"المأمون" : عبقرية الجمع بين المذاهب المتناقضة والتأسيس لـ"بيت الحكمة"

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً

 

عمان -الغد- يقدم الباحث ميكائيل كوبرسون في كتابه "المأمون" الصادر عن منشورات العالم الواحد لمحة تاريخية عن هذا الخليفة الذي ولد في العام 786 ومات في العام 833 عن عمر لا يتجاوز السابعة والأربعين. ومع ذلك فقد خلّد اسمه في التاريخ بفضل إنجازاته الفكرية والسياسية والحضارية.

ويقول كوبرسون"إنه سابع خلفاء بني العباس. وقد استمرت خلافته من العام 813 إلى العام 833. وقد أثرت أفكاره وأعماله بعمق على مجرى التاريخ العربي الإسلامي. وكان عهده وعهد والده هارون الرشيد يشكل العصر الذهبي للعرب والحضارة الإسلامية. وكانت أمه إيرانية من الموالي، هذا في حين أن أم أخيه الأمين كانت عربية وتحظى بمرتبة الزوجة الشرعية لهارون الرشيد".

ويضيف كوبرسون "يقال إن هارون الرشيد تردد قبيل موته في تسليم السلطة لهذا أو لذاك. فتارة كان يرغب في تسليمها للأمين، وتارة للمأمون دون أن يتوصل إلى نتيجة. وأخيرا حسم أمره وسلمها للأمين في العام 792. ثم أعلن عن ولي العهد في شخص المأمون لكي يخلف أخاه على سدة الخلافة إذا ما توفي قبله أو حصل له مكروه".

ويشير كوبرسون الى وصية الرشيد بقوله "في أثناء الحج إلى مكة في العام 802 كتب الرشيد وصيته. وكانت تقضي بما يلي: يعترف المأمون لأخيه الأمين بمرتبة الخلافة مقابل اعتراف هذا الأخير له باستقلالية كاملة فيما يخص حكم الأقاليم الشرقية، أي الإيرانية، من الإمبراطورية العباسية. كما ويعترف له بأنه ولي عهده. وهكذا اعتقد الخليفة بأنه سوّى الأمور بطريقة متوازنة وأعطى لكل ذي حق حقه ولن تحصل أي مشكلة بعد الآن. ولكن الاضطرابات اندلعت في العام 809 بعد موت هارون الرشيد. وحصلت أزمة كبيرة داخل السلالة العباسية، فقد راح كلا الأخوين يتهم الآخر بأنه لم يحترم وصية والده. ومعلوم أن الأمين كان قد أصبح حاكما لبغداد ونواحيها، وأما المأمون فقد أصبح حاكما لخراسان ونواحيها بعد أن استقر في " مرو" عاصمة الإقليم".

ويشير كوبرسون الى تزايد الخلافات بين الأخوين  إلى حد الاشتباك العسكري المسلح حيث واندلعت المعارك الأخوية بالضبط في العام 811 أي بعد موت هارون الرشيد بسنتين. وكانت بمثابة حرب أهلية طاحنة بين المسلمين ككل وليس فقط بين الأخوين. والتقى الجيشان في منطقة الري حيث انتصر المأمون بشكل ساحق على الأمين. واستنجد هذا الأخير بالقوات العربية من سورية وأمل بأن تنقذه أو تمده بالعون والعدد ولكن عبثا. فلم يتحرك أحد في سورية لنصرته، وعندئذ مشى المأمون بجيشه على بغداد وحاصرها، ولكن الأحياء الشعبية قاومته بعنف ودافعت عن الأمين بكل ضراوة حتى آخر لحظة. واستمر الحصار فترة طويلة حتى انتهى أخيرا بانتصار المأمون مرة أخرى وقتل الأمين.

ويلفت كوبرسون الى اعتقاد معظم المؤرخين أن المأمون كان أكثر ذكاء وعبقرية بكثير من أخيه الأمين. ولكن الحرب بين الرجلين كانت تعكس الحرب بين تيارين في الواقع: التيار العروبي التقليدي المؤيد للأمين. والتيار التجديدي الذي يضم العرب وغير العرب وبخاصة في الأقاليم الشرقية. وهما تياران متنافسان داخل الإمبراطورية العباسية، بل وكان التنافس بينهما واضحا منذ عهد هارون الرشيد.

ثم يردف وبعد انتصاره وتنصيبه خليفة للمسلمين استمر المأمون في إقامته بمرو ولم ينتقل إلى بغداد فورا كما كان متوقعا. وقد اتخذ كوزير له شخصا كبيرا يدعى الفضل بن سهل. وقد وضع فيه كل ثقته.

ثم حاول المأمون لمّ شمل المسلمين عن طريق الجمع بين المذاهب المتضادة أو المتناحرة: أي بشكل خاص بين السنة والشيعة. ويبدو أنه كان فوق المذاهب والطوائف على عكس معظم الخلفاء الآخرين. من هنا أهمية المأمون في التاريخ العربي الإسلامي. فقد كان سابقا لوقته بكثير.

ثم كشف المأمون عن مواهب فكرية ضخمة عندما أمر بتشييد بيت الحكمة في بغداد وترجمة أمهات الكتب العلمية والفلسفية عن اليونانية والهندية والفارسية. وقد وظف فيها عشرات المترجمين وكان معظمهم من المسيحيين الذين يعرفون اللغات الأجنبية كحنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين وسواهما كثير. وأرسل المأمون سفراءه إلى بيزنطة والروم من أجل البحث عن مخطوطات فلاسفة الإغريق وشرائها بأي ثمن. وعلى هذا النحو جلبوها إلى بغداد وابتدأوا بترجمتها إلى اللغة العربية. وقد أدى ذلك إلى تعريب التراث الفكري والعلمي الإغريقي. وهذا التعريب ساهم في اغناء اللغة العربية بالمصطلحات والتراكيب اللغوية الجديدة التي لم تكن معروفة سابقا. ففي الماضي لم تكن اللغة العربية لغة علم وفلسفة. وإنما كانت لغة أدب وشعر وقرآن كريم وحديث نبوي شريف ومواعظ دينية،  ولكنها بدءا من المأمون تحولت إلى لغة علمية وفلسفية بالكامل. وساهم ذلك في هضم المسلمين للثقافات الأخرى وتشكيل حضارة رائعة بعدئذ. وهذا ما ندعوه بالعصر الذهبي للعرب.

ثم يزيد كوبر سون: نعم لقد كان المأمون هو رائد النهضة الفكرية العربية من دون منازع. ولذلك سجل اسمه على صفحات التاريخ بأحرف من نور. فلولاه لما حصلت كل تلك النهضة الثقافية والطبية والعلمية والفلكية والفلسفية، وينبغي العلم بأنه كان السبب في ترجمة خمسة وعشرين كتابا لأفلاطون، بالإضافة إلى سبعة عشر كتابا لأرسطو، اضافة الى ترجمة كتب جالينوس في الطب أو بطليموس في علم الفلك، ثم كتب ابوقراط، واقليدس، وأرخميدس، وآخرين عديدين .

التعليق