القرآن

تم نشره في الثلاثاء 2 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 10:00 صباحاً

نسائم الشوق (21)

 

تلفح وجوههم النار

 

(تلفح وجوههم النار هم فيها كالحون) المؤمنون

 

النار اسم مخيف.. صور مرعبة.. لقطات مفزعة فهي.. تحرق..تأكل..تؤكل.. تصلي..تتميز من الغيظ..تحطم..تزفر..تشهق..تمس..تغشى..تفتن..تظلل..تسحب..تفور..تسحب..تنزف..تخزي...تكوي...تشوي..تنفح..تلفح..تكلح.. يا لطيف..يارحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أجرنا من النار

 

والنار..وقودها الناس والحجارة..مؤصدة..سقر..جحيم..نزاعة للشوى  ..نار حامية.

 

تلظى....تستعر..ذات لهب.. وماء حميم و...و...و..

 

وتلفح وردت مرة واحدة في القرآن الكريم. وإن كنا نقرأ قوله سبحانه: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) الأنبياء، ويبدو أن النار تتقصد الوجوه وتذل المعاطس

 

• (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) آل عمران.

 

• (سرايبلهم من قطران تغشى وجوههم النار) ابراهيم.

 

• (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسأت مرتفقا) الكهف.

 

• (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلاّ ما كنتم تعملون) النمل.

 

• (يوم تقلّب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول) الأحزاب.

 

• (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) الزمر.

 

• (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس صقر) القمر

 

وهي على ترتيب المصحف الشريف: تسود، تغشى، تشوى وإن اسندت إلى الماء، تقلب، تسحب.

 

ومعنى تلفح: تحرق، وتسفع، قال الأصمعي:ما كان من الرياح لفح فهو حر، وما كان من الرياح نفح فهو برد.. وقال الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلا ان اللفح أشد تأثيراً وأبلغ بأساً.

 

(والكلوح) الكاف واللام والحاء أصل يدل على عبوس ودمامة في الوجه، ومن ذلك سنة كلاح، أي: مجدبة، وما أقبح كلحته،أي:إذا كلح فقبح فمه وما حواليه والكالح الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه والكلوح: تشمير الشفةالعليا واسترخاء السفلى وذلك من أثر تقطب أعصاب الوجه عند شدة الألم.

 

وتخصيص الوجوه –باللفح– لأنها أشرف الأعضاء، وهو السر في تقديمهما على الفاعل (وهم فيها كالحون) أي: مشوهون، قبيحو المنظر ومشهد لفح النار للوجوه حتى تكلح، وتشوه هيئتها، ويكدر لونها.. مشهد مؤذ أليم كما ترى الرؤوس المشوية تخرج من التنور..وقد برزت منها الأسنان... وتقلصت فيها الشفتان. عن مالك بن دينار قال: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مر في السوق برأس أخرج من التنور، فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن.

 

اللهم حرم أجسادنا ووجوهنا على النار..سلم يا رب..سلم يا رب..فنحن عباد ضعفاء لا نقوى على نار الدنيا بله نار السعير والجحيم.

 

أحمد الرقب

 

***

 

الهدي النبوي

 

احفظ سرَّ من استودعك إياه

 

عن ثابتٍ، عن أنس رضي الله عنه قال: أتى عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغِلْمان، قال: فسَلَّم علينا، فبعثني إلى حاجَةٍ فأبطأتُ على أُمي، فلما جئتُ قالت: ما حَبَسك؟ قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم  لحاجةٍ. قالت: ما حاجتُه؟ قلت: إنها سِرٌّ. قالت: لا تُحدِّثنَّ بسِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  أَحداً. قال أنس: والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتُك يا ثابتُ". رواه في هذا الحديث من الفوائد:

 

* استحباب السلام على الصبيان كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم التهاون في ذلك استصغاراً لهم، وتحقيراً لشأنهم.

