آراء تعاين "حروفية" الشاعر أديب كمال الدين وتجلياتها مع الجانب الصوفي في صياغة المعنى

تم نشره في الخميس 11 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 10:00 صباحاً
  • آراء تعاين "حروفية" الشاعر أديب كمال الدين وتجلياتها مع الجانب الصوفي في صياغة المعنى

في كتاب صدر أخيرا عن المؤسسة العربية للدراسات في بيروت

 

عمان- الغد- يضم كتاب "الحروفي" الذي أعده وقدم له د. مقداد رحيم وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر أخيرا باقة من الجهود النقدية التي تضافرت لتشكل أنموذجا نقديا يمكن أن يحتذى, فيصار الى تفريع اتجاهات نقدية جديدة تأخذ على عاتقها بلورة الرؤى حول التجارب الابداعية  ليس في مجال الشعر وحده, بل يمكن أن تعمم لتشمل الفنون الابداعية كلها, كتابة ورسما ونحتا وسماعا.

وتشير هذه الجهود النقدية الى أن الشاعر العراقي أديب كمال الدين اختط لنفسه طريقا عسيرة تتماشى عسرتها وما في هذه الحياة من تعقيدات وإشكاليات تتجلى عبرها أصناف لا عد لها من المحن والكوارث التي ليس للبشر قبل بتحملها، حيث رأى الشاعر أن النظر اليها بالطرق المعهودة لا نفع فيه وهو ينشد الطرافة وابتداع الوسائل الكفيلة بالتغيير الذي هو سمة الحياة في كل زمان ومكان.

وتؤكد بعض هذه الجهود النقدية على خصوصية الشاعر أديب كمال الدين الذي بدا وكأنه يعمل من أجل حروفيته بإخلاص وحب شديدين منذ زمن ليس باليسير فأخذ يغذيها بكل ما استطاع من قوة استجمعها خلال حياته كلها من مفردات التعلم والثقافة والتجارب, ولم يبخل عليها بالسهر والتجريب, حتى شكلت ظاهرة في الشعر العربي الحديث,

ويحتوي كتاب "الحروفي" على ثلاث وثلاثين ورقة نقدية احاطت بتجربة الشاعر وتوزعت على ثمانية فصول.

وتناول الفصل الأول "التجربة الحروفية" بشكل عام, بينما توزعت الفصول الستة التالية على مجاميع الشاعر الشعرية "ما قبل الحرف... ما بعد النقطة" و"حاء" و"النقطة" و"اخبر المعنى" و"نون" و"جيم" بينما اشتمل الفصل الثامن الأخير على آراء متفرقة لبعض النقاد حول الشاعر وشعره.

ففي اطار "التجربة الحروفية" يرى الدكتور ناظم عودة أن النقطة بوصفها رمزا تختلف ما بين الحلاج وأديب كمال الدين, لأن الحلاج يمتلك تجربة صوفية تتمثل في سلوكه الروحي بخاصة, وفي كلامه بعامة, في حين أن أديب كمال الدين لا يمتلك تجربة صوفية شعرية, فهو يستعير من التجربة رموزها وهنا ثمة فرق بين طبيعة النقطة ووظيفتها عند كل من الحلاج وأديب كمال الدين. الأول: يدخلها في حيزه اللساني والحدسي, لتكون علامة وموضوعا في آن, والثاني: يدخلها في حيزه اللساني لكنه لا يستطيع ان يموضعها في مجاله الحدسي, فهي تتشتت بين نوازع وجدانية مختلفة.

بينما يرى الدكتور مصطفى الكيلاني أن رجوع الشاعر الى أصل اللغة محاولة جريئة لا تخلو من أخطار لاستقراء جينالوجيا المعنى في تاريخه الأول الكامن في راهن الكلمة وسعيه الى انشاء مستقبل لماضٍ انتج قيمة لكائن استطاع أن يحول الأشياء الى رموز دالة بذاتها في حضور التكلم وفي الغياب, وفرار من رعب اللحظة حيث فراغ الامتلاء الكاذب وفوضى النظام المستبد وتخبط الفرد في الفراغ.

