الحركة المسرحية الأردنية بين الظاهرة الاحتفالية الموسمية والاستراتيجية الثقافية

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006. 10:00 صباحاً
  • الحركة المسرحية الأردنية بين الظاهرة الاحتفالية الموسمية والاستراتيجية الثقافية

 

عمّان- تَشهد الحركة المسرحية الأردنية انتعاشا على أكثر من صعيد وذلك من خلال المهرجانات العديدة التي تنظمها وزارة الثقافة أو القطاعات الموازية في مؤسسات المجتمع المدني التي تهتم بهذا الحقل الإبداعي في مجالات مسرح الطفل والشباب والمحترفين.

وفي هذا الصدد أكد نقاد وكتاب وأكاديميون ومخرجون مسرحيون أردنيون على ملامح تطور الحراك في الحياة المسرحية المحلية الذي بدأ يلوح في الأفق بفعل وجود مثل هذا العدد الوفير من الاحتفاليات المسرحية التي تشهدها العاصمة خلال العام.

ففي لقاء مع وكالة الأنباء الأردنية يقول أمين عام وزارة الثقافة الشاعر جريس سماوي ان الوزارة في طريقها إلى تنظيم وتنسيق عمل المهرجانات المسرحية بحيث يجري تطوير سائر تفاصيلها سواء ما يتعلق بإدارتها أو في اختيار الكفاءات المتخصصة واشراكها في اللجان التي تحكم قواعد واسس تنظيم تلك المهرجانات التي ترفع من سويتها مثل لجان الاختيار والمشاهدة وقراءة النصوص والتحكيم وسواها.

ويضيف ان عملية النهوض بالمسرح الاردني غدت اليوم من اولويات عمل الوزارة حتى نضع اعمالنا المسرحية في صدارة المشهد المسرحي العربي.. وستبدأ الوزارة بالاهتمام بدعم ورعاية وتوزيع العروض المسرحية المحلية على كافة مناطق المملكة كما ستعمل على وضع خطة تعنى بتكوين الممثل المسرحي واعداده وكل ما يتعلق بتقنيات المسرح عبر تنظيم ورش عمل وتدريب متخصصة بإدارة خبراء وكفاءات مشهود لها في هذا المضمار.

من ناحيته يشير المخرج حاتم السيد الذي يعد من ابرز رواد الحركة المسرحية الأردنية الى ان مهرجانات المسرح قد لا تعبر بالضرورة عن واقع النشاط المسرحي على الوجه الأكمل بعكس ذلك النشاط القادم بفعل وجود مواسم مسرحية مزدهرة تبدأ في تاريخ معين وتنتهي في وقت لاحق.

ويطالب بالاستمرار في تقديم وإعادة العروض المسرحية وخصوصا تلك التي تحظى بتقييمات النقاد واعجاب الجمهور والعمل على وضع أسس وأحكام خاصة تنظم العروض.. ومسؤولية ذلك تقع على القائمين على المسرح المحلي كما يقول.

ويدعو الى الاهتمام بالمبدعين المتخصصين بهذا الحقل ممن لديهم القناعة التامة بالنهوض بالمسرح كأداة ثقافية تساهم في تنمية المجتمع.. وتمنى السيد على وزارة الثقافة والمؤسسات المعنية بهذا المجال أن تجعل من المسرح الأردني في صلب استراتيجية فعلها الثقافي والإبداعي وفي قائمة خططها المستقبلية.

ويعتبر المخرج المسرحي حكيم حرب من وزارة الثقافة ان ظاهرة المهرجانات في بداية حقبة التسعينيات من القرن الماضي كانت صحية حيث أفرزت العديد من القدرات والمواهب التي رفدت الفعل المسرحي المحلي ودفعت به في اتجاهات ومدارس وتيارات مختلفة.. لكن ذلك بدا أخيرا وكأنه نشاط وظيفي لا أكثر ولا اقل وخرج البعض منها عن نطاق أهدافها الحقيقية ولم يعد يتواصل مع المبدع المسرحي المحلي.