 

* وفيه حُسن تربية الأم لأولادها وتوجيهها لهم إلى معالي الأخلاق ومكارمها وحثهم عليها.

 

* وفيه وجوب حفظ السر إذا عُلم أن صاحبه يكره أن يطَّلع عليه أحد، شريطة أن يكون هذا السر مما ليس فيه تضييع لحق آدمي، أو أن يكون بكتمانه إلحاق الضرر بأحد ما. كما يشترط أن لا يكون في حفظه كتمانٌ لعلم يُنتفع به، والله تعالى أعلم.

 

 عادل مرشد

 

***

 

فقه الصيام 

 

هل يجب قضاء رمضان لمن أفطر بغير عذر؟

 

ج: ذكرت آيات الصيام وجوب القضاء لمن أفطر بعذر إن كان من أهل الصيام، ولم تذكر من أفطر بغير عذر، فهل يعني هذا أن المفطر بغير عذر ليس له قضاء؟

 

ذهب بعض الفقهاء إلى ذلك، وتمسك بعضهم بالحديث: (من أفطر يوماً في رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه) رواه البخاري تعليقاً بصيغة التمريض، ورواه أبو داود والترمذي.

 

ولكن الراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو أن هذا الإنسان مطالب بالتوبة والقضاء لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (دين الله أحق بالقضاء). رواه البخاري، وهذا واجب تعلق بذمته.

 

ويُحمل الحديث الأول على الترهيب والتنفير من الفطر في رمضان والله أعلم.

 

أحمد حوا

 

***

 

قصص  

 

صفحة من ذكريات مُعلم

 

في بلد ما، في زمن، مع معلم ما، حدث كل هذا.

 

يسير بخطى سريعة وعيون زائغة، لا يأبه بالشمس المشرقة التي ترسل أشعّتها بسخاء ولا بالشرفات العتيقة التي تحتضنها مدينة (القباب)، ولا يحس بدفء شوارعها الضيّقة وأزقتها الحنونة، ولا يعير بائع الهريسة بالسمن البلدي أي اهتمام وهو يدفع عربته بين جموع العمال المتكوّمين المحزونين الذين ينتظرون أيّ صاحب عمل وبأيّ أجر ليُهرولوا خلفه.

 

يترك الدوّار ويسير في الشارع العريض المُنسحب نحو الأسفل، وهو يلتفت كثيراً من فوق كتفه كلما سمع هدير حافلة ليقرأ اتجاهها، ولكن سرعان ما تخيب آماله.

 

ينظر في ساعته كثيراً، ويرسل تنهيدة بعد أن تجاوزت العقارب السابعة والنصف، يُتمتم:

 

- “لعنة الله على الشيطان! لقد تأخرت عن المدرسة ”

 

وصل المُجمّع حيث ترتاح الحافلات وتنطلق، دخل في جموع المُنتظرين، طال انتظاره، وضع يده على ذقنه وفمه كما تفعل العجائز عندما تخيب آمالهن في أبنائهن ولا يستطعن فعل شيء، نظر في وجوه من حوله، كلهم مسرورون، هذا يضحك، وهذا يتحدّث، وذلك يقرأ الجريدة، وهذا يحتسي القهوة الساخنة، ينتظرون قليلاً ثم لا يلبثون أن يركبوا في حافلاتهم وينطلقوا، بينما هو ينتظر وينتظر، تتغير الوجوه حوله باستمرار وهو ثابت لا يتغير كثوابت المعادلة الفيزيائية، وإنما يزداد توتر أعصابه، وتتعقد المسائل في ورقته، ويتجهم وجهه أكثر، وتتكاثف الهموم في نفسه كتكاثف الغيوم في الأيام المطيرة ذات الرياح.

