السمرة في "ايقاع المدى" ينتقي الكثير من الذكريات ولا يتقيد بشكل فني محدد

تم نشره في الاثنين 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 09:00 صباحاً

يتحدث عن قصيدة طلب السياب منه نشرها ليشتري بقيمة المكافأة دواء

 

  عمّان ـ الغد- بعنوان "إيقاع المدى" صدرت أخيراً السيرة الذاتية للناقد والأكاديمي أ.د. محمود السمرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت، لتظهر مواقف وشخصية هذا المثقف واتجاهاته الإنسانية والعربية، إذ تتيح المجال للقارئ للتعرف عن قرب على الأحداث والقضايا التي صاغت حياته وإنجازاته الأكاديمية والثقافية، ويستعيد السمرة طفولته في قرية الطنطورة في فلسطين، حيث يتذكر شاطئها الساحر على البحر الأبيض المتوسط وسمكها الشهير، وفيها درس الابتدائية، وتعلم السباحة، وكيف انه كاد أن يغرق مرتين، وهذا ما سبب له فوبيا من الأماكن المغلقة فيما بعد، ويمر السمرة بدراسته في حيفا ثم القاهرة ولندن وحتي عمله في الكويت والأردن.

  ولا يتقيد السمرة بشكل فني محدد، ولا في كتابة كل موضوع بانفصال، اذ سرعان ما يقوده تذكره الى الانتقال زمنيا أو مكانيا حسب ما تقتضيه طبيعة الموضوع أو اجتهاده الخاص، والكتاب بمجمله يشكل وثيقة اجتماعية وثقافية وتاريخية.

ويبدو أن السمرة كان انتقائيا في بعض الأحيان ليضيء جانبا دون غيره، فثمانين عاما لرجل في مثل تجربته لا بد تمتلئ بالكثير من الأحداث الهادئة أو العاصفة، والمواقف الصعبة والسهلة، وان كان أشار إلى كثير منها في كتابه.

  ورغم مضي زمن على زواج السمرة ما زالت عاطفته متوهجة في قلبه لزوجته سهام اليحيي ابنة قريته بعد خمسين عاما عل هذا الزواج، وهو يورد رسائله اليها، وشوقه العارم، أيام كان يدرس في لندن وهي تعمل في الكويت أو تعيش في رام الله، وكأنه ما يزال يحمل الوهج نفسه الذي كتب فيه.

يقول السمرة ملخصا هذه التجربة الطويلة "علمتني الحياة سر السعادة التي قد يبحث الانسان عنها طيلة حياته فلا يجدها، وقد يصيبه الوهم مرة بأن أهم أسبابها الثراء ومرة بأنه المنصب الرسمي أو المركز الاجتماعي، فلا يجدها في أي منها".

  ويتناول السمرة أعوام دراسته في حيفا ثم انتقاله في بعثة إلى الكلية العربية في القدس في العام 1941، ويشير في سياق ذلك الى الأحداث التاريخية الحافلة في فلسطين وأثرها على الحياة اليومية، ولا سيما ثورة الشهيد عزالدين القسام 1935، والاضراب الذي عم فلسطين عام 1936، وهو هنا يسوق العام في ظل الخاص، ومن الواضح للقارئ أن الأعوام الستة التي قضاها السمرة طالبا في حيفا كانت صعبة عليه لا للمواد التي يدرسها من أجل أن ينال المرتبة الأولى فحسب بل للظروف الحياتية بعيدا عن أهله، أما الكلية العربية التي التحق فيها فهو يقول إنها معهد فريد من نوعه في مستوى التدريس فيه "وأنا مطمئن الي أن ما حصلته من المعارف فيها كان الأساس المكين لكل معرفة تالية، وهذا يصدق علينا جميعا طلبة الكلية".. ص 34.

"وكان من زملائي ناصر الدين الأسد وذوقان الهنداوي ونوري شفيق، ومن ناصر ولأول مرة أتعرف على مصطفي وهبي التل (عرار) شاعر الأردن، وأسمع منه شعرا أعجبني ,ويوما قال لي ناصر ان عرارا هنا في القدس فلنذهب لزيارته في الفندق وذهبنا وكان لقاء قصيرا..وقد ابتدأ من هنا اهتمامي بعرار فحققت ديوانه وكتبت عنه، ووجهت أحد طلبتي الى تحقيق ديوانه وكتابة رسالته للماجستير".. ص 40.