ويقول حرب صاحب العديد من الأعمال المسرحية اللافتة والتي جالت في مهرجانات عربية ودولية ونال عنها الكثير من الجوائز وثناء النقاد.. اننا اليوم بحاجة ماسة إلى وقفة حقيقية في السؤال عن الأسباب الكامنة وراء غياب رواد المسرح الأردني الذين لهم فضل كبير في تفعيل المشهد المسرحي وكأن ما يجري بحسب حرب هو إقصاء لتلك الطاقات الإبداعية.

ويدعو الجهات الرسمية والمؤسسات الخاصة المعنية بالحياة المسرحية إلى العمل على ترتيب البيت المسرحي الأردني والنظر إلى العوائق التي يصطدم بها قبل أن نتجه إلى الآخرين وايجاد معالجة حقيقية لمكامن الأزمة التي يعاني منها المسرح الأردني مثل إقصاء المسرحيين الموظفين في وزارة الثقافة أو العاملين في القطاع العام عموما حيث تعتبر مشاركة أولئك المبدعين تتعارض مع الأنظمة والتعليمات التي تحكم الوظيفة العامة وصار من الضروري أن يجري تعديل تلك البنود بغية تفعيل الحياة المسرحية خصوصا والعمل الإبداعي عموما.

ويشاطر الكاتب المسرحي مفلح العدوان المخرج حرب في وجود بعض العشوائية في المشهد المسرحي المحلي سواء في زخم أو سوء توزيع المهرجانات المسرحية على مدار العام حينا وخمول وتلاشي في فترات من العام نفسه حينا آخر.

ويعتبر ان المسرح الأردني يفتقر إلى أسس التعامل الجدي والرصين مع المهرجانات التي يجب أن تكون محفزة لسائر الجهود الإبداعية في هذا المضمار وانه لمن المؤسف أن نجد هناك عدم وضوح وجدية من بعض المسرحيين أنفسهم تجاه العمل المسرحي وشروطه الإبداعية والجمالية.

ولتلافي ذلك يطالب العدوان بسرعة القيام بمأسسة المهرجانات والاحتفاليات المسرحية والاستفادة من تجارب الغير في الدول الشقيقة والصديقة والعمل على التنسيق بين كافة القطاعات المعنية بالحراك المسرحي وان يجري استدعاء المبدعين المسرحيين الحقيقيين والمعنيين بمثل هذا النشاط لأخذ دورهم الحقيقي في العمل المسرحي وإدارته والعمل على النهوض بالمهرجانات المسرحية والتنسيق فيما بينها والدفع باتجاه تحقيق الأهداف التي وجدت من اجلها.

وترى المخرجة المسرحية مديرة فرقة الفنون الادائية التابعة لمؤسسة نور الحسين لينا التل ان المهرجانات المسرحية تساهم في خلق جمهور مسرحي تمكنه من الاطلاع على تجارب وثقافات الاخرين وهو ما يعد مكسبا للفنان المسرحي الأردني ويمنحه القدرة على تنويع رؤيته الإبداعية وتطوير أسلوبيته.

وحول مسألة غياب الجمهور عن الحراك المسرحي تقول ان خلق حالة مسرحية مستمرة كالمهرجانات طبعا لا تكفي بل ان إيجاد أعمال مسرحية من نتاج فرق مسرحية وعرضها على مدار العام وفي سائر أرجاء المملكة يفعل المشهد المسرحي ويستقطب جمهورا جديدا.

وتتطلع التل إلى ذلك اليوم الذي سيغدو فيه المسرحي الأردني محترفا من خلال تشجيعه ومنحه الأمان الاجتماعي والمادي عن نتاجه المسرحي سواء في الكتابة أو التمثيل أو الإخراج وان ما يعطينا الأمل في ذلك ما جاء في الأجندة الوطنية وتحديدا في محور الثقافة فقد تمت الإشارة إلى ضرورة إنشاء فرق مسرحية تمول من المجلس الأعلى للثقافة والفنون المزمع إنشاؤه مما سيفعل الأجواء الثقافية وخصوصا المسرحية منها على مدار السنة والتي ستقدم عروضها الممولة من المجلس بشكل منتظم.