 

سأل من حوله بأسى:

 

- "هل فيكم من يريد قرية ( أعشاش الصقور )؟"

 

لم يُجب أحد، قرأ في بعض الوجوه سطوراً من الشفقة، وكم يكره أن يكون محل شفقة أو موقع تندّر! قرأ في بعضها الآخر نظرة احتقار، وسمع بعض الهمسات الضاحكة:

 

- "أعشاش الصقور! مسكين! لماذا لم يختر أعشاش الحمام أو العصافير!"

 

وتنفجر ضحكات تبدأ طبيعية ثم تنتهي مُصطنعة تحاول الاستمرار لأطول مُدة مُمكنة.

 

تساءل في نفسه:

 

- "أعشاش الصقور.. نعم.. أعشاش الصقور.. مالها؟ أو ليست قرية من قرى العرب الطيبة، وبلدة من بلاد المسلمين الحبيبة فيها الطيب والخبيث والصالح والطالح؟!"

 

تجاوزت الساعة الثامنة.. سيتأخر كثيرا.. كان يأمل أن يكون في المدرسة الساعة الثامنة إلا رُبعا ليحضر طابور الصباح، ثم يُقدّم الحصة الأولى، أما الآن فيبدو أن خططه ستتغير جميعها.

 

عند الساعة الثامنة والثلث حضرت الحافلة مُسرعة يعلوها صورة لثلاثة صقور كبيرة، وتذكر المعلم عندما رأى منظر الحافلة المُتداعي صور الحرب العالمية والنازيّين والتجنيد الإجباري.. مدّ المعلم يدا أضناها الانتظار، فرأى السائق ينظر نحوه بلا مبالاة ثم يقف بعيدا عنه، فيمشي باتجاه الحافلة مُطأطئا مُتعثرا هازّا رأسه، فتتحرك يد السائق من النافذة مُشيرة له بالسرعة مع صوت نفير الحافلة الهوائيّ المزعج، فيضطر المسكين للهرولة حتى يبلغ الحافلة ويُسقط نفسه على أقرب مقعد، ويُلقي على السائق تحية السلام، فيرد عليه بصوت ضعيف تحية مبتورة، ينظر المعلم تجاه السائق المُتكوّر على المقعد في جلسة طاووسية:

 

- "لقد تأخرتم علينا، وأنا عندي حصة أولى والقرية قريتكم!"

 

يلتفت السائق نحوه بعيون جاحظة نافرة تكاد تخترقه:

 

- "وأنا ما هي علاقتي؟ لماذا أنت بعظمتك لا تسكن الأعشاش؟"

 

يُجيب المعلم بهدوء ليلطف الجوّ المُكهرب:

 

- "أنا معلم غريب جديد، ولا أعرف أحداً في أعشاش الصقور، وسألت عن غرفة، ووعدوني"

 

يُقاطعه السائق - وهو يُحرك يده مُستهزئاً - ُمكرّراً بصوت خافت بعض كلمات المعلم:

 

- "القرية قريتكم! أهلاً قرية! سألت عن غرفة! بالطبع ستسأل! وما الغريب في الأمر! وعدوني.. وعدوني.. وعدوني".

 

تتحوّل الكلمات في فم السائق إلى لحن وأغنية، فيمتعض المعلم وهو يُشغل نفسه بتأمل المقاعد التي ظهرت عليها آثار الحتّ والتعرية، وفعل الإنسان المُنحرف المُخرّب، وأخذ يقرأ بعض الكلمات الشائهة والجمل المبتورة التي لحقتها الأسماء وتواقيع العاشقين والأقوياء.

 

يصمت المعلم ويصمت السائق ولا شيء سوى الهواء العليل الذي يخترق النوافذ بقوة وهو يحمل عبق التراب ورائحة الأعشاب ودفء الشمس الذهبية.. يُرسل المعلم نظرة من النافذة فلا يرى سوى أراض طيبة مُترامية كالكف تمدّ ذراعيها لاحتضان البذار ورعاية الأشجار، ولكن لا بذار ولا أشجار!

