دعوة لإعادة النظر في ترجمة التراث

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2007. 10:00 صباحاً

في مؤتمر المخطوطات بالإسكندرية

 

الاسكندرية - أكد الباحث المصري يوسف زيدان على أهمية تأسيس معرفة علمية بالتراث الذي يراه ثريا ومتنوعا لدرجة التناقض بل يعتبره البذرة التي تنمو فتصنع الحضارات وتشعل الحروب أيضا.

وقال أمس الثلاثاء في افتتاح المؤتمر الدولي الرابع للمخطوطات بمكتبة الاسكندرية ان المؤتمر دعوة لاعادة النظر في حركة ترجمة التراث وفهم طبائع اللغات وتعدد مستويات الدلالات حيث "لا يستطيع الناطق بغير العربية أن يكتشف الاعجاز اللغوي للقران" كما أشار أيضا الى أثر انتقال نصوص مقدسة من لغة الى أخرى.

فعلى سبيل المثال يسجل أن انجيل يوحنا يبدأ بعبارة "في البدء كان الكلمة" وهي تبدو غير دقيقة نظرا لان الكلمة لفظ مؤنث وفعل كان لفظ يستخدم للمذكر. ويقول زيدان "لا بد أن أمرا حدث بين الارامية التي تكلم بها السيد المسيح ثم اليونانية (التي ترجم اليها الانجيل) ثم العربية التي انتقلت معها مفردات ومفاهيم أثارت مشكلات لغوية متعلقة بألفاظ".

وأضاف أن التوراة كتبت بالعربية ثم تكررت ترجماتها الارامية ثم صارت اليوم هي "الكتاب المقدس" وهو مصطلح عربي ملتبس حيث "رأى المسلمون أنها من الكتب المحرفة. وكيف لها أن تحرف وهي (التوراة) ليست منزلة (وحيا من السماء) مثل القران".

وقال إن المؤتمر الذي يستمر أربعة أيام ويشارك فيه 50 باحثا عربيا وأجنبيا "خطوة لفهم هذا التراث الطويل الذي أشعل الحضارة وحرائق الحرب".

ويعد المؤتمر امتدادا لمؤتمرات سابقة نظمها مركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية والتي بدأت عام 2004 بمؤتمر "المخطوطات الالفية" التي مضى على نسخها 1000 عام وتمثل قيمة أثرية أو تاريخية وتلاه عام 2005 مؤتمر "المخطوطات الموقعة" التي كتبها مؤلفوها أو نسخها اخرون وأقرها المؤلفون ثم عقد المؤتمر الثالث عام 2006 تحت عنوان "المخطوطات الشارحة".

ويضم المؤتمر سبعة محاور هي "التفاعل بين العناصر المرتبطة بالترجمة والمؤثرة فيها" و"ترجمة النص الحي والنص المندثر" و"الجهود الفردية والمؤسساتية في مجال الترجمة. والعلاقة بين التراجمة وأصحاب السلطان" و"أثر أساليب الترجمة في تشكيل الوعي بالتراث السابق.. سلطة الترجمة" و"العلامات الكبرى في مسيرة الترجمة بين الثقافات" و "الترجمات الوسيطة من لغة الى لغة عبر لغة أخرى" و"نظرية الترجمة وتطبيقاتها".

ومن البحوث التي سيناقشها المؤتمر "الترجمات المبكرة بين السريانية والعربية وأثرها على ثقافة اللغتين" و"تأثير ترجمة القران في الثقافات الاجنبية" و"مشكلات فهم مصطلحات اللاهوت المسيحي بين اللغات الاربع السريانية واليونانية واللاتينية والعربية" و"دوافع وأغراض ترجمة معاني القران الكريم الى العبرية" و"ترجمات العهد القديم الى العربية.. تاريخها ودوافعها" و"اليهود ودورهم في ترجمة المخطوطات العربية" و "ترجمات كتاب الشعر لارسطو".

وعلى هامش المؤتمر أقيم معرض للمخطوطات المترجمة تضمن نماذج لصفحات وأغلفة كتب في العلوم الطبيعية والتراث الفقهي والفلسفي والصوفي منها "علامات المسيح" لمجهول وهو مترجم من اللاتينية الى الفارسية و"مزامير داود" باليونانية والعربية و"القانون في الطب" لابن سينا وهو مترجم الى التركية بحروف عربية و"القوى الطبيعية" لجالينوس ترجمة حنين بن اسحق الذي ترجم عددا كبيرا من الكتب منها "كتاب البرهان لارسطو".

وقال زيدان وهو مدير مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الاسكندرية في كلمة عنوانها "مفهوم المخطوطات المترجمة" ان مصطلح "التراث العربي" يوهم بأنه واحد وأنه عربي لكنه يتضمن "تراثات كثيرة بعضها بلغات أخرى وان ترجم الى العربية" وهو يحمل صفة الثراء حيث يعبر عن جملة أشياء "يصل فيه التنوع الى درجة التناقض" اذ يشمل الفقه والاداب والعلوم الطبيعية والدسائس والغزو."

وأضاف أن "هذا الركام الهائل الممتد فينا الذي نسميه التراث لم يتشكل في شرنقة ذاتية ولم ينشأ في الفراغ" وانما كان ضمن سلسلة التواصل الحضاري بما يعني أن يسبقه سابق ويتلوه لاحق مشددا على أن التراث العربي "يصل بالقطع الى ما قبل اليونان وهو ما تؤكده الاعمال المبكرة لابن المقفع وابن وحشية النبطي وأبي الريحان البيروني" حيث قاموا بترجمة كتب هندية في الفلك.

وأشار الى أن العرب بعثوا اثارا علمية تنتمي الى حضارات شرقية كالفارسية والهندية وأن حركة الترجمة -التي بدأت عملا فرديا في العصر الاموي ثم تحولت الى عمل مؤسسي في العصر العباسي- كانت من الركائز "التي انطلقت منها الحضارة العربية الاسلامية اذ كانت الترجمة منصة الانطلاق نحو مسيرة التحضر العربي الذي امتد عدة قرون تالية".

وقال مدير مكتبة الاسكندرية اسماعيل سراج الدين في افتتاح المؤتمر ان الترجمة التي تبناها الخليفة العباسي المأمون من خلال بيت الحكمة في بغداد كانت الشرارة التي انطلقت منها الحضارة العربية الى افاق أكثر رحابة مشيرا الى أن عنوان المؤتمر وان كان تراثيا بطبعه فانه "يلقي الضوء على الثقافة العربية "حاليا" حتى تتفاعل مع ما يجري حولنا من ثورات معرفية".

التعليق