محمد شمس الدين الموالدة: ما بين استعادة الأمثال والتساؤلات الناضجة عن مفهوم الشعر

تم نشره في الأحد 30 أيلول / سبتمبر 2007. 10:00 صباحاً

في مجموعة صدرت له بعنوان"تلك رؤياي وأنا الشاهد الوحيد"

 

بيروت - قراءة مجموعة الشاعر الاردني محمد شمس الدين الموالدة قد تعيد الى القارئ افكارا وامثالا قديمة وقد تثير تساؤلات عن اتجاه كثير من الكتابات الشعرية الحديثة ومفهوم كاتبها للشعر.

ومن الافكار التي تعيدها قصائد محمد شمس الدين الموالدة واحدة يجسدها مثل عربي في المحكية اللبنانية يتساءل قائلوه باستغراب عمن "يكون الدفتر بايده وبيسجل نفسه نحس"  وترجمة هذا الكلام عمليا تتجسد امامنا لدى قراءة نتاج الشاعر الأردني.

عنده مشاعر وصور وحالات شعرية أكيدة لكن ذلك لا يظهر "في الدفتر" بشكل جيد فالموالدة مصرّ كما يبدو على خنقها بحبل يبدو احيانا اقرب الى سلسلة حديدية قاسية وذات حضور مفتعل ربما كان سببه تصور بعيد عن الصواب لمفهوم العمل الشعري انطلاقا من الكلاسيكية او التقليدية العربية وصولا الى قصيدة النثر.

مجموعة الموالدة "تلك رؤياي وانا الشاهد الوحيد" جاءت في(200) صفحة متوسطة القطع ضمت أكثر من(90) قصيدة صغيرة في معظمها وقد صدرت عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر".

الموالدة مصر على الاتيان بما يتوهمه قافية شعرية وهي اقرب الى سجع غث ومعطل في الغالب لتجربة الشاعر الشعرية وهي أمر لا يمكن انكاره في كثير من قصائده.

يجرنا هذا الأمر الى المفهوم الشعري الذي راوح تاريخيا في تشكله بين القصيدة العربية ذات الوزن الواحد والقافية الواحدة وهو بعض ما جاء في وصف هذه القصيدة في عمود الشعر عند المرزوقي..وبين قصيدة التفعيلة أي تعدد الأوزان والقوافي وصولا الى قصيدة النثر.

أما شعر الموالدة فليس هنا ولا هناك ولا هنالك فإذا "حررنا" قصائده أو فلنقل إذا حررناها من ذلك القيد الحديدي الثقيل تحول كثير منها الى قصائد نثر حديثة موحية.

واصراره على تلك القوافي قد يسطح عددا كبيرا من قصائده وقد يدفعه الى منزلقات وأخطاء لغوية.

في القصيدة الاولى التي سميت"غلبة" نواجه ما يضرب القصيدة من خلال محاولات التقسيم والشرح المفتعلة ومن خلال تضافر ذلك مع القافية التي اشرنا اليها نقرأ:

" أغالب الوقت

والوقت يغلبني

 واشقى من اليأس

 ونفسي تصرعني

 وجدت نفسي ثقيلة في الصباح

 وبد اليوم يوجعني

 وسحابة الموت صارت رفيقة حمقاء

 لا تفارقني".

الى أن يقول:

 "أنا شارد

التصق بأشجار خريفية

ورغبة في الدفء تأكلني

الريح قاسية هنا

وخلف الليل ذئاب تلاحقني".

واذا اغفلنا من حيث المبدأ مسألة "الوزن" فسنجد أن الشاعر يضطر في النهاية الى ضرب القافية نفسها أو ما توهمه قافية فيقول:

 "أسكن الى نفسي وانسل منها

 كما تنسل لحظة جميلة

 داخل الزمن".

ولا يقصد القارئ أن يتولى هو دور الشاعر لكنه لا يملك إلا أن يتساءل..ألم يكن من الأجمل أو "الأصح" شعريا أن يقول مثلا في البداية:

 "اغالب الوقت

 واشقى من اليأس

 وجدت روحي ثقيلة في الصباح

وسحابة الموت صارت رفيقة حمقاء".

في قصيدة "ضائعون" تتكرر المسألة فنجد أن القافية تؤدي الى عملية "تنفيس" للأجواء الشعرية.

يقول:

"يبدو الأحبة مثل أجنحة تناثرت فوق أمواج الشجر" وهي صورة موحية جميلة لكن ما يتبعها يحرمها من كثير من جمالها.

نتابع القراءة:

"الليل ليس الوفا

والنائمون في خطر

حلم انا رددته

حلم تردده الطبيعة وحلم يراودنا نحن الضائعون نحن البشر".

مثل آخر في قصيدة "بيضاء" نرى فيه كيف يتكرر تشتيت ايحاءات الصورة بما يأتي بعدها يقول :

"من نافذة الطائرة

 رأيت مدنا من القطن معلقة في الهواء

رايت سحبا منثورة وبنايات وشوارع بيضاء

رايت نفسي مشدودا بين غيمتين مصعوقا بالكهرباء".

وفي قصيدة "الى المعري" يتجلى بوضوح سوء فهم العمل الشعري في تطوراته المختلفة. يقول:

"دلني ايها الاعمى

دلني الى الطريق

دلني الى ما هو اسمى

فقد مللت البريق".

وفي "الشاب العجوز" استحضار لمطلع قصيدة "الطلاسم" لايليا ابي ماضي يقول الموالدة "لا أعرف متى أجيء ومتى يأتي ذهابي".

وفي قصيدة "اليهودي التائه" تقريرية باردة تزيدها القافية المفتعلة برودة. يقول "تهت في سيناء وزادتك النقب تيها فهذا طريق الحكمة وذاك يجعلك سفيها".

أما قصيدة "تلك رؤياي وانا الشاهد الوحيد" التي اعطت اسمها للمجموعة وجرى الاستشهاد بها على دفة الكتاب فقد تكون فيها خيبة للقارئ انها تضعك في اجواء قصيدة ميخائيل نعيمة "اغمض عيونك تبصر" لتهبط بك بعد ذلك الى ميكانيكية باردة.

يقول هنا:

"اغمض عينيك وحاول ان ترى

 ربما شيء في البعيد لا تعرفه قد جرى

ربما رحلة قد بدات المسير وقافلة من خلفك تباع وتشترى

ربما صديق صار معتديا وكذب وافترى

ربما قادك اهلك بقلوبهم وما قادوك الا للورا ".

ختاما ربما ذكرت قصائد المجموعة القارئ برأي القائلين إن على الشاعر حتى من يكتب قصيدة النثر أن يكون على قدر من الالمام بالعروض.

التعليق