 

الطريق إلى الأعشاش طويلة طويلة.. بعيدة بعيدة.. ولن تقطعها حتى تعتصرك الهموم همّاً همّاً، وتأكلك الأحزان حُزناً حُزناً.. لك الله أيتها النفس لقد كُتب عليك دائماً أن تركبي المركب الصعب وإنه لقدرك وإنك به لجديرة!

 

تصل الحافلة بعد جهد جهيد إلى سفح جبل أعشاش الصقور، الجبل مرتفع كثيراً ويقف بشكل حاد كأنه عملاق قائم على قدميه، وإذا أراد المرء أن ينظر إلى أعلاه فلا بد أن يُحني رقبته إلى الخلف ويضغط برأسه على الظهر، ليصدُم عينيه مشهد الصقور الضخمة الكبيرة التي تحوم في الأعالي وتتصارع على الطرائد وتصدر أصواتاً مرتفعة غريبة، ثم سيشدّ انتباهه تلك البيوت الصغيرة الظامئة المُتراكمة في الأعلى وكأنها تخشى من هجمات الصقور المُتوحشة فتنكمش وتنحني أو تخاف من السقوط من أعلى الجبل فتتضام وتتماسك ويشدّ بعضها بعضا وكأنها بيت واحد طويل عريض كثير الغرف، وسيفترسه سؤال عن سبب اختيار الآباء لمثل هذا المواقع الغريبة للسكنى، ولماذا الابتعاد عن السهول الواسعة والتلال الخصيبة؟

 

وإذا خشي الآباء من الحيوانات المفترسة فتعلقوا بالأعالي، لماذا يُكمل الأبناء الصعود والسير على نفس الطريق؟!

 

وأخيرا تبدأ الحافلة في التسلق لتسلك طريقاً سوداء مُتعرّجة كأنها الأفعى السوداء الضخمة المُتلويّة، وتصل إلى أول بيوت القرية السفلى وقد أنهكها الصعود فازداد لهاثها وحمي صوتها.. بيوت بسيطة تكتنف الطريق، ونساء شعثات مدهوشات يُرسلن رؤوسهن من أغلب النوافذ ناظرات باتجاه الحافلة وما تحمل من أناس فاتحين! فيرفع السائق رأسه بفخار، وترتسم على وجهه بسمة عريضة.. إنّ الحافلة هي الوسيلة الوحيدة التي تربطهم بالدنيا وتحضر لهم ما يحتاجونه من سُكـّر ومتاع..

 

تمرّ الحافلة بجانب المدرسة فيطلب المعلم من السائق الوقوف فيقهقه السائق وهو يقول:

 

(-اصبر، الوقوف لا يكون في المُنحدرات فالحافلة إن وقفت لن تستطيع الاستمرار في الصعود، الوقوف في الأعشاش معروف ولا يكون إلا على القمة، حيث ينزل الناس هناك ويسيلون إلى بيوتهم كما السيل الهادر! )

 

يضحك المعلم بخجل، وترتسم في ذهنه صورة الناس الذين يسيلون إلى بيوتهم كما السيل الهادر.

 

تقف الحافلة على القمة، وينزل المعلم، يلفت نظره غارات الصقور القريبة وأصواتها المزعجة، وحركة الرياح القوية التي تكاد تخطف الناس، ثم يسيل مع الشارع الوحيد حتى يصل المدرسة الصغيرة في التاسعة والنصف بهمة متدنّية وجسم مهدود، يدخل غرفة المعلمين فيلاقيه المدير المُتحفز المتجهّم:

 

-(لماذا تتأخر؟ )

 

يردّ المعلم بكلمات ضجرة مُتعبة:

 

- (تأخرت الحافلة، أرجو المعذرة، ثم هذه هي المرة الأولى! )

 

يمطّ المدير شفتيه ساخرا:

 

- ( لا أولى ولا أخيرة، يجب أن تلتزم، إن تساهلنا ضاعت الأمور، أنا مُضطر أن أكتب فيك)

