موسى شعيبات: موهبة ربّانية حوّلته من طالب لا يتقن القراءة والكتابة إلى أشهر نحّات فلسطيني

تم نشره في الجمعة 8 حزيران / يونيو 2007. 10:00 صباحاً

 

رام الله‏- "كنت طفلاً لا أتقن القراءة والكتابة، ولم أكن متميزاً بين أفراد صفي الدراسي، احترفت النحت على مقاعد الدراسة الخشبية آنذاك، رسمت بعض الأشكال التي تختزنها ذاكرتي الصغيرة، فكانت تلك الرسومات التي أحببتها لعنة تحل بي، وكانت كفيلة بإنزال غضب المدرّس على رأسي عند مشاهدتها، لكنّي كنت دوماً أصر على المواظبة عليها حتى أضحت رمزاً مميزاً لي على مستوى المدرسة".

بالقرب من دوّار الساعة في مدينة رام الله بالضفة الغربية، جلس محمد شعيبات (51 عاماً) كعادته، وهو يعدّ تحفة خشبية لأحد الزبائن الذي جاء خصيصاً، لشراء هدية تذكارية لصديقه في الأردن. كانت يدا شعيبات تداعبان قطعة الخشب بينما أطلق العنان لذكريات لم يمحها الزمن، ولحديث مفصّل عن مسار حياة، جعله واحداً من أشهر نحاتي فلسطين، وممثلاً لها في معارض النحت العالمية.

يقول شعيبات: "كنت في الصف الرابع الإبتدائي في مدرسة بيت ساحور في محافظة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، مسقط رأسي، وقرّر والدي نقلي إلى منجرة أحد أصدقائه في البلدة، بعد أن فقد الأمل في قدرتي على مواصلة الدراسة، لعلّي أنجح في اكتساب مهنة تعينني على عثرات الزمان. هناك بدأت قصتي مع الحفر على الخشب والنحت وتطوّرت قدراتي بشكل كبير وصرت أتقن الحفر في أدق الأشياء".

وينجز شعيبات، عمله بسرعة فائقة، ويجلب فضول المارّة للطريقة التي يحدث فيها ثقباً صغيراً جداً في قطعة الخشب، تمكّن المنشار الصغير والرفيع من الولوج فيها لبدء عملية الحفر، ويكتب ما يشاء الزبائن من أسماء، إن كانت فلسطين أو أسماء مدنها أو حتى أسماء أصدقائهم.

ويتحدّى شعيبات زبائنه، بإعداد ما يطلبون من تحف خشبية تذكارية، في غضون ثلاث دقائق، مؤكداً أن حركاته الفنية السريعة تشدّ أنظار السائحين المارة في بيت ساحور وبيت لحم، القادمين من مختلف أنحاء العالم لزيارة الأماكن الدينية والتاريخية فيهما.

وأضاف، إن منحوتاته الخشبية لاقت رواجاً لم يتوقعه، وبات السواح يتدفقون عليه من كل حدب وصوب، بعضهم يريد تمثالاً يذكّره بمدينة بيت ساحور، وآخر يريد الحصول على رمز ديني أو هدية ما.

ومضى شعيبات مسرعاً في صنع التحفة الخشبية بعد أن قصّ قطعة خشب زيتون مستديرة بشكل مائل، وحفر خارطة فلسطين على قطعة خشبية دقيقة ووضع داخلها المدن الفلسطينية، من طبريا شمالاً حتى غزة جنوباً، مستخدماً أدوات يدويّة بسيطة، لكنّه يخرج في النهاية بلوحة فنية يصفها المراقبون له والمتجمهرون حوله بأنها غاية في الجمال.

مطلع التسعينيات، يقول شعيبات، إنه اقتنع بفكرة عرضها عليه أحد أصدقائه، وهي السفر إلى الأردن والمشاركة في مهرجان جرش للثقافة والفنون، علّه يجد فيه فرصة ليعرفه العالم، وباب رزق يدرّ عليه الخير الوفير، وبالفعل سافر إلى هناك ليتعرف على عدد من الفنانين الكبار، ويطوّر مهنته ويصبح واحداً من النحّاتين البارزين على مستوى الأردن.