وتقترح أن يلجأ المجلس إلى الاستمرار في دعم الأعمال الناجحة وتوزيع عروضها على المحافظات ووقف دعمه عن الأعمال المتعثرة أو التي لا تلقى رواجا.

وتأمل التل أن يساهم وجود المجلس الأعلى للثقافة والفنون بالتعاون مع الجهات الأخرى مثل أمانة عمان الكبرى والمؤسسات المعنية بالثقافة في القطاع الخاص كالجامعات والبنوك والشركات الكبرى إضافة إلى بلديات المجتمع المحلي بتشجيع التنافس بين الفرق المسرحية من خلال دعم وتمويل الأعمال المسرحية والتجوال بالمتميز منها في مهرجانات عربية ودولية.

ويرجع الناقد والباحث المسرحي جمال عياد وجود المهرجانات المسرحية بهذا العدد الوفير نظرا إلى الدعم الذي يوفره القطاع العام في ظل غياب وتراجع دور القطاع الخاص بالنهوض في الحراك الثقافي والفني وقطاع المسرح بشكل خاص.

ويضيف عياد ان دعم القطاع العام للفعل المسرحي يبقى مسألة ضرورية في هذه الفترة على الأقل ريثما تتشكل حياة مسرحية منتظمة.. لكنه يرى ان من الضروري إعادة هيكلة وتنظيم المهرجانات المسرحية والتنسيق فيما بينها خاصة وان هناك مؤسسات عديدة ترعى هذا النوع من الاحتفاليات مثل وزارة الثقافة ومسرح الفوانيس والجامعات وأمانة عمان الكبرى وسوى ذلك من أعمال مسرحية تنجز في المحافظات وجميعها يجري حصرها في فترة قصيرة مما يربك المشاهد والمهتم وبالتالي يصعب على المرء متابعة الأعمال المقدمة واكتشاف عناصر التميز فيها.

ويقول انه من المناسب ان يجري العمل على إيجاد مؤسسة أو هيئة متخصصة تعنى بالتنسيق بين تلك المهرجانات وإعادة توزيعها بشكل عادل طوال السنة لتلبية رغبات عشاق هذا الفن ليس في العاصمة فحسب بل وإيصال فعالياتها إلى كافة محافظات المملكة.

وفي مجال تنمية ثقافة مسرحية لدى الجمهور يوضح عياد انها ليست قرار جهة معينة بل هي نتاج فعل جماعي وتشارك بين القطاعات المعنية بالثقافة والحراك المسرحي ليشعر المسرحي الأردني بالراحة والاطمئنان على مستقبله الوظيفي ويبدع في طرح موضوعاته الجريئة المتعلقة بالثقافة التنويرية وتنميتها.

من جانبها تجد المخرجة والممثلة المسرحية مجد القصص ان ايلاء وزارة الثقافة للمهرجانات المسرحية الدعم والرعاية يساعد على تشجيع واكتشاف المواهب والطاقات الجديدة وخصوصا في مهرجانات المسرح المتعلقة بالأطفال والشباب.

أما فيما يتعلق بمهرجانات مسرح المحترفين فإن القصص ترى انه لا بد من تحويلها إلى مؤسسة راسخة تعنى بتنظيمها والتخطيط المتواصل في برامجها وفعالياتها على مدار العام وان تكون لها ميزانيتها الخاصة ولجانها المتفرعة لتغدو على قدر التحدي الذي يفرضه وجود مهرجانات مسرحية إقليمية منافسة كما في مهرجانات قرطاج والقاهرة والشارقة.

وتؤكد القصص على الارتقاء بالمسرح الأردني من الناحيتين الفكرية والجمالية بما يليق بتمثيل الأردن في المهرجانات المحلية والخارجية وان يجري تعميم عروض الأعمال الناجحة والفائزة في أماكن عدة خارج العاصمة أمام قطاع واسع من المهتمين بحيث لا يثقل ماديا على كاهل المشاهد.

(تصوير :أسامة الرفاعي) 

التعليق