 

يردّ المعلم بهدوء وإهمال:

 

- ( قم بواجبك واتخذ اللازم )

 

يدخل المعلم إلى الصف الثاني الثانوي.. عشرة طلاب لا غير.. خمسة يتحدّثون بأصوات مرتفعة..أربعة يتكاسرون ويتصايحون.. العاشر غائب.. يرفع المعلم عصاه ويدفعهم إلى مقاعدهم فيجلسون بتثاقل.. وجوه تنظر إليه باستغراب تقاسيمها مُتناسبة مع بيئة الوعر والحجر والصعود.. قسوة وفظاظة ولا غير.. يُريد المعلم أن يشرح فيرجونه بلغة كالحجارة أن لا يفعل فكتابهم صغير ولماذا لا يتأنى فيه؟! ولماذا لا تكون حصة كلام وسلام؟!.. لا يلتفت إلى كلامهم بل يبدأ بالعطاء فيتابعونه بكسل وتثاقل.. بقيت دقائق قليلة استغلها المعلم في التوجيه والتأديب ليُلقي بعض البذار الطيبة.. كيف ينتقون اللفظ الأجمل؟! كيف يختارون السلوك الأفضل؟! كيف يسيرون في درب الإيمان اليانع؟! فينظرون في وجوه بعضهم بعضا نظرة استغراب واستهجان.. يبتسمون.. تكبر البسمة فتصير ضحكة.. قهقهة.. يضرب المعلم بعصاه الطاولة فيصمتون، لقد تعوّدوا في هذه القرية البعيدة أن يتناقشوا بالعصا وأن يتجادلوا بالحجارة.

 

يخرج المعلم من عندهم ويتجه إلى غرفة المعلمين.. يلمح في طرف الساحة طالبين صغيرين يتعاركان بعنف.. يسير نحوهما لحل الخصام.. يلمح آخر يشترك في المعركة إلى جانب قريبه، يطرحان خصمهما أرضاً ويدوسانه بنعالهما. يصل المعلم إليهم ويفك الاشتباك بصعوبة، ويُخلص الطالب المسكين الذي يهرب إلى بيته باكياً وهو يهدّدهما بإحضار ذويه، فيُهرولان عندها لإحضار أهلهما أيضاً..

 

وفي دقائق وكأن الأقارب كانوا ينتظرون الإشارة خلف الأسوار، وكأنما خلقوا للمعركة والصّدام، يتوافد بسرعة ما يزيد على ثلاثين رجلاً بأسلحتهم من هروات وعصيّ وخناجر وحجارة، وعلى إثرهم أكثر من عشرين امرأة يسرن بقوة وقد شددن أوساطهن وهززن عصيّهن، ووقفن بطرف الساحة يُراقبن بتلمّظ المعركة الرهيبة التي دارت بين الرجال، وهن ينتظرن اللحظة المناسبة للتدخل.

 

يُحاول المعلمون إنهاء المعركة الدامية دون جدوى، يُصاب معلم كبير بحجر طائش في ظهره، فينسحب عندها المعلمون بحزن وصمت، ليقف كل واحد منهم أمام صف من الصفوف ليمنعوا الطلاب من توسيع رقعة المعركة.

 

يخشى المعلم أن يقضوا على بعضهم بعضاً، لكنه يسمع فجأة صوت رجل يقف مُنفرداً على السور هاتفاً بأعلى صوته:

 

- “ يكفي، داووا الجرحى ”

 

فينفصل الفريقان وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الإشارة، ويبدأ الجميع بنقل الجرحى إلى البيوت ومداواتهم، وربما يتعاونون في هذه المهمة ويتحدّثون ويضحكون، وكأنهم ينقلون بعض المحاصيل أو الثمار ولم يكونوا في معركة!

