أوراق نقدية تؤكد على اتجاه قصيدة النثر للإيقاع الموازي لحركة العالم

تم نشره في الخميس 15 شباط / فبراير 2007. 10:00 صباحاً
  • أوراق نقدية تؤكد على اتجاه قصيدة النثر للإيقاع الموازي لحركة العالم

في ندوة  نقدية بحثت في القول الشعري وتمثيلات الآخر فيه

 

عزيزة علي

القاهرة- تواصلت الفعاليات "النقدية" لملتقى القاهرة الدولي للشعر العربي اول من امس في الجلسات التي عقدت في قاعة المؤتمرات بمقر المجلس الاعلى للثقافة.

واتسمت الفعاليات النقدية بسوء التنظيم وعدم انتظام المحاضرين بمواعيد المحاضرات، اضافة الى قلة الجمهور.

وشارك في الجلسة الصباحية الأولى التي ترأسها د.محمد حماسة عبداللطيف كل من الناقد محمد فتوح احمد بورقة بعنوان "شعرنا المعاصر جدلية القديم والجيد" والشاعر شربل داغر بورقة بعنوان "الشاعر/المتكلم والصوت في القصيدة العربية الحديثة"، ود. محمد عبد المطلب بورقة بعنوان "من قصيدة النثر إلى نثر القصيدة"، والناقد سعد البازعي بورقة بعنوان "تمثيلات الآخر في الشعر السعودي".

واستهلت الندوة بورقة الناقد محمد فتوح احمد التي حاول فيها تسليط الضوء "على جملة من الظواهر الايجابية التي تحققت في حصادنا الشعري نتيجة لحلقات التطور التي مر بها عبر الحقبة الاخيرة من القرن الماضي مع محاولة التنبيه إلى ما قد تكونه أو تفضي إليه هذه الظواهر الايجابية".

وأشار فتوح إلى كثرة هذه الظواهر –في حديها الايجابي والسلبي-  خصوصا في "بناء القصيدة الحديثة والغلبة الكمية التي صارت تستأثر بها القصيدة الحديثة اضافة الى التنوع عبر امكانات الشكل الجديد والتي كانت من الوفرة والتنوع بحيث سمحت للشاعر المعاصر باستغلال طاقاته التعبيرية والتصويرية والموسيقية في سخاء وحرية".

ورأى فتوح ان "ابرز محصلات التجديد في شعرنا الحديث تكمن في اتكاء الشاعر على البنية الايحائية للقصيدة، ورد العمل الشعري إلى صيغته التصويرية التي ارتبطت به منذ عصور الانسانية الاولى، حيث كانت اللغات تلوذ بالصور والاشكال والرسوم في رموزها وحين كان الانسان الفطري يستقبل قوى الوجود المجهولة فلا يجد ما يفسرها به سوى الاساطير".

وخلص فتوح الى التأكيد بأن"الحس اللغوي يكتسبه الشاعر من معانقة التراث القومي وتمثله، وهذا الحس هو اداة الشاعر في تطوير لغته، ولكنه في الوقت نفسه سلطة غير منظورة توجهه بما لا يخرج عن روح اللغة معتبرا ان اهون انماط التجديد هو ما يخدش ذوق اللغة من دون مردود فني لانه في تلك الحالة يخون الحس اللغوي والشعري جميعا".

من جهته قدم الشاعر شربل داغر في ورقته بحثا تناول فيه العلاقات بين الشاعر والقول الشعري، حيث رأى ان "هذه العلاقة يمكن التدليل عليها بالربط بين الشاعر بوصفه شاعرا وبوصفه كائنا اجتماعيا، وبين اسمها العائلي واسمه الفني، ان طلبنا الترميز، وبسرعة وابتسار نقيم التلازم بل التطابق بين هذا الاسم وقوله الشعري من دون تبين العمليات التحويلية بينهما بما تتيحه حسب المقاربات النفسية، من عمليات تكثيف وتحوير وتبديل وترميز وتصعيد وغيرها".

