مي زيادة: مساواة بين الرجل والمرأة وريادة متميزة في الحوار الثقافي

تم نشره في الأحد 11 شباط / فبراير 2007. 10:00 صباحاً
  • مي زيادة: مساواة بين الرجل والمرأة وريادة متميزة في الحوار الثقافي

تصادف ذكرى ميلادها اليوم

 

حنان العتّال

عمان- أطلق عليها أدباء عصرها "عروس الأدب النسائي" لما كانت عليه من ثقافة وعلم، ونادت بتحرير المرأة من ظلم المجتمع لها وطالبت بحقوق المرأة المهدورة والتي نادت بها الأديان، والتي ساوت بين الرجل والمرأة ورأت أن من أهم حقوق المرأة التعليم الذي يهذب طباعها وينمي ملكتها. كانت مشحونة بحلم التنوير والتطوير ومأخوذة بالمعرفة. ومزودة بكنوز من تراثنا ومن الآداب العالمية في آنً.

ولدت ماري زيادة (التي عرفت باسم ميّ) في مدينة الناصرة بفلسطين العام 1886 ابنةً وحيدةً لأب من لبنان وأم سورية الأصل فلسطينية المولد. تلقت الطفلة دراستها الابتدائية في الناصرة, والثانوية في عينطورة بلبنان. وفي العام 1907, انتقلت ميّ مع أسرتها للإقامة في القاهرة. وهناك, عملت بتدريس اللغتين الفرنسية والإنكليزية, وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية. وفي الوقت ذاته, عكفت على إتقان اللغة العربية وتجويد التعبير بها. وفيما بعد, تابعت ميّ دراسات في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة.

وفي القاهرة, خالطت ميّ الكتاب والصحفيين, وأخذ نجمها يتألق كاتبة مقال اجتماعي وأدبي ونقدي, وباحثة وخطيبة. وأسست ميّ ندوة أسبوعية عرفت باسم (ندوة الثلاثاء), جمعت فيها - لعشرين عامًا - صفوة من كتاب العصر وشعرائه, كان من أبرزهم: أحمد لطفي السيد, مصطفى عبدالرازق, عباس العقاد, طه حسين, شبلي شميل, يعقوب صروف, أنطون الجميل, مصطفى صادق الرافعي, خليل مطران, إسماعيل صبري, وأحمد شوقي. وقد أحبّ أكثر هؤلاء الأعلام ميّ حبًّا روحيًّا ألهم بعضهم روائع من كتاباته. أما قلب ميّ زيادة, فقد ظل مأخوذًا طوال حياتها بجبران خليل جبران وحده, رغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة. ودامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا: من 1911 وحتى وفاة جبران في نيويورك عام 1931.

نشرت ميّ مقالات وأبحاثا في كبريات الصحف والمجلات المصرية, مثل: (المقطم), (الأهرام), (الزهور), (المحروسة), (الهلال), و(المقتطف). أما الكتب, فقد كان باكورة إنتاجها العام 1911 ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية, ثم صدرت لها ثلاث روايات نقلتها إلى العربية من اللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية. وفيما بعد صدر لها: باحثة البادية, كلمات وإشارات, المساواة, ظلمات وأشعة, بين الجزر والمد, والصحائف.

وفي أعقاب رحيل والديها ووفاة جبران تعرضت ميّ زيادة لمحنة العام 1938, إذ حيكت ضدها مؤامرة دنيئة, وأوقعت إحدى المحاكم عليها الحجْر, وأودعت مصحة الأمراض العقلية ببيروت. وهبّ المفكر اللبناني أمين الريحاني وشخصيات عربية كبيرة إلى إنقاذها, ورفع الحجْر عنها. وعادت ميّ إلى مصر لتتوفّى بالقاهرة في 19 تشرين الثاني (نوفمبر).

عاشت مي في الحب قصة غريبة عجيبة لم يعشها في هذا الكون ربما إلا هي وكان قد شاركها في هذه القصة جبران، فقد عاشا الحب والعذاب لمدة تقارب تسعة عشر عاماً، ولكنها كانت على الورق فقط.. تعرضت مي لمؤامرة حاكها لها أمير مغربي اسمه محمد الجزائري كان ينزل مصر لزيارتها، فاتخذ فيها مقراً للإقامة وحاشية تحفه أينما سار من الطلبة المغربيين الذين كانوا يدرسون في الأزهر، تعرف الأمير الشاب على مي من خلال صديقهما المشترك "جبران خليل جبران"، وتعددت زيارته لصالونها كل ثلاثاء، وأخذ الحب من قلبه مأخذه فتآمر على مي بالاتفاق مع خادمها ليساعده على خطفها على حصان أبيض! لولا أن الخادم اعترف لمي بالمؤامرة، فقامت هي بدورها بإبلاغ الشرطة التي أعدت للأمير كميناً، وتم القبض عليه، وعلى حاشيته التي أحاطت ببيت مَيّ وكذلك على الحصان الأبيض الذي أعده الأمير لتركبه مَي.

ويقول الروائي فخري قعوار إن مي زيادة تعتبر من النساء العربيات الأوائل اللواتي بدأن بالكتابة، وهذه خطوة جريئة ومميزة حيث كانت لها أهمية في كتاباتها وفي علاقاتها الاجتماعية والثقافية والعاطفية. وهي سيدة مميزة ونادرة ممن حيث كانت لها علاقات معروفة مع بعض الأدباء المعروفين في لبنان ومصر. وكانت تبادر إلى المواظبة على صالون أسبوعي يجمع نخبة كبيرة من الأدباء والأديبات من مختلف الجنسيات.

أما الروائي هاشم غرايبة فيقول إن أهم إنجاز لمي زيادة هو ريادتها في بدء حوار ثقافي متميز من خلال صالونها الأدبي الذي استقطب عددا من الأدباء. وتعتبر زيادة من الطليعات في الثقافة، والجانب المؤثر في جيلها أنها كانت عامل تفعيل بين المثقفين. ومي زيادة كانت مساهمة في الحركة التنويرية والثقافية. ولا يمكن التحدث عنها من دون التطرق لعلاقتها مع جبران الذي يعد أحد أهم الأدباء عربياً وعالمياً. 

وتذكر بعض الآراء ان نهاية مَي لم تكن مشرقة كبدايتها حيث بدأ إشراقها يذبل رويداً رويداً حتى خفت فاختفى، وراوحت الآراء في تحديد أسباب انهيار مي الذي أدى بها في كل الأحوال إلى المكوث في مستشفى "العصفورية" للأمراض النفسية في بيروت.

توفيت مي ما بين (1941-1945) ولم يحدد تاريخ الوفاة ـ في المعادي، ودفنت هناك. وفي تشييعها يقال إن العقاد وقف على قبرها باكياً وقال: "كل هذا التراب ... آه من هذا التراب".

التعليق