يده هي التي ترى وقلبه هو الذي يرسم*

تم نشره في الثلاثاء 31 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 09:00 صباحاً

 

 

  محمود درويش

  إذا كانت حياة الفنان المستمرة هي أعماله التي تجدد حياتها بمنأى عنه، فنحن اليوم، وغدا لا نودع إسماعيل شموط.. بل نستقبله عائدا من معركتين منتصرا:

الأولى - صراع الفن مع الموت القادر على اتقان مهنته الأبدية، والعاجز في الوقت ذاته عن تعريف الخلود الذي لا شأن له به، فالخلود هو صناعة الفنان، آثاره التي نحدق إليها منبهرين بتحول المخلوق إلى خالق.

والثانية - هي صراع الفن مع وحشية التاريخ الذي اقتلع بجرافته العملاقة شعبا من جغرافيته، وألقى بفتى يافع إلى البرية، محمّلا بسؤال ما زال يطاردنا: الى اين؟

هل كان الفتى يعلم أن بوسع ريشته الطرية أن تعيد بناء ما انكسر من المكان والزمان؟ الموهبة تسبق وعي المهمة، ومن التجربة ولدت هذه الموهبة التي أدركت في ما بعد أن عليها أن تخوض حرب الذاكرة ضد النسيان، وانتصر الفنان على ما أعد له ولشعبه من مشروع خروج من التاريخ إلى التيه والنسيان.

نحن هنا، اذن، للاحتفال بقدرة الروح الإبداعية على الاختراق، وعلى تعميم الرجاء والعزاء لموتى لم يموتوا، ولأحياء لم يضيقوا ذرعا بحياتهم، نحن هنا لتحية إسماعيل شموط، لا لأنه كان رائد الفن التشكيلي الفلسطيني، كما درجنا على هذا القول السهل الذي لا معنى، فنيا، له، ولا لأنه أقام أول معرض للرسم الفلسطيني، ولا لأنه كان رئيس اتحاد التشكيليين العرب، فتلك أوسمة تليق بجنرال متقاعد، لا بفنان أمضى أكثر من نصف قرن في البحث عن هوية فنية متداخلة مع هوية شعب حرم من التأمل الحر في ذاته الإنسانية خارج ما أُعد له من مصائر.

إسماعيل فينا سيرة ومسيرة، ذات ذابت في الموضوع، وأقامت الموضوع في الذات. ومن فرط ما هو هو وليس هو في آن واحد، ُخيّل إلينا نحن المثبتين في زيت اللوحة، أننا شظايا قصائد أعاد الفنان تشكيلها وتجميعها في إطار.

لا يحتاج الفلسطيني كثيرا إلى صرامة النظرية ليتساءل عن علاقة الشخصي بالعام، وعن تحديد مفهوم الالتزام، فهو يولد متورطا بالسليقة.

 في كل سيرة شخصية سيرة عامة. وفي كل فرد جماعة، يكفي أن يتذكر اسماعيل طفولته في اللد ليرسم جمال الطبيعة، وهجرته ليرسم أحزان النكبة، وصباه بائعا متجولا للحلوى ليرسم الشجن، وتل الزعتر ليرسم المأساة والبطولة، وحصار بيروت ليرسم الصمود والغضب، وصبرا وشاتيلا ليرسم الضمير الإنساني طعاما للكلاب الضالة، والانتفاضة ليرسم الأمل، ويكفي أن يتذكر الغد ليرسم المرآة.

في الذاكرة فردوس مفقود، وفي الواقع، لا مكان للفرح الصغير إلا إذا مر يوم واحد بلا مجزرة. عندها يرتاح اللون الأحمر من الصراخ ليتقدم أصفر الاقحوان بحياء الى اللوحة. كأن اسماعيل لص نبيل يتربص بفرح قليل.. فيه من جمال السراب وعده بالعطش.

و-لهذا تطل من سكتشاته الشفافة امرأة عارية كطيف سريع الاختفاء، لا خوفا من تمام، بل خوفا من مشاهدين ظن اسماعيل انهم لن يغفروا للفلسطيني المنمط اختلاس النظر إلى رخام أنثوي فاتن.

