المقاهي الشعبية الحديثة: بين الحنين إلى مقهى حمدان ومخاطر السلوكيات السلبية

تم نشره في الخميس 4 كانون الثاني / يناير 2007. 09:00 صباحاً
  • المقاهي الشعبية الحديثة: بين الحنين إلى مقهى حمدان ومخاطر السلوكيات السلبية

 

اسلام الشوملي

عمان- عرفت المقاهي الشعبية الناشطة سياسيا واجتماعيا في عمان منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وكانت تتسم بطابعها الذكوري، ولكن مع تطور الحياة الاجتماعية في العاصمة، تلاشى هذا الدور المهم.

وتشهد عمان حركة إحياء خجولة لدور المقهى السياسي والثقافي مع اعتراف أصحاب المقاهي الجديدة أن التغيرات الاجتماعية والسياسية وانتشار مفهوم الكوفي شوب كبديل عن المقهى الذكوري التقليدي أقوى من طموحاتهم.

انتهت الحياة التاريخية لمقهى حمدان الذي شهد أحداثاً مهمة قبل عامين تقريباً عندما تدخلت أيدي المستثمرين لهدم المبنى واستغلال الموقع وسط عمان لبناء مشروع استثماري.

وكان هذا المقهى الشهير قد احتضن مؤتمرين وطنيين عامي 1928 و1929، وذلك بعد سبع سنوات من نشوء إمارة شرق الأردن. وكانت تلك الملتقيات بمثابة بداية للحياة التشريعية والتعددية الحزبية والسياسية في المملكة.

وقد تخطى مقهى حمدان حدود المقهى التقليدي حتى في ذلك الزمان وتخلد اسم المكان في مذكرات كبار الساسة الأردنيين ومؤرخي تلك الفترة من تاريخ البلد.

شاب أردني أراد أن يحيي اسم مقهى حمدان على الأقل، فافتتح مقهى شعبيا يحمل هذا الاسم في بداية شارع الجاردنز.

ويقول صاحب الفكرة والمكان، خالد الجعار، (35 عاما) "كان والدي وأعمامي من رواد مقهى حمدان وحاولت في المقهى نقل تجربة مقهى حمدان لموقع جديد من عمان الغربية".

وساهم الاسم بحسب الجعار في جذب عدد من رواد المقهى القديم من الرجال المسنين، إضافة إلى أن المقهى جذب أيضاً رواداً من الجيل الشاب. يقول "يجمع المقهى شباب الجامعات والموظفين والمحامين والصحافيين والأطباء إضافة إلى كبار السن".

ويعد مقهى الصحافة في شارع الملكة رانيا من التجارب التي تسعى لبناء هوية خاصة للمقهى وجذب المثقفين والصحافيين خصوصا.

ويبين مالك المقهى، وهو شاب عشريني اسمه نائل اللوزي، أن اختياره للموقع جاء نتيجة غياب المقاهي الشعبية عن المناطق المشابهة.

أما فيما يتعلق بتسميته بمقهى الصحافة فجاءت، بحسب صاحب المقهى، مستمدة من الشارع نفسه الذي يعج بالصحف. فعلى امتداد نفس الشارع تقع جريدة الدستور وجريدة الرأي وجريدة العرب وغيرها من الاسبوعيات.

ونجح المقهى، والذي استمد طابعاً شعبياً مميزاً له يعيد الجالس فيه إلى خمسينيات القرن الماضي، في أن يكون مقصداً لعدد من الصحافيين والمحامين وغيرهم من أصحاب المهن. وهذا ما يؤكد عليه صاحب المقهى الذي يصنف زبائنه بأنهم من الفئة العمرية فوق 25 عاماً. وفي رأيه أن هذا "يؤمن الجو الهادئ بعيدا عن انفعال المراهقين وضجيجهم، الأمر الذي يلائم الشباب الناضجين وحتى كبار السن من المتقاعدين".

ويرى اللوزي أن المقهى استطاع أن يجذب روادا من مختلف الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية ممن باتوا زبائن دائمين تربطهم به وبالمكان علاقات قوية، مشيرا إلى ما تتميز به المقاهي الشعبية من أسعار مناسبة للجميع.

ورغم ان المقهى الشعبي متعارف عليه كمقهى ذكوري، إلا ان هذا لم يمنع عدد من الصحافيات من دخول المقهى، لا سيما في الفترات الصباحية ولو كان ذلك بهدف استكشافي. وقد دفع هذا باللوزي صاحب المقهى إلى فصل طاولة خاصة بالجنس اللطيف.

ويمنح المقهى جوا مريحاً للمحامي محمد عبدالمجيد الذي يجد في المقهى متسعا للابتعاد عن مشاغل الحياة لا سيما بعد يوم عمل شاق. وهو يقول "المقهى قريب من مكتبي في شارع الملكة رانيا كما هو قريب من منزلي كذلك".

ويجد هذا المحامي الشاب ان الاعتياد على ارتياد مقهى معين يوفر مسألة الرفقة إذ يشعر أنه في منزله وبين عائلته في أي وقت يقصده بحكم العلاقات التي تنشأ بين رواد المقهى.

