مقاربات فلسفية في ثنائية "الدين والسياسة " تعاين "السلطة" وتربطها بأحداث التاريخ

تم نشره في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2007. 10:00 صباحاً
  • مقاربات فلسفية في ثنائية "الدين والسياسة " تعاين "السلطة" وتربطها بأحداث التاريخ

في ندوة ينظمها مجلس الوزراء القطري بالتعاون مع "منتدى الفكر العربي"  على مدار يومين

 

     زياد العناني

   عمان- تنطلق في الدّوحة فعاليات ندوة "دوْلـة السّلطة وسلطة الدّوْلة" التي ينظمها منتدى الفكر العربيّ يومي 24 و25 كانون الثّاني (يناير) 2007 في فندق شيراتون(الدوحة). ويبدأ اليوم الأوّل: الأربعاء 24 كانون الثّاني(يناير) بالجلسة الافتتاحيّة التي تحتوي على كلمة رئيس مجلس الوزراء سموّ الشّيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني وكلمة رئيس المنتدى وراعيه سموّ الأمير الحسن بن طلال. تليها جلسة العمل الأولى التي يترأسها د. عبد العزيز عبد الله تركي السبيعي (قطر) ويقدم فيها الورقة الرّئيسيّة . د. ناصيف نصّار (لبنان) بعنوان "سلطة الدّولة بين المبدأ والواقع" ويطرح فيها مقاربة فلسفية لمشكلة السلطة خصوصا السياسية حيث يرى "انها تتميز عن المقاربتين الدينية والايديولوجية وحاجة الفكر العربي جوهرية اليها لانه يفتقدها لمصلحة المقاربتين الدينية والايديولوجية اضافة افتقاده الى القاعدة النظرية العقلية الصلبه اللازمة لتأسيس الحياة السياسية ومؤسساتها".

حيث يرى ناصيف ان السلطة السياسية سلطتان: سلطة الدولة وسلطة الحاكم الاولى هي الاصل والثانية هي الوكيل وان اكبر الاخطاء السياسية يكمن في دمج هاتين السلطتين لمصلحة الثانية.

ويتابع المشاركون اعمال الجلسة العمل الثانيّة التي يترأسها . د. عبد الله بن الصالح العثيمين (السعوديّة) ويقدم فيها الباحث فهمي هويدي (مصر) ورقة بعنوان "خصائص السُّلطة في التّصوّر الإسلاميّ" يطرح فيها

 خمسة أمور من المهم الاتفاق حولها قبل التطرق الى محاولة رصد خصائص السلطة في التصور الإسلامي، وهي: أنه ينبغي تجاوز الجدل حول ثنائية الدين والسياسة، وحكاية استغلال الدين لتحقيق اغراض سياسية، ذلك أن الذين يرددون مثل هذه المقولات أما أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، أو أنهم يتحدثون عن عالم آخر غير عالم الإسلام. وأن السلطة في الدولة الإسلامية ليست سلطة دينية بالمفهوم الشائع في التجربة الغربية، لسبب جوهري هو أنه ليس في التصور الإسلامي مؤسسة دينية لها كيان وسلطان يماثلان ذلك الذي توفر للكنيسة في الخبرة الغربية واننا يجب أن نكون واعين بالفرق بين التصور الإسلامي للسلطة، وبين سياسة المسلمين لها، وهو ذاته الفرق المفترض بين مقتضى التعاليم وخبرة الواقع، وبين ما يدعو إليه الإسلام (النموذج والمثل) وبين سلوك الافراد والجماعات (التاريخ).

مبينا ان هذه التفرقة مهمة في مناقشة الموضوع، لأن التصور الإسلامي يناقش اعتماداً على المرجعية الإسلامية، المتمثلة اساساً في القرآن والسنة، ولا يحتج فيه بالتاريخ. لسبب جوهري هو أن التعاليم هي التي تحاكم التاريخ وليس العكس، حيث لا يحتج على الإسلام المنزل بأحداث التاريخ وافعال البشر، وانما يحتج على البشر ويقاس صوابهم أو خطؤهم بمقدار التزامهم بنص وروح التعاليم المنزلة. ولأن السلطة في التصور الإسلامي ذات طابع رسالي، فإنها تتفاعل مع المجتمع ولا تأمره، فترشده ولا تقهره، وتربيه ولا تغصبه. والصورة النمطية التي تروج لها وسائل الإعلام والممارسات الساذجة في بعض بلاد المسلمين (حركة طالبان أو تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال مثلاً) شوهت كثيراً الدور الذي تقوم به السلطة في إدارة المجتمع المسلم.

