روزنامة رمضان - اليوم الثاني عشر

تم نشره في الخميس 5 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً

قبسات قرآنيــــة

 

"ما هم منكم ولا منهم".

قال الله عز وجل:

"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"

(المجادلة: 14)

تتحدَّث الآية عن المنافقين، الذين ارتكبوا أكبر جريمة بعد النفاق والكفر، وهي جريمة اتخاذ اليهود والأعداء أولياء، والتعاون والتحالف معهم،  والاستنصار بهم، وربط مصيرهم بمصيرهم.

كان المنافقون يحسبون أنفسهم مع المسلمين، لأنهم أعلنوا إسلامهم في الظاهر، وشاركوا المسلمين صلواتهم وعباداتهم، لكنهم في الحقيقة كفّار مجرمون هالكون، لأنهم أخفوا الكفر في قلوبهم، ولهذا هم كفّار في الحقيقة، وهم في الدرك الأسفل من النار. الاستفهام في" ألم ترَ" للتعجب والإنكار، ينكر الله على هؤلاء موالاة اليهود، ويدعو المسلمين إلى العجب من جريمتهم, وإنكارها ورفضها..

  والخطاب في "تَرَ" للرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه ليس خاصاً به، وإنما هو عام يشمل كل مسلم من بعده، يمكنه أن يرى ويعجب، ويلحظ ويستغرب.

  والقوم المغضوب عليهم هم اليهود: " تولوا قوماً غضب الله عليهم". وهذا المصطلح "المغضوب عليهم"  يراد به اليهود، وهم أكثر الشعوب والأمم استحقاقاً لغضب الله ولعنته وعقابه، لما ارتكبوه من جرائم وفظائع.

  المنافق ون تولوا اليهود المغضوب عليهم، وظنوهم أقوياء، قادرين على الحماية والنفع، ولكنهم أساؤوا الاختيار، حيث ذهبوا إلى قوم أضعف منهم، وأكثر منهم خيبة وخسراناً، لأن المغضوب عليه لا يمكن أن يوفق أو ينجح!!

ووصف الله الذين تولوا اليهود بصفة عجيبة، حيث قال عنهم: "ما هم منكم ولا منهم". والمعنى: هؤلاء المنافقون أولياء اليهود، ليسوا منكم أيها المسلمون حقيقة، لأنكم مسلمون وهم كفّار، مع أنهم يعيشون بينكم، ويزعمون أنهم منكم .. كما أن هؤلاء المنافقين ليسوا من اليهود، فاليهود لا يرضون أن يعتبروهم منهم!! ما معنى هذا؟ إن المنافقين فقدوا هويتهم، بانخلاعهم عن المؤمنين وموالاتهم للكافرين، وبذلك ضاعوا وتاهوا وتبددوا، فلا هم من المؤمنين، ولا هم من اليهود.. إنهم يتذبذبون متميعين: مرة مع المؤمنين، ومرة مع اليهود. كما قال الله عنهم:

"مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً"  (النساء:143)

  وماذا نستفيد نحن في هذا الزمان من هذه الآية؟ إنها تدلنا على الخطأ الكبير الذي وقع فيه أناس منا، عندما اتخذوا الأعداء أولياء، إنهم خاسرون عندما تولوا قوماً غضب الله عليهم، ولم تمنحهم موالاة اليهود والنصارى قوة ولا خلاصاً، وإنما ازداد ضعفهم، وتعقدت مشكلاتهم..

  ثم إن هؤلاء الأفراد من قومنا أضاعوا هويتهم، بموالاتهم الأعداء، فلا هم مع أمتهم، يضمون جهودهم وقوتهم إلى وجهودها وقوتها، ولا هم مع الأعداء الذين أفنوا أعمارهم في خدمتهم، ولما استنفذوا مهمتهم لفظوهم في سلة المهملات! وهذه نهاية كل عميل يوالي الأعداء!!

