مثقفون وناشرون يخشون رقابة الملايين واستغلال القانون لتصفية الحسابات الشخصية والعقائدية

تم نشره في الثلاثاء 29 أيار / مايو 2007. 10:00 صباحاً
  • مثقفون وناشرون يخشون رقابة الملايين واستغلال القانون لتصفية الحسابات الشخصية والعقائدية

بعد رفع الرقابة عن الكتب قبل الطبع

 

نوال العلي

 

عمّان- جهود كثيرة وسنوات طويلة بذلت في سبيل الوصول إلى القانون الذي تم تطبيقه منذ الأول من أيار (مايو) الحالي، حيث رفعت الرقابة عن المطبوعات الداخلية في الأردن قبل الطبع من دون أية استثناءات.

ورغم أن هذه الخطوة إيجابية وتعد بابا مفتوحا أمام المبدعين والمؤلفين، إلا أن هناك الكثير من المخاوف التي تحيط به، فهو سلاح ذو حدين، فهل سيترك الكاتب والناشر للخوض في جدالات ودعاوى قضائية ترفعها أي جهة ترى نفسها متضررة من إبداعه؟ أم أن هناك ما يمكن اقتراحه لضبط هذه العملية ووضعها في سياقها الصحيح الذي يكفل حريتها الحقيقية.

يبين مدير دائرة المطبوعات والنشر مروان قطيشات أن الدائرة اجتمعت باتحاد الناشرين وأعلمتهم بالقانون وبرفع الرقابة عن المطبوعات الداخلية كافة قبل النشر، الأمر الذي يشكل خطوة إيجابية ترفع من مستوى الحرية، وتجعل القضاء الأردني النزيه هو الحكم في كل ما يتعلق بالكتب المنشورة.

ورغم أن معظم الكتب المتوفرة في السوق الأردني كتب مستوردة، إلا أن القرار لم يشملها، بيد أن تطورا هاما أشار إليه قطيشات حدث على هذا الصعيد، فقد كانت الكتب الخارجية تمر على المطبوعات والنشر وإن رأت فيها ما يتعارض مع القانون، يتم التحفظ على الكتاب، ويترك لصاحبه خيار اللجوء إلى محكمة العدل العليا.

ولكن الآن بحسب قطيشات، تقرأ الدائرة الكتاب المستورد الذي يمكن أن يكون فيه إشكالية ما، ومن ثم تلجأ الدائرة إلى القضاء وفي هذه الأثناء تتحفظ على الكتاب لمدة أسبوعين فقط، وبعد ذلك لابد أن يصدر القضاء رأيه فيها.

ويتساءل الروائي والناشر إلياس فركوح إن كان المثقف قد استبدل ثقل السلطات الرسمية المتمثل بقارئ أو خمسة قراء بثقل آخر يتمثل في المجتمع بأكلمه، فالاتجاه السائد من الناس حول الكاتب والكتاب يتعامل مع الكتاب من منظور "عقائدي محافظ ومسيس"، والقانون يعطي الحق لأي جهة او فرد بأن يقاضي الكاتب والناشر في أي نقطة يعتقد أنه تأذى منها. الأمر الذي يفتح الباب على وسعه "لتصفية الحسابات الشخصية والعقائدية والتي لن تكون إلا على حساب الكتاب والناشر" بحسب فركوح.

ويقترح فركوح أن يتبع القانون بملحق يتضمن تحديدا مؤطرا للجهات التي يحق لها رفع الدعاوى ضد الكتاب والناشرين وإلى أن ترفع هذه الدعاوى لمحاكم مختصة بها وقضاة مختصين يدركون معاني الدلالات واللغة ويتحلون بمعايير خاصة.

ويقول فركوح "على أي حال، يبدو أن هذه ضريبة علينا جميعا أن ندفعها في سبيل الوصول لحريات أكبر وفهم حقوقنا المدنية".

من جهته، يرى الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، الذي سبق وأن منعت له ثلاثة كتب وهي "طيور الحذر" في العام 1996، و"الأعمال الشعرية الكاملة" في العام 1998 و"نعمان يسترد لونه" في العام 2006، أن وجود هذا القانون أمر جيد للغاية، لكنه يضيف أن "قانون النشر مرتبط بعدد من القوانين الخطيرة التي تفقده معناه، سواء أكان الرقابة مسبقة أو غير مسبقة".

ويبين نصر الله أن هناك عددا من القوانين التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير هي التي يجب أن يعاد النظر فيها، حتى يكون لقانون إلغاء الرقابة معناه الحقيقي، "وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام عقوبات أشد، أولها مصادرة الكتاب بعد طباعته، وثانيها معاقبة كاتبه بسلسلة القوانين الأخرى".