هنا، ينقضّ علينا السؤال: هل قدّر للجماليات أن تبقى أسيرة التراجيديات، ليس هذا قلقي وحدي، بل قلق إسماعيل الذي رسم لنا صورنا المتحولة، فرسمنا له صورته الثابتة كم حاول أن يتمرد علينا وعلى نفسه، وأبقى تمرده سرا للقلق. وحاول أن يغير ويتغير فعدّد أشكاله وألوانه وغيّرها داخل الثابت المتوقع، لا هنا الا هناك، لم يسع الى تحرير الذات المبدعة من موضوعها، بل حاول أن يوسع ضفاف الموضوع لتتسع لما في الذوات الفردية من تعدد وتفرد وطبائع ونوازع ليست كلها وطنية بالضرورة، لكنه توجَس من سوء فهم يضع حواجز التمييز بين الوطني والإنساني، ولا يرى مجالا حيويا للهوية الوطنية خارج الصدفة، من فرط ما تتعرض له هذه الهوية من تهديد خارجها.

هل حكم علينا بأن ننشغل إلى ما لا نهاية بتقديم البراهين على أننا نحن نحن، وعلى أننا كائنات بشرية لا أشباح، وعلى أن لنا بلادا هي أرض لا بطاقة بريدية؟ ربما.. ربما، ولكن في وسع الفن أن يستبدل البرهان بالبديهة، وأن يتساءل: إلى متى يظل الوطن في حاجة إلى براهين جمالية، وإلى متى يظل الفن في حاجة إلى براهين وطنية؟ قال فنان فرنسي "إن البراهين تضجر الحقيقة". ومن سوء حظنا التاريخي أن هذا القول قد لا يخصنا.

هل لنا ان نسأل إن كان إسماعيل شموط قد ضحى بإمكانياته الفنية الهائلة من اجل البرهان؟ كلا، الأصح هو أن نقول إنه كرّس طاقاته الفنية وحياته كلها ليؤرخ للتراجيديا الفلسطينية المستمرة، بلوحات تشهد على بطولات شعب حوّل اليومي الى إسطوري بصموده أمام مشروع الموت السياسي، وبشبقه إلى حياة لا تعرّف ماهيّتها إلا بالحرية، وتشهد على قوة الروح الإبداعية المنتصرة على الزائل بالخالد، فصار إسماعيل أيقونة فنية ووطنية، صار الرسام هو اللوحة.

لا يأذن اسماعيل لأحد منا بأن ينساه، فهو المواظب على الصداقة مواظبته على العمل، يتفقدنا في كل مناسبة، ولا يرحم قلبه المفتوح كحديقة عامة من أعباء الحب. هو الصديق الدائم المبتسم المتواضع المحتشم كعشبة، كان صديقي إلى حد أنه لم يسألني لماذا لم أعلق لوحة له على أحد جدراني المتنقلة، وكنت صديقه إلى حد أنني لم أسأله لماذا لم أر كتابا لي في بيته، وكان لصداقتنا مكان ولادة بعيد: صوفيا، هناك التقينا منذ حوالي أاربعين عاما، وتآخينا كجناحي طائر: أنا القادم من أرض ذاكرته، وهو القادم من مستقبل منفاي، وكلما التقينا تذكرنا صوفيا كأننا بلغاريان منفيان!

وفي بيروت، مع شفيق الحوت وسائر الأحبة، صرنا أسرة واحدة منكبة على قراءة أحوال الغيب والغد، سالمين من عدوى الوهم تارة، ومصابين بتداعياته تارة أخرى، وفي بيت إسماعيل، نسمع أزيز الرصاص القادم من حماسة الجامعة العربية، ونواصل الاستماع إلى الموسيقى والشعر. وبينما يصمت زوجا الكناري العاشقان، تواصل أسماك الحوض الملونة سباحة النوم. أما سمسم السعدان الذي اكتفى من لغة البشر بالإشارات الخائفة، فقد لجأ إلى روضة أطفال لتعليم الإشارات بعيدا عن لغة الرصاص.

افترقنا، دون أن اسأل اسماعيل: لماذا لا يرسم سمسم والسمك وزوجيْ الكناري؟ ودون ان اقول له: حافظ على الذاتي، ولو قليلا، من جشع الموضوع، ودون ان يقول لي: حافظ على الموضوع من جنوح الاستعارة!

اسماعيل شموط: يده هي التي ترى

وقلبه هو الذي يرسم!

* نص الكلمة التي ألقاها الشاعر محمود درويش أول من أمس في حفل تأبين التشكيلي الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط

التعليق