مثقفون: شموط كرس طاقاته لتأريخ التراجيديا الفلسطينية المستمرة

تم نشره في الثلاثاء 31 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً
  • مثقفون: شموط كرس طاقاته لتأريخ التراجيديا الفلسطينية المستمرة

 في حفل احياء ذكرى رائد الحركة التشكيلية الفلسطينية أول من أمس

 

    نوال العلي

  عمّان- مصغياً لأزيز الرصاص البعيد أحياناً، ومفتونا بالموسيقى والشعر وزوجي الكناري العاشقين أحياناً أخرى استعاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش في حفل احياء ذكرى الفنان التشكيلي الفلسطيني اسماعيل شموط الذي أقيم في المركز الثقافي الملكي أول من أمس ذكرياته في بيت شموط وصورة الماضي الذي صاغته صداقة جمعت بين المبدعين.

وكأنهما "بلغاريان منفيان" يتبادل درويش وشموط  كلما التقيا فعل التذكر والحنين لمدينة صوفيا، حيث تآخيا كجناحي طائر منذ أربعين عاماً، درويش القادم من أرض ذاكرته، وشموط القادم من مستقبل منفى الشاعر.

  لم يكن درويش يقلب في صور الماضي بل كان يثير تساؤلات إنسانية وأخرى فلسطينية موجعة، أسئلة صاغت روح الاثنين معا، "هل قدر للجماليات أن تبقى أسيرة التراجيديات؟". و"هل حكم علينا أن ننشغل إلى ما لانهاية بتقديم البراهين على أننا نحن نحن، وعلى أننا كائنات بشرية لا أشباح، وأن لنا بلاداً هي أرض لا بطاقة بريدية؟". ويزيد درويش من وطأة الحيرة بقوله "إلى متى يظل الوطن في حاجة لبراهين جمالية، وإلى متى يظل الفن في حاجة إلى براهين وطنية؟".

  يقف درويش أمام فن شموط ويرى إنساناً كرس طاقاته الفنية وحياته كلها ليؤرخ للتراجيديا الفلسطينية المستمرة، فصار "أيقونة فنية وطنية. صار الرسام هو اللوحة".

ومن يمكنه نسيان شموط الذي لا يأذن لأحد بنسيانه، وهو الذي واظب على الصداقة مواظبته على العمل كما يصفه درويش، مستذكراً تفقده لأصحابه في كل مناسبة من دون أن يرحم "قلبه المفتوح كحديقة عامة من أعباء الحب".

كان شموط صديق درويش إلى حد لم يسأله لماذا لا يعلق له لوحة على جدار، وإلى حد لم يسأله درويش لماذا لم ير له كتاباً في بيته. وافترق الصديقان من دون أن يقول أحدهما للآخر أيضاً أين ذهب الموضوع بالذات وأين جنحت الاستعارة بالموضوع.

  الفنانة التشكيلية تمام الأكحل زوجة شموط منذ العام 1959 والتي حارت ماذا تقول بعد أربعة أشهر من الفقدان عن اسماعيل الحبيب، الزوج، الأب والجد وعن بيتهما الذي سمي "بيت الشعب" وكيف صنع الاثنان الجمال من قسوة الحياة. واستغرقت في تداعيات حميمة كأنها تعيشها للمرة الأولى.

تقول الأكحل "دعاني للغداء وكلمني عن حلمه الأكبر قائلا: (يد واحدة لا تصفق, ولا طير يطير بجناح واحد) ولما أجهده الخجل اختفت كلمات الحب عن لسانه مع أن عينيه كانتا تنطقان به, وعند لحظة الوداع سلمني رسالة تعلن عن حب في قلبه قد أورق".

لازالت الأكحل منهمكة بيوميات الحبيب الراحل، لا زالت تفكر بتفاصيله الدقيقة: متى ينام؟ وماذا يأكل؟ "فاسماعيل لا يحب المعجنات"، و"أغراضه مرتبة ومكتبته دقيقة التنظيم"، "ولا ينام إلا بحبوب منومة".

  وعندما يشعر بأن لدى تمام رغبة في الرسم، يأخذ دور الأم والأب معا، و يقدمها عن نفسه أحيانا، فخورا بها كزوجة وأم وفنانة ورفيقة درب وعمر، "ولم يكن أبا لابنائه فقط وإنما كان أيضا أبا حنونا معطاء لكل الفنانيين".

من لوحاتهما صنعا وطناً "يعيش فيه المتلقي في الاغتراب", وجاهدا "لتجميل الحياة, لأن فيها ما يستحق العيش من أجله".

وتختم الأكحل حديثها إلى شموط قائلة "يا حبيبي يا اسماعيل حملت وطنك بين أضلعك فعاش معك أينما حللت في المنافي".

