لماذا ليلة القدر وكيف نحييها؟

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 09:00 صباحاً

 

محمد العواودة

لن أحاول أن أضيف المزيد أو أن استفصل فيما سيكون تكرارا لما عهد به غيري جزاهم الله خيرا فيما هو ثابت في قدر هذه الليلة المباركة؛ وبقدر ما يحملني عنوان هذه العجالة فيما ينبغي توضيحه والتذكير به في أهمية إحياء هذه الليلة وكيفية استثمارها؛ بعد أن ضرب الكثير من الناس صفحا عنها والجنوح إلى ما ليس فيه سلف لأمة الإسلام، فليلة القدر كما هو معروف هي أفضل ليالي الدنيا على الإطلاق؛ وهي أفضل فرصة استثمار للعبد فيما ينبغي ألا يفوته من غنيمة استثمار في بنك أعمال الآخرة، وتقديم أفضل ما يقدمه المستثمر من رصيد في وقت الحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يكون الحساب بالذرات وحبات الخردل" فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، ومن يعمل مثقال ذرة شر يره" إنها مناسبة تستدعي الانتباه والحذر مما قد لا يُسعف العمر من تكراره، إنها ليلة الحواسم لمطامع الشيطان فيهم وغوايته لهم وليلة المجاهدة وذروة الصبر على العبادة وتقديم البرهان على صدق الانتماء للمعبود الأوحد، إنها الليلة التي انزل الله فيها دستور الأمة:"هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" . وليلة الانطلاق لرسالة الإسلام والمهمة النبوية للعالم كافة، أنها الليلة التي لم يحدها الله تبارك وتعالى بتوصيف لأنها خارج نطاق دائرة الدراية والتوصيف فيما لا تطيقه عقول البشر"إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر".

فمن بركة هذه الليلة أن جعل الله تبارك وتعالى العبادة فيها مضاعفة لأضعاف كثيرة غير متناهية في العد والحساب، ليكرم فيها امة محمد صلى الله عليه وسلم التي تعتبر أعمارها قصيرة نسبيا مع سلفهم من الأمم الأخرى الذين أسعفتهم أعمارهم الطويلة في السبق في العبادة، فعوض الله هذه الأمة بليلة القدر لتحصيل ما قد لا يحملهم العمر على تحصيله، فجعل الإخلاص لله بصدق العبادة في هذه الليلة بألف شهر مما تعبّد فيه سلفهم، وبحسبة بسيطة سنجد أن العبادة في هذه الليلة مما يساوي عبادة عمر امرئ تعبد فيما يكون مجموع عمره ثلاثا وثمانين سنة وأربعة شهور، فأي كرم يفيضه الله تعالى على هذه الأمة، وأي تعس لمن ضيع فرصة عمره ليلحق في ركب العابدين المرضيين، في ليلة تعمر فيها الملائكة الأرض وتسلم على المؤمنين في الطرقات والمساجد والبيوت حيث يؤمّنون على دعائهم وهم على فعل ذلك حتى يطلع الفجر وعلى رأسهم  جبريل عليه السلام: "تنزل الملائكة والروح فيها بأذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر".

ومن بركة هذه الليلة أن جعلها الله تعالى ليلة مغفرة وجب للذنوب من تراكمات ما سلف من أعمال غير مرضيّة لمن قامها وأحياها بنيّة خالصة لله ونية القرب منه بالنظافة من لوثة الشيطان، قال عليه السلام:"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وليؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول في جمعه ومنعه فقد أكد على انعكاسه بقوله:"وفيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم" تأكيدا على الخسارة الجسيمة التي ستلحق بمن قصر في استثمار هذه الليلة ومن هنا تأتي أهمية السؤال عن كيفية إحياء هذه الليلة المباركة بما لا تتحصل فيه الخسارة تلك، ولكي نحصد خير ما فيها بإذن الله، فيجب أن يُعرف أن التماسها يكون في العشرة الأواخر من رمضان ولاسيما ليلة الحادي والعشرين إذ تحملنا بعض الآثار على التأكيد عليها، فيبدأ بصيام نهارها والتصدق فيه على غير ذلك من البذل في صروف الخير، فكما أن ليلها أفضل من كل الليالي فنهارها أفضل من كل نهار، يقول الأمام الشافعي رحمه الله "استحب أن يكون الاجتهاد في نهارها كالاجتهاد في ليلها" وقال الشعبي رحمة:" إن ليلها كنهارها" وعندما يبدأ ليلها فيكون أفضل الأعمال فيها التعبد بالاعتكاف طاعة وتقربا لله وهو فعل رسول الله عليه السلام بالعكوف على الطاعة والمراقبة والمحاسبة والتفكر، والاعتكاف من سنة المرسلين عليهم السلام في سعيهم الدؤوب لنيل مقام القربى والرضوان من الخالق سبحانه وتعالى:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفيين والعاكفين والركع السجود" وقد التزمت أزواج النبي عليه السلام بسنة الاعتكاف في العشرة الأواخر من رمضان بعد وفاته عليه السلام، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها في هذا:"كان رسول الله  يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده".