ولفت داغر إلى معاينات انتهى بها إلى طرح الاشكالية التالية: هل يمكن للدارس ان يتبين ما اذا كانت القصيدة العربية الحديثة اقامت في الفسحات التي اتاحتها انتقالة القصيدة من السماع الى القراءة؟ من الخطبة الى الكتاب؟ من التحكم الاجتماعي الوظيفي الى التدوين- التبليغ الفردي؟ وهل القصيدة تبنى وفقا لمهارة مستعملة وموظفة في الطلبات الاجتماعية، والأداء احتياجات خارجها؟ ام هي ممارسة اقرب إلى الفعل الفردي النرجسي احيانا -اذ يتمارى فيما ينظر إلى غيره- الذي ينتظم وفق تحديدات مغايرة، تقع بين الشاعر والقارئ العمومي؟".

وفي السياق ذاته رأى د.محمد عبد المطلب ان "ما يدور من الحوار حول قصيدة النثر وكأنها كانت غائبة حتى لحظة الحوار يبين فعل الحصار الذي ضرب حولها بوصفها ابداعا متمردا على تقاليد الشعرية العربية".

واضاف عبد المطلب "لقد أسس المناصرون لقصيدة النثر دعواهم على انها استجابة لزمنها لان ذلك يرشح مما سبقها من ارهاصات شعرية ونثرية قبل ان تستقر في منطقة الميلاد (لبنان)، وهو استقرار يستمد ركائزه من الوافد الغربي عموما، والفرنسي خصوصا".

وأكد عبد المطلب ان "اهم الاشارات التي صاحبت قصيدة النثر هي اشارتها(الايقاعية) بوصفها الركيزة المركزية التي استند عليها معظم الرافضين لها، ذلك ان هذه القصيدة اعتمدت النصية في اختيار الايقاع الذي يناسبها، من دون ان تحصر نفسها في ايقاع التفاعيل العروضية، ومن ثم اهملت الايقاع الجزئي، واتجهت إلى الايقاع الكلى الموازي لايقاع العالم، ونظرت في الايقاع بوصفه اداة لا بوصفه هدفا في ذاته".

ولفت عبد المطلب إلى الحوار حول قصيدة النثر مبينا ان "كل مرحلة شعرية تجرب وتغامر، ثم تتوقف، وتدعو غيرها إلى التوقف، وكأن التجريب والمغامرة وقف عليها، وهو ما دفع شعراء قصيدة النثر إلى التصدى لدولة الاحكام العرفية في الابداع، مطالبين بالخلاص من سيطرة القوالب السابقة، والخلاص من العزف على آلة واحدة اصابها الجمود".

وتطرق الناقد سعد البازعي ان "مصطلح "الآخر" متواتر في الخطابات العربية والاسلامية المعاصرة، وليس الثقافي منها فحسب، وانما الاجتماعي والسياسي ايضا، حيث تتوحد دلالاته عند المرجعية الغربية لتؤكد ان الآخر هو في المقام الاول الغرب بهيمنته السياسية والحضارية، الامر الذي يؤدي تبعا لذلك الى نشوء الحاجة الى التعرف على ذلك الحضور واتخاذ الموقف ازاء ما يعنيه".

واضاف البازعي "اذا كان التواتر سمة لحضور ذلك المصطلح فان التوتر سمة اخرى، نتيجة للمأزق الحضاري الذي يعيشه العالم العربي وشعور مثقفيه ومبدعية بالحاجة إلى البحث عن مخرج، فالآخر يأتي غالبا بوصفه المقابل للذات، المختلف عنها، الملتصق بها، ومن هنا يكتسب حضوره اهمية تتصل بالهوية والموقع الوجودي".

وقال البازعي ان "الآخر في الشعر العربي الحديث أخذ موقعه البارز لدى شعراء مهمين كثر عبروا بوصفهم مثقفين- بقدر ما عبروا بوصفهم مبدعين- عن مواقف متعددة افرزت عددا من التصورات والتمثيلات التي يمكن اعتبارها في نهاية المطاف جزءا من الموقف الثقافي العربي الاسلامي العام تجاه الآخر".

