعاطف بين زوجة عامر (تجسدها الممثلة السورية فدوى سليمان) وزوجة الصديق السجين إلى غيرة وكراهية ومحاولة للاستعانة بمعارف وأصدقاء للإفراج عن صديق زوجها السجين، الأمر الذي يدفع بزوجها عامر بعد نجاح مساعي زوجته وعند سماعه بنبأ الإفراج عن صديقه، ورغبة منه بالحفاظ على علاقته المحرّمة بزوجة هذا الصديق، إلى الشروع في كتابة تقرير للمخابرات كي تحتفظ بصديقه في سجونها.

مشكلة عبد اللطيف عبد الحميد الأساسية والأولى هي في تعامله مع حال السجن السياسي باعتباره حالا طبيعية، ومن دون إشارة أو حتى امتعاض إن لم أقل إدانة للسجن، باستثناء بعض مشاهد التوسط لزيارة السجن أو للإفراج عن السجين والتي تليق بمسلسل تلفزيوني مثل (مرايا) أو (بقعة ضوء) أكثر مما تليق بفيلم سينمائي، أما مشكلته الثانية فتكمن في معالجة هذه العلاقة الثلاثية المعقدة والإنسانية، عبر تصويرها من زاوية الحرمان الذي يحرّك الشخصيات الثلاث، وإغفال الألم الإنساني الذي خلق هذه الحال المأساوية، التي يتحول فيها الصديق إلى شريك للجلاد في معاقبة صديقه السجين، وتتحول فيها الصديقة وزوجة الصديق من راغبة في إطلاق صديق زوجها لأن الحرية حقه، إلى مستميتة لإطلاق سراحه باعتبار حريته نوعاً من العقاب لزوجها ولزوجة الصديق السجين معاً، فرؤية

عبد الحميد للعلاقة الملتبسة بين شخصيات فيلمه المعزولة عن أسبابها العامة تستدعي بالضرورة حكماً أخلاقيا عليها، وإدانة للشخصيات وسلوكها لا للظروف التي أجبرت هذه الشخصيات على إظهار أنانيتها وشرورها، أما المشكلة الثالثة التي تعاني منها معالجة عبد اللطيف عبد الحميد لموضوعه الشائك فتكمن في إطلاقه نوعاً من التعميم على زوجات المعتقلين السياسيين باعتبارهن نساء محرومات.

أما على مستوى الصورة ففيلم(خارج التغطية) أقرب إلى المشهدية التلفزيونية الخالية من أي عمق أو دلالات في خلفية حركة الممثل وحواره، والتي استعاض عنها عبد الحميد بمواقع تصوير على قدر كبير من الجمال الساكن، وباستثناء زوايا التصوير التي اختيرت بعناية لإبراز مفاتن زوجة السجين وإضفاء جمال على مشاهدها على عكس مشاهد الزوجة التي ظهرت في حال من البشاعة، لم تضف كاميرا مدير التصوير الإسباني إلزو روك لصورة عبد اللطيف عبد الحميد ومشاهده الطريفة والمألوفة في أفلامه السابقة جديداً على مستوى التعبير البصري.

أخيراً خروج فيلم(خارج التغطية) من مهرجان دبي وقبله من مهرجان القاهرة من دون جوائز لم يثر أي امتعاض لدى أي من مشاهديه، والجائزة البرونزية التي حصل عليها في مهرجان دمشق ليست أكثر من جائزة ترضية لفيلم سوري في مهرجان سوري، وهي في أفضل الأحوال نوع من رد الجميل للدولة التي استضافت المهرجان.

التعليق