فيما يشدد الناشر فتحي البس على ضرورة أن تلغى الرقابة عن الكتب المستوردة، فهي تشكل "عائقا كبيرا أمام صناعة الثقافة كما أنها مخالفة لحقوق الإنسان والدستور، الذي يعطي المواطن الأردني الحق في الحصول على المعلومات من دون وسيط".

ويشير البس "نحن دولة مستقرة لا يخيفنا رأي ولا كتاب، والرأي يرد عليه برأي والكتاب بكتاب، ومنع الكتاب لا يمنع الناس من قراءته فالحصول عليه متيسر بأي شكل من الأشكال".

من جهته، يرى الشاعر حسين جلعاد في القانون الجديد خطوة ايجابية باتجاه حق النشر وحرية التعبير. وهذا يعني في الوقت ذاته مزيدا من المسؤولية أيضا ستتحملها دور النشر والكاتب نفسه.

ويساهم القرار، بحسب جلعاد، في تعزيز حرية الكلمة واستقلالية الكاتب، "كما انه سيدفع البلاد الى ترسيم عملي للشعارات التي طالما تم التغني بها".

إذا تم تطبيع القانون الجديد، يبين جلعاد أن ذلك يعني "انتهاء عصر من الحماية السلبية التي كانت تقوم على منع الافكار وإجهاضها بحجة حماية الصالح العام، الأمر الذي كان خاضعا ليس فقط الى مزاجية الرقيب بل الى تشدده وخوفه وتردده من أن تشكل الأفكار الجديدة خدشا لكل ما يعتقده مقدسا أو يدخل في باب الأفكار العامة".

لكن كل ذلك محفوف بجملة من المخاطر والمحاذير، يحددها جلعاد بما "يتعلق بالإجراء البديل عن الرقابة المسبقة، اي اللجوء الى القضاء لفض اشتباك الافكار المتعارضة".

ويضيف "مع قانون كهذا سوف يلجأ اي متضرر الى القضاء وتقوم محكمة للفصل بين الكاتب وخصومه، من لا يعجبهم الكتاب يحق لهم أن يلجأوا الى القضاء وقد يطالبون بمنعه ويتحقق لأعداء الكتابة ما يريدون".

ويبدو الإجراء من ناحية المنطق عادلا بما يكفي ليحفظ التوازن بين كاتب هاجسه الإبداع والتجديد وبين عقليات مجتمعية مناقضة، على حد تعبير جلعاد. ولكن الخطير في الموضوع "أن الكاتب سيتجول وألف سيف مصلت على رقبته، فمن حق الملايين ان يحاكموه على أفكاره، وقد تتخذ المحكمة حكما بحقه وتنفذه، وهنا يصبح وضعنا: "كأنك يا أبو زيد...".

 ويلفت جلعاد إلى أن "أخطر ما يعيب قانون المطبوعات والنشر الجديد هو ارتباطه بقوانين اخرى مثل قانون العقوبات وجرائم أمن الدولة، هنا يصبح الوضع مأساويا بما لا يقاس، فجريمة المطبوعات خاضعة لقوانين جزائية قد يدفع الكاتب بسببها ثمنا غاليا لحقه في التعبير".

حول ذلك يرد قطيشات "هذا رأيهم، ولكن أي قانون له محددات، وهي محكومة بنصوص وقوانين يصوغها العقد الاجتماعي وهي موجودة في أي بلد في العالم، وهذا القانون يعد تطورا نوعيا ونحن من السباقين فيه في العالم العربي".

أما الناشر ماهر الكيالي فيؤكد أن دار النشر باتت تتحمل مسؤولية ما تنشره، فمن جهة يتيح القانون حرية النشر من دون رقيب. ومن جهة إذا جاءت "جهة دينية كانت أو سياسية أو غير ذلك فيمكنها أن تقاضي الناشر والمؤلف بتهمة الطعن في الأخلاق أو التاريخ أو الجنس أو غيره، الأمر الذي سيزيد من حذر الناشر ويجعله يقرأ المخطوط ويناقش المؤلف تحسبا من الوقوع في المشاكل".

يزيد الكيالي "دعونا نرى محاسن القانون ومساوئه وعلينا أن نعطيه فرصة وفترة مناسبة لنحكم عليه، فهو معمول به في كثير من الدول".

 يذكر أن عدد الكتب التي دخلت المملكة في العام 2006 بلغت 130 الفا، بحسب قطيشات الذي أفاد بأنه "تم التحفظ على 87 عنوانا فقط أي بنسبة نصف بالألف"، منوها بأن قرار دائرة المطبوعات منع أي كتاب "يخضع للطعن أمام القضاء من قبل صاحب العلاقة".

التعليق