ورغم ما يوفره المقهى من وسائل تسلية كلعب الورق وطاولة الزهر إلا أن عبد المجيد (27 عاماً) يقصد المقهى، شأنه شأن عدد من زملائه المحامين، لتبادل أطراف الحديث وتدخين أرجيلة التمباك. وهو يجد أن الفكرة السائدة حول أن ارتياد المقاهي مرتبط بقتل الوقت هو تعميم خاطئ مجانب للحقيقة.

يقول هذا المحامي إن كثيرا من أصدقائه رواد المقهى هم من حملة الشهادات العلمية وأصحاب الأعمال الناجحين. ويقول إن الاجتماع مع هذه النوعية من الشباب تغلب عليه "الأحاديث العامة والمهمة التي يجري من خلالها تناول الاوضاع السياسية والاقتصادية اضافة للحديث في مجال المهنة التي تجمع بعضهم".

أما حسام الكيلاني (28 عاما)، وهو مسؤول مبيعات في إحدى الشركات، فيفضل الجلسة البسيطة والهادئة في المقاهي الشعبية إذ يجد أن الجو الهادئ يتوفر في المقاهي الشعبية ذات الطابع القديم التي يتسم روادها بـ "البساطة" على حد تعبيره.

ويقول "أرتاد المقهى للعب طاولة الزهر واستمتع بصوت أم كلثوم أو عبد الحليم حافظ ويجذبني تجمع الاصدقاء".

ومع ذلك يظل المقهى الشعبي مختلفا عما كان عليه في فجر الدولة الأردنية وصباها. يعترف أصحاب المقاهي الجديدة أن الدور السياسي والثقافي للمقهى الشعبي بات غائبا فمقاهي اليوم لا تشبه في وظيفتها أبداً مقاهي الأمس.

فالسمة الاجتماعية، من وجهة نظرهم تغلب على جميع أدوار المقهى الأخرى، وهو الأمر الذي يجده أصحاب المقاهي مبررا بوجود مقرات للأحزاب السياسية الأمر الذي ساهم في تلاشي الدور السياسي للمقهى، وإن حافظت بعض المقاهي العمانية على بعض أدوارها الثقافية.

والأمر الذي لا يمكن تجاهله هو تزامن تراجع أعداد المقاهي الشعبية في الأحياء القديمة مع موجة ظهور الكوفي شوب في بداية التسعينيات من القرن الماضي. ويرى أصحاب المقاهي الشعبية الحديثة إن مقاهيهم تعيد التوازن للحالة، مؤكدين على أن انتشار الكوفي شوب لم يلغ أساسا صورة المقهى الشعبي كلياًَ، إذ حافظت بعض مقاهي وسط البلد على وجودها.

ويذكر أن قائمة هذا النوع من المقاهي تقتصر على المشروبات التقليدية بأنواعها الباردة والساخنة كالشاي والقهوة والكاكاو والزهورات كما تقدم المشروبات الباردة أيضا. ويشكل تدخين الأرجيلة طقسا مهما من طقوس زيارة المقاهي في العاصمة الأردنية، ويعد هذا الطقس من أهم عوامل ارتياد كثيرين للمقهى.

يبقى أن البراءة والبساطة التي توصف بها المقاهي الشعبية ليست مطلقة، نظرا لسلوك بعض الزبائن وأصحاب المقاهي.

يرتاد البعض المقهى للعب الورق أو طاولة الزهر أو الدومينو. وهذه تقود في بعض الأحيان إلى عقد بعض المراهنات بين أطراف اللعب تكون نتيجتها أن يدفع الخاسر في اللعب قيمة المشروبات التي تناولها الجميع.

ويذكر الشاب شفيق نعمة، صاحب مقهى المطار في ماركا، أن المراهنات التي تحدث في كثير من المقاهي أثناء لعب الورق تتجاوز المراهنات البريئة التي يدفع فيها الطرف الخاسر قيمة المشروبات التي تناولها الجميع لتتجاوز ذلك إلى لعب القمار، بعلم من صاحب المقهى الذي يضاعف بدوره حساب الطاولة بالقدر الذي يراه مناسبا في هذه الحالة وهو الأمر الذي يسيء للمقهى وصاحبه ورواده، بحسب نعمة.

ويقول نعمة الذي أنهى دراسته الجامعية في مجال العلوم المالية والمصرفية إن هذه السلوكيات السلبية قد أدت تاريخيا إلى تشديد الأنظمة الحكومية المتعلقة بترخيص المقهى تجنبا للمشاكل الاجتماعية والأخلاقية، وبالتالي عطلت من حركة نشوء مقاه تلعب دورا ثقافيا واجتماعيا معقولا.

بالنسبة لشفيق نعمة، قد لا تستطيع المقاهي الشعبية الحديثة أن تعيد دور مقهى حمدان، ولكن على الأقل لا يجوز أن تكون وكر قمار وأمكنة ترتبط بقيم اجتماعية سلبية، مثل قتل الوقت في نشاط غير مفيد وأحاديث فارغة.

التعليق