الأمانة التي حملها الإنسان

تم نشره في السبت 14 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً
  • الأمانة التي حملها الإنسان

بين التكريم والتكليف

 

بسام ناصر

حينما تقرأ قوله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا":(الأحزاب:72)، فان ثمة سؤالاً يَرِد في هذا المقام، مفاده : ما هي تلك الأمانة التي عرضت على هذه المخلوقات العظيمة الضخمة فأبت أن تحملها بل وأشفقت من ذلك، وحملها الإنسان بتبعاتها الثقيلة وتكاليفها الشاقة؟ ثم أليست تلك المخلوقات من الجماد الذي لا يفهم ولا يجيب، فكيف تخاطب خطاب من يعقل ويدرك؟

يبين الحق تباركت أسماؤه في القرآن الكريم أنه كرم الإنسان تكريماً عظيماً وفضله على كثير ممن خلقه من سائر مخلوقاته يقول سبحانه:"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"(الإسراء:70). يخبر تعالى ـ كما يقول ابن كثير عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كقوله تعالى:"لَقَدْ خَلَقْنَا لإِنسَـنَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" أي يمشي قائماً منتصباً على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية.

يشير الإمام محمد بن جرير الطبري أن ذلك التكريم كان بتسلـيط الله إياهم علـى غيرهم من الـخـلق، وتسخيره سائر الـخـلق لهم، ويختار الإمام القرطبي أن الصحيح الذي يعوّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويُفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله؛ إلا أنه لما لم ينهض العبد بكل المراد منه بُعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء.

من مظاهر ذلك التكريم أن الله سخر لبني الإنسان كل ما في السموات والأرض وأتاهم من النعم ظاهرها وباطنها، يقول الله ممتنا على عباده "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ"(لقمان:20). فكيف يقابل الناس تلك النعم من الرب المعطي الوهاب؟ وكيف يشكرونه ويحمدونه على ما سخره لهم في السموات والأرض،  يقول كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الأخرى وما أنعم الله على عبد نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقات من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه.

أما مناط ذلك التكريم فهو أن الله جعل الإنسان قادراً على تحديد اختياراته، فهو صاحب إرادة حرة يختار ما يشاء ومن ثم يتحمل مسؤولية اختياره، يقول صاحب الظلال : حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو واع مدرك مريد فإنه يصل حقا إلى مقام كريم ومكان بين خلق الله فريد إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى وهو يسجد الملائكة لآدم وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول ولقد كرمنا بني آدم فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله ولينهض بالأمانة التي  اختارها ; والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

أما حقيقة تلك الأمانة التي حملها الإنسان فهي ـ وفق اختيار الإمام القرطبي ـ  تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. وبعد إيراده لأقوال أئمة السلف في تفسير معنى الأمانة ذهب الإمام الطبري إلى أن أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِـي بـالأمانة فـي هذا الـموضع: جميع معانـي الأمانات فـي الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لـم يخصّ بقوله: عَرَضنا الأمانَةَ بعضَ معانـي الأمانات لـما وصفنا.

تلك الأمانة التي كُلف بها الإنسان تتمثل بالقيام بما أناطه الله به من واجب الاستخلاف في الأرض ليعمرها في ظل طاعته لربه، ولأمر عظيم خلقه ـ كما يقول سيد قطب ـ ليكون مستخلفا في الأرض مالكا لما فيها فاعلا مؤثرا فيها إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض ; والسيد الأول في هذا الميراث الواسع ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول ; إنه سيد الأرض وسيد الآلة إنه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادي اليوم وليس تابعا للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون الذين يحقرون دور الإنسان ووضعه فيجعلونه تابعا للآلة الصماء وهو السيد الكريم وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان ولا أن تستذله أو تخضعه أو تستعلي عليه.

يستخلص من ذلك كله أن الله كرم الإنسان، وسخر له كل ما في الكون، وميزه وخصه بخصيصة العقل، وهي مناط التكليف، ومحل التكريم، وأعطاه حرية الاختيار مقابل تحمل المسؤولية عن قراره فيما يختار، فهل يتحمل الإنسان تلك المسؤولية التي قبل تحملها، ويقوم بحقوق الأمانة التي اختار القيام بها؟ إنها حكمة الخلق وغاية وجود هذا الإنسان على هذه الأرض.  

كاتب  اردني

التعليق