تدبروا القرآن

تم نشره في الخميس 4 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 10:00 صباحاً

نفحات رمضانية (13)

 

د. محمد شكور امرير

عرفنا في حلقة سابقة شيئاً من علاقة الصوم بتلاوة القرآن الكريم، فهو شهر القرآن إلى جانب كونه شهر الصوم، وعرفنا بعضاً من فوائد تلاوته، وأجر وثواب تاليه، واليوم وفي هذه الحلقة نحاول أن نظهر صوراً من تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع القرآن الكريم.

الصورة الأولى: الحرص على التلقي، وترداده ليرسخ في ذاكرته، فيكون من محفوظه، وقد ذكر ذلك ربنا في كتابه الكريم فقال: " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه" (القيامة: 16-19).

كما قال في سورة طه (الآية: 114): " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً".

وقد دل هذا على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على المحافظة التامة على كتاب الله كي لا يتفلت، فنبه ربنا تبارك وتعالى، على أن حفظه موكول به عز وجل، وعلى الله جمعه وحفظه وبيانه وعليك أيها النبي اتباعه والعمل به، فكان منه ذلك صلى الله عليه وسلم، وحرض المؤمنين على تعاهدهم لهذا القرآن كي لا يتفلت، فقال صلى الله عليه وسلم: "تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده له أشد تفلقا من الإبل في عُقُلِها".

أما الصورة الثانية، والتي تمثل تعهد الحفظ، والتدارس، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الكتاب على جبريل عليه السلام في كل رمضان، فإذا أصبح رسول الله عليه وسلم من الليلة التي يعرض فيها ما يعرض، أصبح وهو أجود من الريح المرسلة، لا يُسأل عن شيء إلا أعطاه، فلما كان في الشهر الذي هلك بعده، عرض عليه عرضتين، وهذا مدعاة للتعايش مع كتاب الله: إيماناً، وعبادة، وأخلاقاً.

وأما الصورة الثالثة للتعامل مع كتاب الله عز وجل: فهي التأثر والخشوع، والتفكر في المآل، ويتمثل ذلك في قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ عليَّ". قلت: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً". قال: "أمسك" فإذا عيناه تذرفان.

قال علماؤنا: بكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيداً، فكان تفكره في حال الكفار يوم القيامة كيف يكونون أمعذبين أم منعمين، فبكى حسرة عليهم، وهو صلى الله عليه وسلم الذي كاد أن يهلك نفسه حسرة على عدم إيمانهم.

وبهذا البكاء، والخوف والرجاء اتصف الأصحاب رضوان الله عليهم جميعاًً، وعلى رأسهم أبو بكر رضي الله عنه، حتى خاف المشركون من استماع أبنائهم ونسائهم لقراءته، فمنعوه من ذلك.

ويقول المقدسي في "مختصر منهاج القاصدين": وينبغي لتالي القرآن أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية فليرددها، فقد روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام الليل بآية يرددها: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" (المائدة: 118). وقام تميم الداري ليلة بآية يرددها، وهي قوله: "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون".

وختاماً ينبغي لتالي القرآن أن يعلم أنه مقصود بخطاب القرآن ووعيده، فيسارع إلى التوبة والإنابة.

drshakor@yahoo.com

محاضر غير متفرغ في الجامعات الأردنية

التعليق