التكافل في رمضان والأعياد

تم نشره في الخميس 11 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 09:00 صباحاً

 

خوله فريز النوباني

وداع رمضان فيه الكثير من المعاني،ومظلة التكافل التي تسعى المناسبات الدينية الإسلامية لتحقيقها باتت هذا العام أكثر وضوحا ونشاطا،إذ تميزت بدور نسائي أسهم في تحريك العاطفة باتجاه العطاء، ولهن أيضا دور فاعل في تحريك عجلة الاقتصاد بشكل مؤثر في اتجاهات عدة، إن هن تمتعن بمهارات استغلال الوقت بالشكل الأمثل،وساهمن ببلورة حالة العطاء التي تصل بنا إلى حال التكافل.

معظم الأسر تتحكم في ميزانيتها النساء بل وتوجهها لغايات توفير التزامات المنزل والأولاد، ومهما قل المبلغ المرصود ومهما زادت الالتزامات فإن مفهوم التكافل ان كان واضحا في ذهن المرأة تمكنت من خلال وعيها بدورها من ترك بصمة على صعيد الأسر المحتاجة، ولو كان هذا التفاعل من خلال عمل تطوعي تقوم به أو بمبلغ قليل،ونحن اليوم نبحث عن القليل ولا نستهين به حتى نُحدث فرقا في حياة أناس قد لا نجاورهم ولا نعيش معهم،ولكن نحس بهم ونشعر بمعاناتهم بالإضافة إلى أن التكافل في معتقد المسلمين هو عقيدة يُسأل عنها الأقرباء والأهل والجيران وصولا إلى مجتمع متكاتف متعاون.

ان وضوح الصورة التكافلية الرمضانية المشرقة التي رسمها المجتمع بكل فئاته من القيادة إلى القاعدة، بالرغم من أن جيوب الفقر لا تزال تئن تحت وطأة الغلاء، وزيادة الالتزامات مهما حاولت الأسر تقليصها واختصار الكثير من قائمة المتطلبات الأسرية الضرورية، إلا أن الأمر يبدو ناصعا ومتفائلا بالعطاء والبذل، سمعنا عبر الإذاعات ومنها اذاعة حياة والتي تبث من الأردن كيف أن المجتمع لا زال بخير إلا أن الناس ينقصهم التذكير، ومن كان معه القليل ولو كان قليلا شعر بلذة البذل عبر جو ايماني حماسي.

ان التوجيه المنظم لهذه العطايا والصدقات والزكوات يحقق الغايات الكبرى التي ينشدها المجتمع من خلال ما بذله أصحاب الوعي والالتزام فيه، وحبذا لو استمرت وسائل الإعلام بمتابعة انجازات حققها المجتمع المعطي دون أن يراها، وذلك من خلال متابعة تقديم نماذج انسانية تحولت من الأخذ إلى البذل، وكان العطاء منعطف تحويلي في مسار حياتهم، ليت التخطيط يرافق العمل ليشعر الناس بأن العطاء الصادق المتجرد لله يؤتي أُكُله إن كان مجتمِعا بشكل أفضل وأكثر فاعلية من العطايا الفردية التي ينقصها التجميع والتنظيم، بالرغم من أننا لا نقلل من شأنها.

إن للمؤسسات الخيرية دورا في تحقيق هذه النقلات النوعية إن وثقنا بجهة محددة كانت محل جمع لما يبذله المسلمون –على غرار بيت المال – ثم تبينا المصارف التي تصب فيها هذه الأموال لصالح فئات محددة وبشفافية عالية، إنه وبالرغم من أن الأعمال كلها والمؤسسات الخيرية في جلّها مقصدها الخير إلا أن الأمر من الواجب أن يتجاوز العشوائية وينتقل الى مرحلة التنظيم المنسجم مع السياسات التنموية المدروسة للدولة ككل وللمناطق كل على حدة، وذلك لنلمس آثاره على المجتمع بأسره.

إن تَعذّر تجميع هذه الأموال لدى هيئة واحدة مستقلة فمن الواجب أن تكون كل هيئة معنية بمنطقة محددة، بحيث تقوم بجولات ميدانية ومسوحات وبكل نزاهة وشفافية،وضمن معايير واضحة تتخذ من الهدي القرآني والنبوي نبراسا لها ثم تبدأ بدراسة كل حالة على حدة، والتفكير بجدية أكبر لتحويل هذه الحالة من حالة العجز إلى حالة العطاء،ومن الاتكال على الصدقات إلى العمل المنتج.

لقد أمّن الإسلام للعامل الأدوات، وشجّع المسلم ذا اليد الطولى بمعنى القادرة على الكسب والعمل، ونبذ الكسل والتكاسل وجَعل التكافل عقيدة إذ المسلمون كالجسد الواحد، وتحقيق هذه الصورة المشرقة يتطلب جهدا كبيرا. لا يرتبط بشهر بعينه بالرغم من خصوصية الأجر في شهر رمضان المبارك، لذلك فإن هذه النظرة الشمولية والأهداف المركزة بحسب الحالات واحتياجاتها تتطلب جهدا أكثر واقعية من المؤسسات الخيرية، والتي تستقبل هذه التبرعات تحديدا في شهر رمضان الفضيل، وبتفاوت في الأشهر الأخرى إذ على هذه المؤسسات أن تسعى لتبادل المعلومات ولتوسيع دائرة العطاء بالإضافة للعمل على تغيير المجتمع للأفضل، وتعديل نسب الفقر فيه من خلال السعي لتحفيز الأسر الفقيرة على العمل المنتج، وهذا بلا شك جهد كبير يستحق الوقوف عنده من أجل تحقيق انجازات فعلية لا مجرد تسكين أوجاع مؤقتة.

إن فرحة العيد تكتمل باستشراف مستقبل مشرق، وبمزيد من الشفافية لهذه المؤسسات الخيرية، وتفعيل معنى العطاء الذي يزداد حين يلمس الباذل أثرا أبعد من مجرد تسليم واستلام، والتزام بفريضة أو نافلة من زكاة أو صدقة.

لقد فُرضت الزكاة والصدقات لحكم عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر تزكية النفس والشعور بأوجاع الآخرين والمساهمة في مداواتها، يقول تعالى في أسباب دخول النار: " (ما سلككم في صقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين). وقال عليه الصلاة والسلام في خطبة له:يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا وَصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا)، لذلك فليهنأ كل من بذل بعيد يستحقه الفقير والغني على السواء وليحذو حذوه كل من يؤمن بأن ما في يده هو مال الله تعالى ولله فيه حق. 

التعليق