د. صلاح الخالدي

أحــاديث نبـوية

علــــيكم بالشــــام

عن ابن حَوَالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة: جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق"، قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدُرِكم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله".

  قال الشيخ إبراهيم العلي رحمه الله: "وحين ينصح النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بسكنى الشام أو حين يختار لمن استشاره أن يشير عليه ببلد يسكنه ويأوي إليه فيقوله له: إني أختار لك الشام، يبرز مجموعة الأسباب التي من أجلها ينصح أصحابه وأحبابه بسكنى الشام، هذه الأسباب أستطيع تلخيصها بما يلي:

1 أنها خيرة الله من أرضه أو صفوته من بلاده.

2 فيها خيرة الله من عباده ويجتبي إليه خيرته من عباده.

3 فيها يعسكر الإيمان عند الفتن، ويجد فيها الأمن والطمأنينة عند الفتن.

4 تكفل الله تعالى بالشام وأبنائها بالحفظ، والعناية والرعاية.

5  فيها خير الأجناد وقلب الدفاع عن الدين الإسلامي والأمة الإسلامية.

  وغيرها من الأسباب التي أوردها عليه السلام، وأي سبب من هذه الأسباب كافٍ لأن يشير النبي صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام، فكيف إذا اجتمعت كل هذه الأسباب والفضائل في الشام، فإن النصح عندها سيكون أكثر لزوماً بسكنى الشام.

وليد الحوامده

فقهيات الصيام

ما يفسد الصيام ويوجب القضاء فقط

أولاً: الحيض أو النفاس ولو طرأ قبيل الغروب بقليل فإنه يفسد الصيام وهو عذر للمرأة وعليها القضاء، فيما بعد، وقد سبق الحديث عن هذا.

ثانياً: القيء عمداً، وهذا قد ورد به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض".

ومعنى قوله: (ذرعه القيء) أي غلبه، فهذا لا شيء عليه ويتابع صيامه، إن لم يكن به مرض يبيح له الفطر.

وقوله: (من استقاء) أي تعمد القيء فهذا يفطر ومع ذلك فإن عليه متابعة الإمساك والقضاء فيما بعد.

ثالثاً: إدخال ما لا يُتغذى به عادة إلى الجوف كالتراب والملح إذا تعمد ذلك فإنه يفسد صومه عند عامة العلماء وعليه القضاء.

رابعاً: دخول شيء إلى الجوف من الأنف كالسعوط أو البخور أو الدهون والضابط في ذلك أن يصل إلى الحلق، فإنه يفسد الصيام عند جمهور الفقهاء، لأن الأنف منفذ خلقي يتصل مع الفم ويؤدي إلى الجوف فألحق به.

وللجمهور أثر ابن عباس"الفطر مما دخل". خامساً: سبق ماء المضمضة والاستنشاق إلى الحلق مع تذكره للصيام يفسد الصيام ويجب عليه متابعة الإمساك والقضاء عند جمهور الفقهاء، لأن النبي  صلى الله عليه وسلم ندب إلى المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا في حال الصيام، وهذا يعني أن على الصائم أن يحتاط في المضمضة والاستنشاق، فإذا سبق الماء إلى الحلق فهو مقصر، وهذا يختلف عن الناسي لأن الناسي لا يمكنه التحرز أما هذا فيمكنه التحرز، وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم فساد الصيام بسبق الماء إلى الحلق في المضمضة والاستنشاق ما لم يقصد أو يسرف وهذا يختلف عن المتعمد فلا يُلحق به.

سادساً: إنزال المني بمباشرة دون الجماع عمداً يفسد الصيام ويوجب القضاء دون الكفارة ويشمل ذلك الإنزال بسبب التقبيل أو المباشرة في غير الفرج، ويشمل ذلك عند جمهور الفقهاء الاستمناء باليد فإنه يفسد الصوم ويوجب القضاء لأنه قضى شهوته فهو في معنى الجماع. أما إذا كان سبب الإنزال مجرد النظر دون مباشرة أو عبث باليد فلا يفسد صومه عند جمهور الفقهاء ويفسد صومه عند المالكية وعليه القضاء.