ويشير هويدي الى "اجتهادات الفقهاء" مبينا انها ترسم صورة أكثر اتزاناً واشراقا في كيفية إدارة حركة التغير في المجتمع. خصوصا وانهم  استلهموا من المرجعية الإسلامية حقيقة استحالة التغير الاجتماعي بين يوم وليلة، أو بالأمر والقهر. ووجدوا في المنهج القرآني وفي سلوك النبي عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته أن التغيير في المجتمع يسترشد بقواعد ثلاث هي: التدرج الذي هو من سنن الحياة وضرورات تصديق السلوك الاجتماعي ( الخمر حرمت على أربع مراحل)_ الضرورات التي تبيح المحظورات – ترتيب الأولويات والموازنة بين المصالح والمفاسد وبين المفاسد باختلاف درجاتها، على النحو الذي يحتمل القبول بمفسدة اصغر توقيا للتورط في مفسدة اكبر (حادثة ابن تيمية الذي لم ينه التتار عن شرب الخمر، حتى ينصرفوا عن اراقة دماء المسلين).

ويرى هويدي ان "خصائص السلطة في المجتمع الاسلامي، تتفرع عنه مجموعة من الخصائص الأخرى في مقدمتها ثلاث هي: اعتبار الامامة عقد بين السلطة والمجتمع – وضرورة الالتزام بالشورى التي هي اساس النظام السياسي – ثم تحريم الظلم وتقنين الحق في مقاومة الجور- وتفصيل هذه الخصائص كما يلي: الامامة عقد . هكذا صاغ الفقهاء علاقة الحاكم بالمجتمع".

ويستشهد هويدي ببحث الدكتور عبد الرزاق السنهوري، الفقيه القانوني الأشهر في العالم العربي حول مسألة عقد الامامة كما عرضها الفقهاء، الذي خلص إلى أنه "عقد حقيقي، مستوف للشرائط في الناحية القانونية. ووصفه بأنه مبني على الرضا. وأن الغاية منه أن يكون هو المصدر الذي يستمد منه الإمام سلطته. وهو تعاقد بين الأخير وبين الأمة".

كما يشير هويدي الى مواضع أخرى وهي أن "مفكري الاسلام ادركوا جوهر نظرية "روسو" التي تقول أن الحاكم أو رئيس الدولة يتولى سلطاته بحسبانه نائباً عن الأمة، نتيجة لتعاقد حر بينهما".

ويلفت هويدي الى ان السنهوري أضاف "أنه رغم الاتفاق حول جوهر فكرة العقد بين فقهاء المسلمين وبين روسو، إلا أن الأخير تكلم عن العقد فإنه اعتبره افتراضا، وحالة تخيلها من صور ماضية سحيقة، ولا يوجد عليها برهان تاريخي. في حين أن نظرية العقد الاسلامية تستند إلى ماض تاريخي ثابت، هو تجربة الأمة خلال العصر الذهبي للإسلام، وهو عصر تجربة الخلفاء الراشدين".

ويشير هويدي الى الخبرة المغاربية حيث يرى "ان الفقهاء في بعض الحالات كانوا يبايعون الامام أو الخليفة على عهد مكتوب، يحدد التكاليف التي عليه أن ينهض بها. ولأن كل عقد يتم بايجاب وقبول، فإن الفقهاء ركزوا طويلاً على اهمية "البيعة" التي اعتبروها في أزمتهم صيغة القبول المتعارف عليها. وقد وفرت وسائط التعبير الحديثة وسائل أخرى عديدة للتثبت من رضا الناس عن الحاكم أو غيره من اركان السلطة الذين يفترض فيهم تمثيل الامة".

ويؤكد هويدي ان "الشورى واجبة وملزمة. وهي حجر الاساس في النظام السياسي الاسلامي. وقد عرفها بعض السلف بأنها مذاكرة أهل الرأي واتباعهم. أما كيف تكون "المذاكرة"، وكيف يتم الوصول إلى أهل الرأي، وما هي الصيغة أو ما هو الاطار الذي يجمعهم، فهذا امر متروك لأهل كل زمان، اذ المهم - مرة أخرى- هو القيمة والمبدأ وليس الشكل".