 

تعود الحياة إلى المدرسة وكأن شيئاً لم يحدث فالمعارك شيء عادي، وينتقل المعلم بين الصفوف من حصّة إلى حصة حتى ينتهي الدوام وقد وهن صوته وارتخى جسمه وأنهكت عزيمته وبدأت معدته بالتلوّي من الجوع.

 

يُغادر المدرسة.. يصعد باتجاه القمة ليركب الحافلة حتى يعود إلى مدينة) القباب (، ينتظر وينتظر، يملّ الانتظار، يُقرّر النزول والسيلان باتجاه الأسفل حيث سفح الجبل.

 

 الشمس في كبد السماء ترسل أشعتها بعنف، يستغرب المعلم من تغيّر الجو الكبير، العرق يبدأ بالتصبب من وجهه وجسده بغزارة، التراب يتطاير على ثيابه ويلتصق بوجهه المُبلل فيتمتم مُستغرباً:

 

- “ سبحان الله! حر ورياح في نفس الوقت! ”

 

يشعر بوخزات حادّة في ساقيه، فينتبه للأشواك الوحشية الطويلة التي تغزو الطريق من الجانبين، ذباب كثير مُزعج ثقيل يتطاير حول وجهه المُبلل ويلتصق به دون خوف.. سآمة كثيفة تغزو نفس المعلم وتنال من معنوياته.. يلفظ نفساً حرّى مُلتهبة.. دمعات ساخنة تسقط من عينيه فيلتقطها بحياء.. يلمح من خلال سحب الدمع شجرة كبيرة قريبة من الطريق، يُسرع فيجلس في ظلالها.. تهبّ على روحه نسمات باردة فينتعش.. تنساب إلى نفسه مشاعر من الراحة.. ينظر حوله فلا يرى شيئاً. إنما هي الرمال والأشواك والحجارة والحرارة.. يتأمل الشجرة التي يتفيّأ في ظلالها.. يلتفت إلى أصلها.. عجيب إنها نابتة في الصخر! جذورها قد تغلغلت فيه ومزّقت أحشاءه ثم ارتفعت أغصاناً عزيزة سامقة تعانق غيوم السماء!

 

دفقات من الثبات والتحدي تدخل إلى نفس المعلم.. يجب أن أكون كهذه الشجرة.. أن أمزّق أحشاء الصخر..أن أقلم أظفاره.. أن أحرث الأرض..أن ألقي البذار حتى تنبت السنابل في الأعشاش، وإنها لنابتة يوماً بمشيئة الله.

 

سمع المعلم نباح الحافلة التي ظهرت فجأة وهي تجرجر ساقيها على طريق الأعشاش، فينهض قائماً ويسرع باتجاهها، ويلفت نظره عشرات العصافير الجميلة التي أزعجتها الحافلة فتطايرت بألوان زاهية من بين الحجارة والأشواك والحفر!

 

أكرم السواعير

 

***

 

وصايا      

 

 قف على ذاك القبر1

 

ثم ناجِ ربك قائلاً: “ إلهي... يا من تعلّق العباد بأسدال رحمتك.. ووقف الخلق على بابك طمعاً بعفوك، يا من بكى المؤمنون رجاء قربك، فكنت بجلالك منهم قريباً، وندم النادمون أملاً برضاك فكنت بغفرانك عليهم شهيداً.. يا من مدّ كلُّ الخلقِ يدَ الافتقار إلى غناك وكرمك.. فمددت سبحانك إليهم كريم نعمك، يا مفرّج الهمّ ومزيل الغمّ وكاسياً العظام لحماً بعد الموت، أنت ربي ومالكي ومليكي.. أنت رب السماء وما أظلّت.. ورب الأرض وما أقلّت.. ورب البحار وما أخفت.. أسألك يا من رفعت السماء بغير عمد ومددت الأرض فكانت مهد.. أسألك يا من سبقت رحمتك غضبك وسبق عفوك سخطك..

 

اكرم السواعير

التعليق