ويعد الناقد علي الفواز هذه التجربة هاجسا من طراز خاص للمغامرة, ورغبة كامنة في كشف خطابه الشعري على نوع من الاباحة في التصريح والمفارقة الشاقة بين محموله اللغوي ولعبته الرمزية, التي عمد فيها الى تداول الحرف كمجس لحركة الرؤيا, بحثا عن اصل اللذة وتمثلها في المجال الرمزي, من خلال تعدد صور الخلق في البنية النصية للغة والجسد والدين والاسطورة.

ويشير الفواز الى حرص الشاعر على تشكيل علاقة بنائية في هذا المجال, يستحضر فيها الكثير من الثنائيات التي تجعل لعبته الشعرية مجذوبة الى الاستغراق في عملية تقابل وترميز متوالية, ولعبة توليد لا يجف فيها المعنى عن انتاج صوره ودلالاته, وهذا التمثل الشعري يجد له نسقا ووظيفة هما فضاؤه الاستعاري الذي يشكل فيه هاجسه في المغامرة, مثلما هو مجاله (الكنائي) الذي يعيد فيه استعادة لشعوره وبواطنه الداخلية, ليس بمواجهة المجال الاستعاري لجملته الشعرية, بقدر ما هو محالة لتشكيل نصوص موازية في نثريتها تحيل دائما الى الاشارة والتأويل وطقس اللذة وروح الجسد المتمظهر بقوة الخصب.

ويبين الفواز أن الشاعر هنا يتعامل بحساسية فائقة مع دلالات الحرف وشرفته اللغوية, باعتبارها المادة الحية التي تحيل الشاعر الى العالم الخارجي وهو يبادل ادواره في المعنى أو الصورة.

ويلفت الفواز الى أن الشاعر هنا يجد نفسه دائما في فضاء من الدلالات التي تمارس لعبتها في تفكيك بنية الجملة الشعرية الصورية الى بنيات ثانوية, يمتزج فيها الهاجس الصوتي مع التشكيل الصوري لينسجا تشكيلا اشبه بتشكيلات الحروفيين في الرسم, إذ يكتسب الحرف الايقوني والحرف الموصول مع اللون والكتلة صفات حسية وذهنية, مثلما يحيل نفسه الى بنية صوتية هي في جوهرها النداء الخفي الذي يلامس المعنى والروح.

أما وديع العبيدي فيرى أن هذه التجربة هي تعبير عن العجز عن تغيير الواقع أو حرف مسيرة الدمار ورفض التسليم بمنطق الشر.

ويشير الى أن هذا العجز دفع الشاعر الى ايمان منقطع بالكلمة "اقرر ان ابعث كلماتي حتى يعتدل العالم (مجموعة اخبار المعنى)".

ويتناول الفصل الثاني من هذا الكتاب آراء النقاد في تجربة الشاعر في مجموعته الشعرية "ما قبل الحرف.... ما بعد النقطة", ويستهله الدكتور عبد الاله الصائغ بدراسة معمقة يشير فيها الى قدرة الشاعر أديب كمال الدين على خلق شعريته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة, حتى أنسن الحرف وأنسن النقطة! وصار الحرف لا يقرأ حرفا خالصا كما يراه الآخرون, وانما يقرأ الحرف كما يراه الشاعر! وليس ثمة سوى التشفير احيانا, والتماهي مع حروف أخرى.

وقد رأى الدكتور حاتم الصكر في تجربة الشاعر أديب كمال الدين الحروفية مراجعة تدرجت وتطورت من البدايات, حيث الانبهار بفكرة استضافة القيم الحروفية, وإنشاء ما يشبه "الميتانص" الأبجدي الذي يراقب فيه الشاعر وجود الحروف وهيآتها التركيبية في الكلمات والجمل منشغلا بذلك عن معانيها ودلالاتها وما يمكن ان توصله أو تحمله من صور وأخيلة, ليستطيع من بعد تفجير طاقاتها الجمالية الصورية والتعبيرية مع اقتراض فرضيات صوفية اشراقية غالبا حول وجود الحرف في القصيدة والروحانية التي نظر بها الصوفيون للحرف والنقطة, لا سيما في المفاهيم الحلولية, حيث يشبه الصوفيون المخلوقات بالنقط الممتدة من أو المنبثقة عن النقطة الأولى أي الخلاق الذي فاضت عنه وامتدت في خط الوجود الذي هو عبارة عن مجموعة نقاط, اذا فصلت ايا منها فلا يعني ذلك انقطاعها عن النقطة الاولى, بل هي لا تمتلك وجودا منفصلا خارج هذا الوجود الخطي الذي تظل تهفو للعودة اليه والاتحاد به, كما تحن القطرة لبحرها الذي تبخرت من مائه.