يخرج النحات وعاءً من الطلاء الذي يزيل غبار الزيتون ويظهر الخطوط الجميلة التي توجد في الجذور، ويضع كل قطعه ينحتها داخله ثم يخرجها إلى الهواء قليلاً حتى تجف بسرعة وتصبح لامعة تخطف الأبصار، فيما يعيد أنظاره إلى الورقة البيضاء التي رسم عليها الشكل الذي يريده، ليتأكد من سير عمله وفق المطلوب.

ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مطلع العام 1994، قرّر شعيبات العودة إلى أرض الوطن ليعمل في بلده مجدداً، وبات واحداً من رموز الفنّ الفلسطيني، وراح يتنقل بين الإمارات وألمانيا والأردن وغيرها من الدول والعواصم العربية والعالمية لينقل الفن الفلسطيني إلى العالم.

ينهي شعيبات، الذي يحب أن يناديه الزبائن بكنيته "أبو محمد"، التحفة الخشبية ويسلّمها لصاحبها الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر، مقابل مبلغ قدره (12) دولاراً، وينتقل ليستمع إلى طلب الزبون الآخر، الذي يريد "ميدالية" تحمل اسماً يخصه، فيطلب من الزبون كتابة الاسم الذي يريده على ورقة بيضاء، ليقوم برسمه على القطعة الخشبية، ويتابع حديثه.

وحول مسيرة عمله المتواصلة منذ أكثر من (37) عاماً، قال أبو محمد إنه يحضر الأخشاب من أشجار الزيتون وهو لا يحتاج إلى الكثير منها، بل يقطعها إلى قطع صغيرة حتى يسهل حفرها، ويجلس على كرسيه المتواضع الملاصق لطاولته الصغيرة، التي يضعها على جانب الرصيف، ويخفي أسفلها بقية معدّاته، فيما يستخدم لوحاً صغيراً لعرض التحف التي قام بصناعتها في وقت سابق.

وخلال انتفاضة الأقصى، لم يعد العمل كما كان سابقاً، إذ عزف المواطنون عن اقتناء هذه الكماليات كما كانوا يفعلون في السابق، الأمر الذي تسبب في تراجع عمله بشكل كبير، كما أن المنحوتات الصناعية التي انتشرت في السوق بشكل واسع لم تبق له الكثير من العمل.

وعلى طاولته الصغيرة، ما يزال شعيبات يحتفظ بالهدية التذكارية التي قدّمها للرئيس الشهيد ياسر عرفات، عندما قام بزيارته في المقاطعة برام الله، خلال حصاره في العام 2002، كما يحتفظ ببعض صوره في المعارض العالمية، وبعض الصحف التي كتبت عنه في السابق بلغات مختلفة، باستثناء العربية.

يقول شعيبات إن العمل أصبح شحيحاً في رام الله، لذا قرّر الانتقال للعمل في مدينة أريحا، اعتباراً من الأسبوع القادم، خصوصاً في هذا الموسم الذي يتوجه المتنزهون فيه إلى هناك طلباً للراحة والسباحة والاستجمام، وربّما يقومون بشراء الهدايا التذكارية.

يعود شعيبات لممارسة عمله، وسط حزن يخفيه وراء بعض العبوس الذي بدا جلياً على محيّاه، فمهنته اليدوية باتت شيئاً من الماضي في ظل الانتشار الواسع لهذه الأنواع من المنحوتات المصنوعة آلياً في جنوب شرق آسيا وبأسعار أقلّ.

غادرنا المكان وتركنا شعيبات غارقاً في عمله وتفكيره، فيما ظل سؤال يلاحقنا إن كان سيكمل نحّات فلسطين وممثلها في العالم، مهنته التي أحبّها منذ نشأته أم أنه سيصبح عاطلاً عن العمل، وتنقرض حرفته كما انقرضت كثير من الحرف التراثية الفلسطينية؟.

التعليق