حيدر محمود يحاور روح المتنبي ويجنح للرمز معلنا أنه "أمير صعاليك هذا الزمان"

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2007. 10:00 صباحاً
  • حيدر محمود يحاور روح المتنبي ويجنح للرمز معلنا أنه "أمير صعاليك هذا الزمان"

في أمسية شعرية نظمتها له اللجنة الثقافية في "آداب" الجامعة الأردنية

 

محمد جميل خضر

عمان- يختار في الأمسية الشعرية التي نظمتها له مساء أول من أمس اللجنة الثقافية في كلية آداب الجامعة الأردنية، منطقة الروح.

ويمضي الشاعر حيدر محمود في الأمسية التي رعاها رئيس الجامعة د. خالد الكركي وحضرها نوابه وعمداء بعض الكليات وجمهور من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والصحافيين والمهتمين، في رحلة خارج الزمان والمكان، مجالها المطلق، وعنوانها إقامة حوار محمل بالمعاني والإشارات بينه وبين المتنبي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والشنفرى وأحمد بن الحسين الجُعفي وعرار.

وبعد تقديم لائق من رئيس اللجنة الثقافية في كلية الآداب د. سمير قطامي، استعرض خلاله خصوصية علاقة محمود بالجامعة الأم منذ نشيدها "المنى عندنا لونها أخضر/ باسم أردننا اسمها يكبر" وحتى كل حجر ووعد وزاوية فيها، وتطرق فيها لأهمية الشاعر محليا وعربيا ومر على مفاصل مهمة من تجربته الممتدة، تقدم محمود للمنصة ليعيد التأكيد على خصوصية علاقته بالجامعة الأردنية، وهي الخصوصية التي ذكر أنه بسببها لن يقدم أمسية تقليدية.

وعلى غير عادته أسهب صاحب "شجر الدفلى على النهر يغني" في المقدمة الكلامية التوضيحية التي سبقت إلقاءه الشعر وإبحاره في تقاسيمه وصوره وقوافيه.

واستهل صاحب "يمر هذا الليل" بقصيدة "تقاسيم شوقية في كرمة ابن هانئ" التي كتبها في الذكرى (75) لرحيل أمير الشعراء أحمد شوقي وألقاها أول مرة في الاحتفالية التي أقيمت لشوقي من قبل المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة:

"يا أمير الشعراء..

لم تزل حيا.. ومن قال يموت الشهداءْ؟!

بل يغيبون عن الناس قليلا

ويعودون قناديل ضياءْ"

إلى أن يقول:

"نحن في "الحضرة" يا مولاي

فلتذهب بنا "الحال" إلى حيث تشاءْ!

"وقَفَ الخلق" هنا.. عند "سلو قلبي"

فصاح السحر: رفقا بي

من السحر، ومن هذا البهاءْ!"

وفي قصيدته الاعتذارية لشاعر الأردن عرار (مصطفى وهبي التل)، يحاول صاحب ديوان "المنازلة" تبرير هروب الشعراء من مسؤولياتهم في مواجهة واقعهم وكشفه شعرا واحتراقا:

"سأجنح للرمز.. كي لا يؤاخذني أحد من ذوي الشأن

أو يعتب السادة المشرفون على المهرجانْ!

فحسبي الذي كان من وجع القلب لمّا تأبطت شرّي

وأعلنت أني أمير صعاليك هذا الزمانْ!

سأجنح للرمز.. بالرغم من أنني ممعن في الوضوح

وأكره شعر الغموض الذي ليس يفهمه أحد..

والكلام الذي يشبه "الهذيانْ"!

سأكتب عن "عسل النحل"، بل سأكتب عن "غزل النمل"

أو ربما عن "عيون المها" أو "رموش الهجان"!

سأكتب عن عالم لا يحاسب فيه على نبضه القلبُ

لا تسأل الروح: أين تروح إذا طلعت..

وإذا نزلت لا يصادرها "فرمانْ"!

وأعرف أن عرارا سيغضب حين يرى أنني أتهرب

من أنْ أسمي "الأمور" بأسمائها..

وسيضرب كفا بكف.. ويعجب: كيف انتهى الشعراءُ

إلى الاقتناع بربط "حزام الأمانْ"!".

ويصل غضب الشاعر في القصيدة ذروته وكذلك اعتداده بنفسه وشعره في المقاطع الأخيرة منها:

"ها أنا: جمرةً جمرةً أستعيد الحريق من الماء

والماء ملء فمي.. وهو منذ  اكتشاف دمي ما يزال

يراودني عن دمي، ويراودني الليل عن حلمي..

فطل أيها الليل، أو لا تطل.. فسيظل يضيء الدجى ألمي..

سيظل.. يضئ الدجى قلمي!".

ووصولا إلى الشنفرى عبر رحلته المكوكية داخل آفاق المطلق، يقول في حضرته:

"في الأرض متسع، وهذا الجرح يحملني

إلى دفء الحقيقةْ..

ويعيد تكويني على مَهَلٍ، يرد إليّ لون النار

واللغة العتيقةْ!".

ومع أبو الطيب المتنبي (أحمد بن الحسين الجُعفي الكندي الكوفي)، يمضي صاحب "عباءات الفرح الأخضر" وقتا خاصا جدا ومختلفا:

"في البدءِ كان النهر، واللغة التي اختصرت تفاصيل الكلامْ

والزعتر البرّي، والدفلى

وقلبي شرفة أولى لهدهدة الحمامْ

ودمي يمارس طقسه في الماء..

وهل يدري الغمام بأن هذا الماء

ليس من الغمامْ!

بل إنه وجعي المسافر فيّ: من رئتي إلى رئتي

وهذا المعبر الشوكي، بين الزعتر البري والدفلى

يقاسمني تفاصيل العِظام!

يا نهر أقرِؤك السلامْ".

وفي نهاية جولته التي اشتملت إلى ذلك على حوار مع تأبط شرا ورفاقه من صعاليك العرب، يختم صاحب "لائيات الحطب" بقصيدة وجدانية رقيقة لعله أراد عبرها أن يخفف من وجع ما حملته قصائده الأخرى للأمسية التي أقيمت في سياق النشاطات الأسبوعية للجنة الثقافية في كلية الآداب، وقرأ بما يشبه الترانيم "تهويمة صوفية":

"أجلْ منها، وإن صدّوك عنها

ولو خان الجميع، فلا تخنها!

لقد صانت هواك، فصن هواها

وعانقها بروحك واحتضنها

هي اسمك، وهي رسمك منذ كانت

وكنت.. فمثلما كانتكَ كنها

يحس بنارك الحسّاد لكن

يحيّرهم بأنك لم تبنها!

لكانَ وشى بك الواشون لولا

غيابك –حاضرا فيها- وعنها

فأبعدْ عينها عن كل عينٍ

فإن ضياء عينك من لدنها

وحاذر أن تبوح بأيّ حرفٍ

فمنك تغار أحرفها.. ومنها!!".

التعليق