يتحدث ابن القيم عن فضيلة الاعتكاف وهو أفضل أعمال هذه الليلة المباركة كما اشرنا فيقول:" أيما كان صلاح القلب واستقامته على طريق يسره إلى الله تعالى، ولمّ شعثه بإقباله بالكلية على الله عن شعت الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام وفضول الكلام، والاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن اشتغاله بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدله ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصيل مراضية وما يقرب منه، فيصير انسه بالله بدلا عن انسه بالخلق".

فان كان العبد المسلم صاحب جهد في العبادة بما يخدم عاجلته وآجلته فليعتكف في العشرة الاخيره من رمضان وإلا فليلة القدر وهي في تناول الجميع على الأغلب، وان شغله شاغل عن المسجد ولم يستطيع فيكون اعتكافه في البيت  بقراءة القران وقيام الليل بالدعاء والصلاة والتسبيح والتفكر والتدبر، كما وينبغي للمؤمن أن يتقي الله في هذه الليلة والا يحييها فيما قد يسميه البعض إحياء في السهر حتى الفجر فيما لذ وطاب ومخالطة للناس بالسهر فيما ليس فيه ذكر الله فيكون قد أضاع من عمره فيما قد لا يتكرر في القادم ويصدق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من حرم خيرها فقد حرم".

كاتب اردني


تجديد النيات

عبير الكالوتي                          

تخيل أن لو شيدت بناءً ضخماً. وبهبة ريح تهاوى في أدراج الخفاء ودُفن معه جُهدك ووقتُك وعناؤُك. فماذا أنت فاعل؟!

وتخيل أن لو صُيّرت كلّ أعمالك رملاً متناثراً لا يسعك جمعه أو تشكيل جزئه؟ فماذا أنت فاعل؟!

والمولى البصير يقول فيما أنزل:"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً"

شاب عملك رغبة في ظهور.أو مطمعة في كسب أجر. وفرحت وسكنت لمدح. واضطربت لذم. فاعلم أنّ قلبك يطلب منك الخلاص. ليسكن بالإخلاص إلى ربّ العباد فيهنى. فمتى كانت آخر مرة غسلت بها قلبك من كلّ حظّ لنفسك أو تزيين للخلق؟ متى صقلته لتتناثر  تلك الشوائب فيغدو كالمرآة في لمعانها وشفافيتها تستوي فيها الصورة..كاستواء ظاهرك بباطنك.

فإن القلب هو موضع النظر عند الخالق. وكل عمل قصدت به وجهه واتبعت به نبيه..صقلت قلبك بميزان النية. محول العادة إلى عبادة.

فترجم أعمالك عبادات بتجديد النيات. دراسةً وقراءةً وبراً وزيارةً وعملاً. كلها تؤول عبادة كلما خلُصت بقلبك.لا ترجو بها إلا ربك. فهو المتفضل عليك بها. وأنت الفقير إليه ترجوه وتطلب منه الغنى.

ومهما كثر العمل. يبقى منا الزلل. ومن الله العظمة والإحسان والكرم. فما وفّينا مهما بلغنا. فاحفظ لصورتك إشراقها يوم تتضح الصور أمام مصورها فيثبت منها ما صدق ويتهاوى ما كذب.

وهو السر الذي لا يدرك كنهه أحد غير المولى وهو اللازم أول السير وأوسطه وآخره. يظهر الفقر للخالق. ويورث التواضع للخلق. ويرفع عداد الهمة. ويشحن الداعي للسير. فيُخلص نفسه لدعوته. فيُخَلّص المحزون من كربته. فتزداد اللبنات. ويقوى البناء ويشتد ويُكتب للأمة الخلاص بإخلاص ذاك الفرد الذي حلُص فخَلَّص فاستقام وأقام." فالحمدلله الذي هدانا لهذا".

كاتبة اردنية

التعليق