سابعاً: إذا أكل أو شرب أو جامع ظاناً بقاء الليل أو غروب الشمس ثم تبين له خلاف ذلك فعليه القضاء عند جمهور الفقهاء ومنهم المذاهب الأربعة لأنه لا عبرة بالخطأ البين ولأنه أخل بركن الصيام وهو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكان بإمكانه أن يحتاط لذلك. روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر" قالت: "أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس"، قيل لهشام: أفأمروا بالقضاء؟ قال: بدٌّ من قضاء. قالوا: التقدير: لا بد من قضاء، وقد جاء في رواية أبي ذر  رضي الله عنه: لا بد من القضاء.

  وروى ابن أبي شيبة أن ذلك حصل في زمان عمر رضي الله عنه فأمر من أفطر بالقضاء. ثامناً: الردة: تفسد الصيام بالاتفاق فإذا رجع المرتد وتاب فعليه قضاء ما أفسده بسبب ردته حتى لو عاد في اليوم نفسه.وسواء أكانت الردة باعتقاد ما يكفر أو التلفظ بكلمة الكفر أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة مما لا يسع مسلماً جهله ونحو ذلك.

د.احمد حوا

شخصيات دعوية

المفكر الإسلامي أنور الجندي

ولد الأستاذ أنور الجندي في مدينة (ديروط) بمحافظة أسيوط بمصر سنة 1917م ودرس في مجالي التعليم التجاري والصحفي وعمل بالصحافة حيث كتب في الصحف المصرية والعربية وعكف على تأليف الكتب، وانبرى للتصدي لموجة التغريب التي غزت مصر والعالم العربي.

  سكن في حي (الطالبية) وهو من أحياء القاهرة الشعبية الفقيرة في بيت قديم متهالك كثيراَ ما ينقطع عنه الماء كسائر بيوت الحي وكان كما روت ابنته الوحيدة يقوم بملء البراميل وتوزيعها على الجيران بنفسه وكان يستعمل الحافلات العمومية في تنقلاته، وليس لديه سخان للماء في البيت.

  وقد بدأ الكتابة وعمره 18 عاما وصار له اكثر من مائتين وخمسين مؤلفاً في مختلف المواضيع وتناسب مختلف الأعمار، وكانت كتبه ورسائله تمثّل الزاد المتجدّد لحماية عقول الشباب من التيه والزيف حيث قدمَ خدمات جُلّى بالغة التميّز خدم فيها الفكر الاسلامي المعاصر والثقافة العربية والإسلامية وتاريخ الأدب العربي واللغة العربية، بحيث أصبح مدرسة في التأليف الموسوعي والدفاع عن الفكر الاسلامي بمنهج رشيد واسلوب حكيم يتسمان بالاعتدال والوسطية ومن أهم مقولاته" أنا محام في قضية الحكم بكتاب الله ومازلت موكلا فيها من بضع وأربعين سنة بتكليف بعقد وبيعة إلى الحق تبارك وتعالى، وعهد علي بيع النفس لله والجنة - سلعة الله الغالية - هي الثمن لهذا التكليف قال تعالى:

"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة : 111 )

 ومن اهم موسوعاته وهي :

  معلمة الإسلام في خمسين جزءاً،  وموسوعة المناهج في عشرة أجزاء، في دائرة الضوء في خمسين جزءاً ومن مؤلفاته الإسلام تاريخ وحضارة، الإسلام في وجه التغريب، الإسلام والعالم المعاصر، إطار إسلامي للفكر المعاصر, كي تنام سعيدا، الإسلام والحضارة.

  انتقل إلى رحمته تعالى يوم الثلاثاء (15-11-1422هـ -2002م)  عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عاما وكان عدد المشيعين لا يتجاوز الخمسين فردا فقط!