وفي الجلسة الثانية التي ترأسها محمد فتوح أحمد، قدمت دنيا ابو رشيد ورقة بعنوان "الحضور المصري في مجلة "شعر" اللبنانية، وقدم سيد فضل ورقة بعنوان "متعة التأمل وتأمل المتعة" كما قدم ماهر شفيق فريد "ورقة بعنوان "هل ما زال للشعر مكان في العصر الحديث".

تناولت ابو رشيد الحضور المصري في مجلة شعر اللبنانية من العام 1957-1970 التي اسسها يوسف الخال في العام 1957 في بيروت والتي توقفت عن الصدور في العام1964 ثم عادت للصدور في العام 1967 وللتوقف نهائيا في العام 1970.

ورأت ابو رشيد ان هذه المجلة استقبلت ما يزيد على مائة شاعر وكاتب عربي وأكثر من مائة شاعر وكاتب اجنبي، وكان لها خلال وجودها وبعد توقفها مناصرون وخصوم كثر في مختلف البلدان العربية، اذ منعت مثلا عن دخول العراق وسورية ومصر.

واضافت ابو رشيد "يبدو ان رصد الحقل الادبي المصري الراهن، منذ مطلع التسعينيات تحديدا يلقي الضوء على تطور وجهات النظر في المبادئ الطليعية التي طالما دافعت عنها مجلة شعر وناهضها معظم شعراء ونقاد مصر في الستينيات فالناقد والجامعي المصري صبري حافظ الذي هاجم بحدة مجلة شعر في العام 1965 من مجلة الآداب البيروتية.

من جانبه قال السيد فضل "لا يبدو ان قضية تأرجح الشعر بين القيم الجمالية والقيم الاخلاقية قد حققت تقدما من حيث الجوهر ابعد من هذا الخلاف القديم بين افلاطون وارسطو، افلاطون (التربوي) الذي رأى خطرا يهدد المجتمع "المثال" اذا استمع الناس فيه إلى شعراء يعمدون الى تقديم نزوات الانسان ومواطن الضعف فيه، إن لم يتطاولوا على الآلهة ايضا".

واضاف فضل ان "ارسطو المنتصر للشعر باعتباره اوفر حظا من الفلسفة واسمى مقاما من التاريخ. ومثل هذا الخلاف لا يمكن للباحث ان يحرز فيه تقدما يؤدي معنى الحسم او القطع بان احدهما كان على صواب والاخر جانبه التوفيق".

واكد فضل ان "الخلاف حول قيمة الشعر اذا نحينا جانبا ما يتطرف من الاراء هو تاريخ الخلاف حول موقع القيم الخلقية والقيم الفنية. لا يستثنى من ذلك خلاف من هذه الخلافات التي شهدها تاريخ الانسان في بحثه عن وسيلة لخلاصه وفي رؤيته للكون. ولفت إلى ان "هوراس" وهو يدافع عن الشعر متعقبا رواسب افلاطونية وشارحا دروسا ارسطية قد امتلأ يقينا بالقيمة الخلقية والقيمة الفنية فجعل النقد درسا من دروس الامر والنهي، وحديثه عن الجلال والزينة".

واختتم الندوة الناقد بالقول "في العام 1821 نشر الشاعر الناقد الروائي الانجليزي توماس لف بيكوك مقالة عنوانها "عصور الشعر الاربعة" سعى فيها إلى ان يبرهن على ان الشعر بطبيعته لابد ان يتدهور مع تقدم الحضارة، وأنه في عصور العقلانية والعلم- كالقرن التاسع عشر- لا يعدو ان يكون مفارقة تاريخية لانه قرين العقلية البدائية، والشاعر اليوم اشبه بنصف متبربر في عالم متمدين".

واكد فريد "ان التاريخ اثبت ان الشعر لم يفقد مكانه في الحياة الحديثة وان طغت عليه الرواية حينا والمسرحية حينا آخر بل والنقد الادبي في حين ثالث فقد ظهر في حقل الادب الانجليزي وحده منذ ذلك الحين- شعراء عظماء كتنسون وبروانبخ وييتس واليوت، وظل الشعر يحتل مكانا عليا في لوحة المشهد الادبي المعاصر".

التعليق