التكافل عقيدة

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2007. 10:00 صباحاً
  • التكافل عقيدة

خوله فريز النوباني

تتسابق الإذاعات والمحطات التلفزيونية الفضائية منها والمحلية من أجل الترتيب للمسابقات الرمضانية، ومع إيماننا بأن رمضان شهر الخير والبركة، وصلة الأرحام، والتراحم، والسباق من أجل الفوز بالأجر المضاعف كنا نأمل أن تُسهّل التكنولوجيا الحديثة بوسائلها المسموعة والمرئية أمور ديننا، وقد لفت نظري منذ ايام برنامج يبث على إحدى القنوات الفضائية يسعى لتوصيل هموم المحتاجين بالصوت والصورة إلى المشاهدين ومن بعد ذلك تنهال الإتصالات من كافة أنحاء الوطن العربي ومن خارجه من قبل المغتربين لتشُد على يد هؤلاء معنويا وماديا أيضا، وتبدأ دموع العوز بالإنزياح تدريجيا لتُستبدل ببسمة فرج.

ان البرنامج المذكور قد عمل على تجسير المسافات بين القلوب، وذلك هو التكافل بعينه، وقد تحدى الفواصل الحدودية، وكذلك المكانية، حيث أن الغالب في العلاقات الإجتماعية الحالية غلبة المصلحة على التواصل من أجل الصلة، فمن كانت له مصلحة عند فلان أسرع بتخصيص وقت مقتطع بين أشغاله من أجل لقائه أما الزيارات التي تهدف إلى الصلة والإطمئنان فغالبا ما يُكتفى باتصال هاتفي نظرا لكثرة الأشغال والأولويات المتزاحمة.

لذلك كان لابد من ابتكار الأساليب التي تحقق أهداف التكافل، ولا بأس من استغلال وسائل التواصل الحديثة من أجل نقل صورة حقيقية للمعاناة وفتح باب ايصال المعونات أيا كان نوعها للمحتاجين مباشرة ومع التوثق من النقل الصحيح وعدم الإستغلال لعواطف المبادرين.

إن ترجمة الشريعة الإسلامية عبر أركانها لا تزال غير كافية، ويقتصر أثرها على النفس والمحيط القريب جدا لذلك كان لا بد من ازالة الحواجز من أجل اخراج العقيدة الإسلامية برحابة روح التواصل فيها لأبعد من مجرد التعبير بالإستياء من الفقر، أو من رؤية المحتاجين، والمتسولين على الطرقات أو بين الحاويات يبحثون عما لفظه غيرهم ولهم به حاجة.

إن تسخير الإمكانيات الحديثة لبلورة الحديث الشريف - " مثل المؤمنون فى توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذاإشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى- " تجعل من واقع المسلمين واقعا ينهض بذاته من خلال التكافل الذي يُعد عقيدة للمسلم، وبالتالي نحن بحاجة لتجاوز الحدود والمسافات، ونبذ الحال القائم من الإكتفاء بالحسرة والتعاطف النفسي لا غير مع المسلمين في شتى بقاع الأرض، والتي تنقل لنا وسائل الإعلام أوضاعهم في الأخبار السياسية من كوارث طبيعية وأخرى بسبب الحروب والاقتتال، ولا سبيل للتواصل الفعلي غير أن المجالس تعج بذكر الحدث والتأسف على ضحاياه، ولا يوجد أسلوب فاعل آخر.

لذلك فان البرامج التي تُسهّل الوصول لذوي الحاجات وتُجسّر بين الغني والفقير تخدم الرؤية الإسلامية الصحيحة، والتي تسعى لأن يكون المسلمون فعلا كالجسد الواحد كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

في الغرب كما نعلم يتم ابتداع مناسبات من أجل التذكير بالصلة والتواصل، أما المسلمون فهم مطالبون عقائديا بالتواصل فيما بينهم والإستفسار عن بعضهم البعض، وتفريج الكرب، وتلبية الدعوة، كل ذلك من العقيدة لذلك كان أولى بنا أن يُسخر الشباب إمكانياتهم لطرح أفكار تناسب العصر وتترجم الدين بأسوب أكثر فاعلية من مجرد الإكتفاء بالأساليب التقليدية الجامدة.

وهذه البرامج التي ندعو لها تحتاج لفرق عمل تنطلق من الفهم العقائدي للتكافل حتى يكون الاختيار شفافا وبمصداقية عالية وحتى نصل إلى الهدف المنشود ألا وهو تحقيق التكافل بأبسط  وأسرع الطرق.

ان الفقر في ازدياد، وكذلك البطالة، وغلاء الأسعار جعلت من الاساسيات أمورا صعبة المنال للكثير من الأسر وارتفاع أجور الأطباء جعلت المرضى يشكون ولكن بصمت ، وينتظرون الشفاء من الله تعالى دون أخذ بالأسباب.

إن نحن استشعرنا روح الإيمان الحقة لوجدنا أننا محاسبون بشكل أو بآخر عن تفويت فرص دعم المحتاجين والوقوف إلى جانبهم والشعور بآلامهم ، ولا شك أن الأمر بحاجة إلى تلمّثس حاجات الفقراء والمحتاجين والدليل على ذلك أن اغلب الجمعيات التي نشأت لهذه الأغراض تستطيع جمع التمويل والمساعدات اللازمة بمجرد طرق البيوت التي تحوي قلوبا عامرة بالإيمان، وذلك أمر غير مستغرب وأقرب مثال له حدث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حيث ضرب المسلمون من مهاجرين وأنصار أروع أمثلة التكافل والإيثار، ولا زال الأمر كذلك إلا أنه بحاجة لنفض غبار التكاسل عن همة المسلمين وإلى تنظيم وتواصل مبتكر، بالإضافة للمصداقية في الأخذ والعطاء بحيث تتوافر الثقة لدى الأطراف بأن الأمر لا بد واصل لأهله، مما يحقق مفهوم التكافل والأمانة في آن معا وذلك ادخار للآخرة يقي المسلم حرارة جهنم ويوفّر له سعادة في الدنيا، إذ البذل هو متعة للقادر عليه إ ن كان بذلا في مكانه الصحيح.

ولو أطلقنا العنان قليلا وبتفاؤل لأفكار تتبنى التشغيل وانشاء المؤسسات الصناعية لتشغيل العاطلين عن العمل من خلال إطلاق مبادرات لا تهدف لجمع تبرعات فقط وإنما للنهوض بحاجات المجتمع العربي، وتوجيه هذه التبرعات لإنشاء مشاريع منتجة من المجتمع المدني وإليه عبر منظمات تعي مفهوم التكافل وتبتدع الأساليب المدروسة من أجل تحقيقه.

إن لوسائل الإعلام أثرا كبيرا في نشر الوعي في المجتمع بالإضافة إلى التوجيه الصحيح وآن للأمة الإسلامية أن تستغل هذا الأسلوب من أجل تكافل المجتمع الإسلامي وتحقيق غاياته.

كاتبة أردنية متخصصة بالاقتصاد الإسلامي

التعليق