الشيخ عبدالله العقيل

قصص

النظـــــر الثاقب

سأل الأستاذ سكرتيره عن ذلك الشاب الأسمر، ذي الشعر الأسود المفلفل، فأجاب: إنه قادم من الريف للدراسة في حلب.  في أي صف هو؟

*  في العاشر.

* ما اسمه؟

*  محمد.

* لماذا يقف خلف المقاعد الخلفية دائماً؟

قال السكرتير:

*  لم ألاحظ ذلك يا سيّدي، ولعله الخجل.

قال الأستاذ:

إنه يسترعي انتباهي بهدوئه، وإنصاته، وصمته.

*  سألك مرة سؤالاً يا سيّدي.

*  بل سألني مرتين، وكانت أسئلته تنم عن وعي، وذكاء فطري.

بعد انتهاء الأستاذ من محاضرته، نزل عن المنصة للسلام على الجمهور المحتشد، وعيناه تلاحظان الفتى الريفي الذي كان يراقب الأستاذ عن كثب.

تعمد الأستاذ المرور بالقرب منه، فلم يتحرك الفتى نحو الأستاذ، كانت عيناه تتحركان، بتحرك الأستاذ، وكانت أذناه تلتقطان الكلمات التي يتفوه بها الأستاذ والمسلِّمون عليه.

تحرك الأستاذ حركة خفيفة باتجاه الفتى، ومدّ له يده مسلِّماً:

*  أهلاً بالأستاذ الشاعر محمد.

فوجئ الفتى بسلام الأستاذ، وبوصفه إياه بالأستاذ وبالشاعر، وشغلته المفاجأة عن اليد الممدودة نحوه، فقال له الأستاذ:

*  ألا ترغب في السلام عليّ يا أستاذ محمد؟

مدَّ الفتى يده  وسلّم على الأستاذ دون أن يتكلم.

في المحاضرة الجديدة، كانت عينا الأستاذ تبحثان عن الفتى الريفي الأسمر، فيما كان يلقي محاضرته، حتى إذا ما وقعتا عليه، ركزهما باتجاهه، وكان كأنه يعنيه بحديثه عن الإبداع والمبدعين الذين يعيشون على هامش الحياة، مغمورين، لا يكاد يعرفهم أحد، فهم ليسوا من أبناء المدن الكبيرة، ولا من أبناء الأسر العريقة، ولا من أبناء الأثرياء، ولكنهم عصاميون، أبناء مواهبهم، وأبناء جدهم واجتهادهم، وإني لأرى واحداَ منهم هنا، سوف يملأ هذه الدار بحيويته ونشاطه، برغم هدوئه العجيب، وحيائه الإيماني، وسوف يكون له شأن في حقل الدعوة، وفي ميادين العلم والأدب، برغم كونه شاباً حدثاً لم يتجاوز عامه السادس عشر.

ومنذ سماع الفتى هذه الكلمات التي أضافها إلى كلمات الأستاذ في المحاضرة السابقة، تضاعف جهد الفتى في التحصيل العلمي، وقرأ الكثير من الشعر العربي الأصيل، وحفظ منه ما حفظ، وقرأ ما قرأ من كتب الأدب، واللغة، والنقد، حتى صار اسمه وشخصه على ألسنة الأساتذة والطلاب، كانوا يرونه مكباً على حفظ القرآن، والحديث، والشعر، والأمثال، والحكم، ولا يذكر المدرس حادثةً إلا استشهد الفتى محمد عليها بشاهد أو أكثر، من القرآن، أو الشعر، أو الحكمة، فصار زملاؤه ينادونه بوصف الأستاذ، والشاعر، وصاروا يتسابقون لكسب وده وصداقته.

وعندما كان الناس يسألونه عن سبب نجاحه، بعد أن غدا شاعراً وأديباً كبيراً، كان يقول لهم:

-   إنها دعوة ذلك الأستاذ الصالح. ولكن سكرتير الأستاذ كان يضيف: -  وهو النظر الثاقب لأستاذنا الشيخ رحمه الله.

عبدالله طنطناوي

التعليق