  مرحلة القاهرة جاءت عبر ايفاد السمرة للدراسة في جامعتها في العام 1947، وكان قد سبقه اليها صديقاه محمود الغول واحسان عباس، وسرعان ما حدثت نكبة عام 1948 واحتلت الطنطورة وجرت فيها مذبحة مريعة قتل فيها الكثير من معارفه وأقربائه، وأصبحت عائلته لاجئة في طولكرم، وعاني مثل الكثير من الطلبة الفلسطينيين حينها من آثار النكبة في الغربة، ويتذكر بعض أساتذته في الجامعة مثل شوقي ضيف، وأمين الخولي وأحمد أمين، ويروي السمرة رفقته لاحسان عباس وكيف كان الرجل كريما يؤثر الطلبة المحتاجين علي نفسه رغم فقره ووجود عائلته معه. وفي الفصل الرابع من السيرة يخصص السمرة الحديث عن مخاض الخمسينيات حيث تجربته في العمل في الكويت، ومن ثم الدراسة في لندن.

  عمل السمرة معلما في الكويت أول الأمر، وعاد الى الضفة وتزوج ممن أحب في العام 1952واصطحبها معه الى الكويت حيث عملت في التدريس أيضا، وجاءته فرصة اكمال دراسته في لندن عبر بعثة من المركز الثقافي البريطاني، وسافر مع زوجته في العام 1956 تاركا طفليه رائد ومي عند أهله في طولكرم، وقد سافر الى لندن بحرا من بيروت الي ايطاليا مرورا بالاسكندرية ثم عبر القطار الي باريس مرورا بالنمسا وسويسرا حتى وصلا لندن، وهو يروي ذكرياته بالتفصيل عن هذه الرحلة وجماليات المدن التي مر بها، وفي لندن (التي كانت رؤية أحد العرب فيها تعد حدثا ص 79) سجل في جامعة soas الشهيرة في موضوع أثر الحضارة الغربية والدراسات التبشيرية في الفكر الاسلامي في بلاد الشام من 1860 ـ 1920 وهو موضوع صعب ومهم كما يقول، وقد اضطرت زوجته للعودة الى فلسطين بسبب نشوب حرب السويس وخشية أن تفقد طفليها، ومن هنا ابتدأت نار العاطفة المشبوبة تؤثر في السمرة ويورد الكثير من الرسائل التي كان قد أرسلها اليها، ولكننا لا نرى كقراء رسائلها اليه أي أننا نقرأ الأمر من جهة واحدة، والرسائل في الحقيقة ليست مخصصة لبث الأشواق فحسب بل في التعريف ببعض أحواله في لندن وتطور دراسته.

  وفي نهاية الخمسينيات جاءت فرصة جديدة في الكويت للسمرة لتأسيس مجلة العربي وللعمل نائبا لرئيس التحرير د.أحمد زكي وقد استمرت هذه التجربة القيمة حتى العام 1964 حينما رغب في العمل أستاذا في الجامعة الأردنية حديثة التكوين حينئذ، رغم أن سنوات العربي كانت حافلة بالكتابة في زاوية كتاب الشهر وفي التعرف على الثقافة العربية ونشرها.

ومما يذكره في هذا السياق أن رؤساء الدول الذين كانوا يزورون الكويت يحرصون على زيارة المجلة واخذ مجلدات من أعدادها كهدايا قيمة، ومن الواضح أن السمرة يكن لتلك السنوات الكثير من الذكريات الطيبة، اذ كان على وشك أن يمنح الجنسية الكويتية تكريما لجهوده، لكنه آثر العودة للأردن.

  ويورد السمرة حكايته مع السياب الذي أرسل له مرة قصيدة مرفقة برسالة منه يذكر أنه يريد نشرها ويطلب ارسال مكافأتها له ليشتري بها دواء "وقرأتها ولم أفهمها، فعرضتها على الدكتور أحمد زكي وبعد أن قرأها سألني : هل فهمتها ؟ قلت : لا، قال: اذن لمن سننشرها؟ ولم تنشر وأرسلنا له المكافأة وكانت المفاجأة أن الكتاب المسجل المرسل اليه وبداخله الشيك ردّ الينا دون أن يفتح، وقد كتب عليه: المذكور قد توفي".

التعليق