وقد حاول الناقد الدكتور مصطفى الكيلاني أن يقدم عملا نقديا جادا من خلال تحليل مستفيض لتجربة الشاعر في هذه المجموعة, وأدار عمله حول عدة محاور تراوحت بين المشترك بين طفولة الحرف وطفولة الاسم بين الصوت والصمت, وسرد الحال وشاعرية الحدث, وموضوع الرثاء المتقرر قبل الولادة, وتخوم القصيدة لوعي الموت, وشهوة التجريب والرغبة في البوح, وتصادم الالفاظ وتداخل الحروف, والوعي بين الراهن والاستذكار, والموت بوصفه اسما لمسميات شتى, والكسر العميق في تجربة الكتابة الشعرية, والانعتاق المؤقت من سجن الوضعية بالكتابة والسفر, والموت بوصفه يأسا قادرا على انجاب أمل, وأخيرا: ما تحقق بالفعل من "حروفية الشعر".

ثم يكتب عيسى حسن الياسري عن تجربة الشاعر في هذه المجموعة, فيؤكد اخلاصه لتجربته وملازمته لها كأي قديس لا يقدر أن يبارح صومعته تحت أكثر الفصول شراسة, فهو الذي بنى هذا التقارب الروحي بينه وبينها, الى الحد الذي جعل مغادرة مكانها أو زمنها عملية عسيرة تشبه انفصال الروح عن الجسد, ومن هنا تحولت حروف الشاعر الى كنز من الأساطير والرؤى والأحلام لمواجهة فيالق الزمن وقراصنته البارعين في القتل, وتدمير أغنية الحياة التي يحاول الشاعر أن يمسك بها حيث تعيد للإنسان ثقته بالحياة وبالعالم.

أما عبدالرزاق الربيعي فيعمق النظر في تجربة الشاعر في هذه المجموعة فيتناولها من زاوية استخدامه للون.

ويرى أن للشاعر صلة قربى بالفنان التشكيلي من هذه الناحية غير أن هذه القربى عمقت نصوصه وأغنتها وجعلت اللون فيها ملمحا جماليا من ملامحها, ويرى أن لكل لون من الألوان خصوصيته في الدلالة, وان لكل حالة لونها, ولكل مقام مقال لوني يعكس نظرة الشاعر للعالم والوجود, فتستحيل ألوانه الى مرايا عاكسة لذاته وتبدلاتها من الفرح الى الحزن, ومن العشق والوله الى اللامبالاة ومن الوطن الى المنفى, وهكذا.

ويقف خليل ابراهيم المشايخي على قدرة الشاعر على الترميز من خلال الحرف العربي لاستكناه سر الحرف العربي وسحريته ومدياته الدلالية, وهي احدى الطرق الخلاقة لكتابة نص مفعم بالمشاعر والاحاسيس,

أما الناقد زهير الجبوري فيرى أن الحرف احيانا لا يحمل قيمة دلالية فحسب, بل يستخدمه الشاعر كعنصر له خصوصيته لتكون مهمته وظيفية, ولذلك قد تتلاقح أدوات اللغة وحروفها تناظرا لخلق الرؤيا الشعرية, وليس الحرف جزءا لا يتجزأ من منظومة اللغة, الحرف صفة رمزية, شكل لسحب المعنى.

ويختتم صباح الانباري الحديث عن هذه المجموعة فيؤكد أن الحروف والنقاط هي امتياز أديب كمال الدين وتفرده وواسطته للارتقاء الى عالمية الشعر, والغور في ملكوته المقدس, فعلى الرغم من حروفية قصائده, فإنها تهتم بالمعنى وتستقرئ قيم الحياة الإنسانية ونفاذها الى جوهر الوجود.

التعليق