وفي السياق ذاته يشير هويدي الى ان هناك سورة باسم الشورى في القرآن اضافة الى النصوص المتعددة التي تحدثت عن قيمها واهميتها، مركزا على آية بذاتها في الموضوع، وردت في سورة الشورى (28) هذا نصها: "والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون"، مبينا ان "هذه الآية التي تتحدث عن صفتين اساسيتين للمؤمنين، هما اقامة الصلاة واجراء الشورى بينهم. تسوغ هذا التلازم بين الصلاة والشورى ويمكننا من الادعاء بأنه إذا كانت الصلاة عماد الدين - حسب الحديث النبوي- فإن الشورى هي عماد الدنيا".

ويقدم هويدي ملاحظة اخرى وهي أن الحديث عن الشورى لا يقصد به فقط أن تكون الركن الاساسي في النظام السياسي، وإنما اريد بها ايضا ان تكون جزءا من ثقافة المجتمع ومنهجا متبعا في ادارة شؤونه. يثير البعض السؤال: هل الشورى ملزمة أم أنها معلمة فقط؟.

ويزيد هويدي "توزعت آراء الفقهاء بين مؤيد للإلزام ومدافع عن مجرد الاعلام. والاكثرية كانت في صف الالزام الذي ندافع عنه. وقد طرح الاستاذ عبد القادر عودة في كتاب الاسلام وايضا عن السياسة سؤالا وجيها في هذا الصدد هو: إذا لم تكن ملزمة، فلماذا تقررت إذن؟ وتقنين مقاومة الظلم يترتب على اعتبار الامة مصدر السلطات حقها في محاسبة السلطة ومساءلتها. واعتبر الامام ابو حامد الغزالي، وفقهاء كثيرون غيره، أن محاسبة الحكام ورفض مظالمهم من أهم استحقاقات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد تفرد التصور الاسلامي في صياغته لعلاقة المجتمع بالسلطة بنظرة ذهبت بعيداً في تقرير الحق في مقاومة الجور. ذلك أن مواطني الدولة الاسلامية مطالبون بطاعة أولي الامر، ما لم يؤمروا بمعصية، وإلا فلا سمع ولا طاعة. بالتالي فإن الاسلام يقضي بربط الالتزام بطاعة القائمين على السلطة بالتزام هؤلاء باحكام الشرع، أي بالقرآن والسنة.. وهذا مؤداه سلخ السلطة عن اشخاص القائمين عليها لاخضاع ممارستها لدستور مسبق هو كتاب الله وسنة رسوله. (د. محمد طه بدوي - بحث في النظام السياسي الاسلامي ردا على المستشرق الانجليزي توماس ارنولد)".

ويعتبر هويدي إن في عنق المسلم في ظل الدولة الاسلامية التزاما قانونيا بمقتضى الشرع "بمقاومة الجور. أي بحمل القائم على السلطة على مراعاة النظام القانوني الاسلامي. وهذه المقاومة تصل في حدها الاقصى إلى خلعه، أي بفسخ عقد الامامة، أما اضعف درجاتها فتتمثل في رفض الامتثال لأوامر السلطة الجائرة، وهو ما يعرف بالمقاومة السلبية".

ويضيف "هذا الالتزام القانوني بمقاومة الجور بالنسبة للمسلم، فرداً أو جماعة. هو من اقوى ضمانات الرقابة الشعبية، التي لا يحتكم المسلم فيها إلا لضميره والى دستور الاسلام، أي بنظامه القانوني. وكل ذلك بعيداً ومستقلا عن مؤسسات سلطة الدولة الاسلامية وفي مواجهتها. وهكذا يكون الفصل في ظل النظم القانوني الاسلامي بصدد الرقابة على شرعية اوامر السلطة هو في النهاية للشعب المسلم افرادا وجماعات، لا يحتكم فيها إلا للقيم الاسلامية. فلا يترك امرها في النهاية إلى أجهزة السلطة لتكون حكما وخصما معا، كما هي الحال في ظل الدولة الغربية المعاصرة".

التعليق