وطلبت يا اسماعيل من الجراح الألماني: "إذا كانت هناك خطورة يا دكتور اتركني لأرجع وأكمل لوحتين نفسي أعملهما من أجل وطني وشعبي، فأنا فلسطيني".

  سفيرة الأردن في روما الأميرة وجدان علي شاركت في هذه الذكرى عبر كلمة بعنوان "الفنان الفارس" ألقاها نيابة عنها مدير المتحف الوطني للفنون الجميلة د.خالد خريس.وصفت فيها شموط بأنه الفارس الذي يختلف عن المحارب بأنه لا يترجل عن جواده أبداً. فلازالت ريشته تنتظر ولوحته الأخيرة لم تنته وهو يسأل طبيبه متى يستطيع العودة ليتمها.

وترى علي أن شموط استغل موهبته ليذود بها عن حقه المغتصب وأن العمل الفني لا يقتل ولا يسيل دماً ولا يخلف ضحية بل يغذي العقل ويبدل صورة نمطية رسمتها الأذهان المعادية.

وتعد علي أعمال شموط توثيقاً لحكاية شعب سلبت حقوقه ولكنه ظل "متمسكاً بإنسانيته ليكشف بهدوئه وفنه كذبة أرض بلا شعب وشعب بلا قضية".

  عضو المجلس الفلسطيني الأسبق الكاتب شفيق الحوت كان له دوره أيضاً، فهو رفيق شموط الذي يعرف تفاصيل طفولته ومعاناته.

يقول الحوت "كانت بداية مشواره من قاع الدنيا، بدأ اسماعيل الفتى اولى خطوات حياته بهموم الرجل المسؤول عن عائلة، فباع الكعك مقابل كعكة يأكلها، وباع حلوى الصغار من دون أن يجرؤ على تذوق شيء منها، كان يلف طول النهار بين المشردين من امثاله يبيعهم ما يحمل فوق رأسه، وكانوا يردون له الثمن مشاهد من المأساة تنطبع في خياله ألوانا غاضبة. ووجوها تصرخ وعيونا تدمع بالدم. تحولت فيما بعد الى شهادات وثائقية عرفناها بأسمائها الحقيقية, مثل "جرعة ماء", و"الى اين" و"ذكريات ونار" و"هنا كان ابي" وغيرها".

وويضيف الحوت "ستنسى الأجيال القادمة اسماء رجال كثر من تاريخنا الفلسطيني الحديث, لكن اسم اسماعيل شموط سيبقى خالدا في ذاكرة الأجيال كلما وقعت أعينهم على لوحة من لوحاته التي كان يحملها كالصلبان فوق كتفه".

  وكان أمين عام زارة الثقافة الشاعر جريس سماوي استهل الحفل الذي أقامته مؤسسة التعاون ومؤسسة عبد المحسن قطان مستعرضاً مسيرة شموط الذي "فتح عينيه على المكان الفلسطيني قبل خرابه فتشكلت لديه الرؤية الأولى حتى نكبة العام 1948 حين هاجر وأطل على رؤى بصرية أخرى اختزنتها ذاكرته لرحلة الإنسان الفلسطيني".

  بدأ الفنان مسيرته يرسم ما التقطته ذاكرته من نظرات "الحيرة والتيه لجمع البشر وملامح الغضب والعناد الفلسطيني المقدس ورفع الهامة عالياً بحجم فلسطين".

انتخب في العام 1969 كأول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين كما أصبح  أول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب في العام 1971 .

أقام الفنان الراحل العديد من المعارض الفنية فى شتى أنحاء العالم وله العديد من المؤلفات والكتب وله فيلمان وثائقيان وأسطوانتان موسيقيتان وحصل على العديد من الأوسمة والدروع.

  كما أعلن مدير مؤسسة القطان عبد المحسن القطان عن جائزة للمبدعين سوف تخصصها المؤسسة باسم الفنان اسماعيل شموط، وذلك قى كلمة تناول فيها علاقة شموط بالمؤسسة في سبيل العمل للمحافظة على التراث الفلسطيني الذي راهن الاحتلال أنه سيتلاشى مع هذا العدد القليل من الشعب.

ومن مريدي الصالون الموسيقي الذي أقامه شموط في منزله د.أيمن تيسير الذي قدم مقطوعة موسيقية مع مجموعة من العازفين من قالب "السماعي" الذي عشقه شموط الحريص على دعوة الأصدقاء لتذوق الموسيقى العربية.

وفي ختام الحفل قدم د.حاتم الشريف بانوراما بعنوان "ذاكرة بصرية" بدأها بعبارة "ذهبت إلى حيث يذهب الجميع، وبقيت حيث يبقى الخالدون". واستعرض الشريف في البانوراما أهم أعمال الفنان الراحل متناولاً تطور مسيرته الفنية وتدرج مراحلها.

التعليق