"في محاولة مني" لصباح زوين : غياب وحضور ودهشة الصور المتلاحقة

تم نشره في الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2007. 10:00 صباحاً

 

  بيروت - في مجموعة الشاعرة اللبنانية صباح زوين الاخيرة التي حملت عنوان "في محاولة مني"، صور متلاحقة كغمامات لطيفة متتابعة.. ولوعة وحزن ودهشة وتبادل غريب للادوار بين الغياب والحضور بل تشابه تضيع فيه الحدود بين الاثنين.

وفي الصور الفنية الموحية هذه التقاط مرهف لحالات من الغربة وابرازها في اشكال او رموز مادية وفي حالات نفسية كذلك. وترسم هذه الصور ما يشبه دهشة الاطفال حينا.. وحزنا وشبه يأس وهما حصاد يرافقنا في اعمار ابعد من الطفولة اي انه من فعل احزان تنتج عن حركة الزمن المتراكضة وقد انعكست في النفس الانسانية.

  لكن هذه الصور الجميلة على كثرتها وتتابعها تبدو اقرب الى تنويعات لحالات تتشابه في منطلقاتها وكثير من سماتها لكنها مع ذلك لا تخبو ولا تزحف اليها ميكانيكية او برودة بل تبقى في مجملها تحمل في تضاعيفها حرارة هي سمة حياة. وتبقى المجموعة اقرب الى قصيدة واحدة على رغم ما يبدو من اختلاف في تموجاتها التي لا تلبث ان تتضافر لترسم ما يشبه بحيرة صغيرة هادئة تدخل احزانها النفس دون عصف اي بهدوء نفاذ.

والمجموعة -وهي تاسع كتب صباح التي صدر بعضها بالعربية والفرنسية والاسبانية- صدرت في نحو 80 صفحة متوسطة القطع عن دار نلسن.

  تبدأ صباح زوين بصورة موحية قد يواجه الانسان ما يذكره باجوائها عندما يكون في سفر وغربة ووحدة. اننا هنا لا نعود نعرف ما اذا كان من نراه هو آخر ام انه نحن في انعكاس غريب مسرحه عالم النفس. هل "انا التي تقف امام اثنتين اخريين ..امام غريبتين.. ام ان انا هذه تقف امام انا اخرى".

وكما في كثير من صور المجموعة لا يبدو المكان محددا تماما بل ان ما يبرز من سماته وقسماته يوحي بأماكن مختلفة يجمعها كونها اوروبية حينا وغربية اجمالا وغريبة تختصرها كلمة هناك فكأنها مرادف لكلمة الاخر.

تقول "صورة ريمبو كيف وجدتها ايضا هناك:

"ومرقت طيفا في شوارع هناك

الوقت ليس لنا

الامكنة غائبة

وتزيدني غيبوبة امرأتان على رصيف المحطة

امرأتان بقيتا واقفتين تتشابهان حدقتا فيّ من خلال شباك القطار".

وتقول في مراوحة بين ما هو واقعي وما هو حالة نفسية اعلى منه واكثر ضبابية.. او في مزاوجة بين الحالين:

"على رصيف المحطة اخذ يخبو طيفي

كان الوقت عصرا

والمدينة توارت

هناك بقي شيء مني

حركة يد والجلوس للفطور".

  ويتحول الواقع الى صور متلاحقة ليست بغريبة اصلا لكن الشاعرة اذ تقدمها تبدو لنا كأنها تمر من خلال عيني طفل يرمق العالم من خلال نافذة مركبة مسافرة وفي ما يبدو حالة هي بين النعاس والدهشة.. وهي هنا ترتفع بالعادي ليصبح كأنه تصوير نسجته المخيلة.

تقول :

"في مقصورتي لازمت مطرحي طوال الوقت

وجهي لاصق بالخارج

حيث رأيت خيام السياح في ربيع بارد

ورأيت رجالا عاديين

وبيوتا متاخمة لسكة الحديد".

في مجال اخر تنتقل من الواقع والمحسوس الى ما هو ابعد منه حيث تقول:

"بجسدنا الاليم

نختصر ايامنا

وبالتفاتة مني

بقي كل المعنى هناك

سمعنا انغاما مقلقة

وجلسنا لساعات ازاء بعضنا

في اصيل مائل الى الازل".

  المجموعة تحفل بأجواء شعرية تصويرية كهذه. وفي عملية شرح نادرة توضح لنا صباح اهمية ما تقع عليه العين وسرعة انتقاله الى المخيلة او الى اعماق النفس. وفي شيء من البرودة النادرة في المجموعة وقد فرضتها ضرورة تقريرية تقول:

"بضعة ايام تكفي لدفع لغة

صورة قطار تكفي لبناء قصيدة

مطر قليل يكفي لامتداد كتابي

مشهد امرأتين يكفي لايحاء طويل

بضعة ايام في بيت تكفي لتملاني كتابة

لحظة موت تشبه الازل في مطبخ بارد".

التعليق