أبو سليم: لا أستطيع أن أكتب فكرة تحتاج إلى شرح عميق

تم نشره في الأربعاء 27 أيلول / سبتمبر 2006. 09:00 صباحاً
  • أبو سليم: لا أستطيع أن أكتب فكرة تحتاج إلى شرح عميق

شاعر يرى أن القارئ لا يملك الوقت لقراءة القصيدة الطويلة

 

حاورته: عزيزة علي

عمان- يرى بعض النقاد ان قصائد الشاعر أحمد أبو سليم تتمثل المنفى والغربة، والضياع في مفردات لم تقتحم القصيدة بقدر ما هي جملة  تجارب عاشها في حياته التي راح يكتبها في قصائده مثلها مثل مرحلة الرومانسية الحالمة التي عاشها ايضا في جانب آخر من قصائده التي يؤكد د. عز الدين المناصرة انها تمثل سمة بارزة خصوصا في بعض القصائد التي تدفق بالايقاع وكثافة العاطفة .

"الغد" التقت ابو سليم وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الشعرية.

* ثمة تنوع في الإيقاع الخارجي في قصائدك وخصوصا في القصيدة القصيرة بديوان "مذكرات فارس"، لماذا هذا التنوع برأيك؟

الشكل مرتبط ببعض محاولات التجريب التي تأتي في حينها من دون عمل ولادة قسرية لها، ولا فرق كما تعرفين بين الشكل والمضمون، اذ أن الشكل هو القشرة الخارجية التي تحوي المضمون، والتي عليها أن تكون مناسبة لهذا المضمون وألا تكسّر المضمون وكسّر معه الشكل، ودمر العمل الفني، ما يفرض القصيدة القصيرة أكثر من مسألة: أولا أنا لا أستطيع أن أكتب فكرة بحاجة إلى شرح عميق ضمن قصيدة قصيرة، لأن ذلك سيقتل الفكرة، لكن ثمة بعض الأفكار التي تأتي كالبرق، كرأس دبوس، ما الذي يمكن أن يحتوي هذه الأفكار غير قصيدة قصيرة أو قصيرة جدا؟ ان الرداء الملائم لهذه الأفكار هو قصيدة قصيرة، لكن مكثفة طبعا تحشد فيها الفكرة بسطور معدودة ولا يكون فيها مكان للزوائد، تماما كالرواية والقصة القصيرة، فتلك تحتشد بالشخوص، والمكان فيها فضاء بلا نهاية والحدث واسع والزمان موجود بلا حساب، أما القصة القصيرة فلا تتسع لكل هذا .

ثانيا: علينا أن نأخذ وقع الزمن بعين الاعتبار، فالزمن السريع كما يسمى-وان كنت أنا لا أؤمن بوجود زمن سريع وزمن بطيء مجازا لأن الإنسان هو الذي يخلق بذاته وقعا للزمن- أصبح هذا الزمن بالمفهوم الذي طرح به يفرض نفسه على الواقع، فالقصيدة القصيرة سهلة البلوغ، سهلة القراءة، عميقة المعاني قد تترك أثرا في ذلك الذي ما فتئ يكرر أنه لا يمتلك الوقت للقراءة، مع أنني أعتقد أن من لا يملك الوقت لقراءة قصيدة طويلة لا يملك الوقت لقراءة قصيدة قصيرة، ولا أريد التعميم. أجمل ما في القصيدة القصيرة هو الأثر السريع الذي تتركه لدى القارئ، والدهشة، والمفاجأة التي تأتي عبر زمن قصير جدا، فتترك خلفها مساحة من الفراغ والسؤال، والفرق كما قلت بالأصل هي الفكرة التي تفرض شكل القصيدة.

* تكتب قصيدة التفعيلة الطويلة، لماذا اخترت هذا النوع من القصائد؟

تجتذبني الموسيقى في قصيدة التفعيلة، وان كنت قد لاحظت فقصائدي ترتكز كثيرا على تداعي التفاعيل، أشعر معها بالذوبان، أنا بالأصل أعزف الجيتار وأعشقه، وأحب الموسيقى كثيرا، واستمتع بقراءة الشعر الذي يضج بها، أشعر مع موسيقى الشعر بسهولة الولوج في عالم الرتم الموسيقي وبالتالي ولوج الفكرة، حتى في النثر أبحث دائما عن أي موسيقى تطربني، وذلك لاعتقادي بأن الموسيقى هي احدى أدوات السحر الإنساني، الذي يشبع رغبة ما مجنونة في أعماق الإنسان ومن هنا أفهم تحريم الإسلام للموسيقى، اذ أنها توصل الإنسان إلى نشوة مجنونة ينسى معها كل ما حوله، هذه الموسيقى حين نحسها تتدفق في القصيدة بسلاسة نصبح معها قادرين على الشعور- وأضع خطا تحت هذه الكلمة – بالشعر. أما لماذا القصيدة الطويلة فقد قلت سابقا أن شكل القصيدة مرتبط بمجموعة الأفكار والرؤى التي تطرحها القصيدة، وهو قابل دائما للتغيير حسب الفكرة والرؤية والتطور والقناعات، فالفكرة تفرض الشكل مثلا لكن العكس ليس صحيحا، اذ لا يمكن أن يكون الشكل هدفا بحد ذاته.

* يقال إن الشعر الثوري أفل نجمه. ما رأيك في هذا القول وأنت تكتب القصيدة الثورية الآن؟

للقصيدة الثورية نجم لا يختفي، ولكن علينا أن نعرف الثورة أولا حتى نستطيع فهم قصيدتها. والثورات لا تنتهي ولكن بصر الإنسان قصير لا يرى أكثر من حدود السنوات الستين التي يعيشها حتى لو درس التاريخ، أريد أن أسألك سؤالا: من الذي يطلب الماء ويحتاجه أكثر، العطشان أم ذلك الإنسان الذي شرب حتى الارتواء؟ بالمنطق: العطشان طبعا، إذن ما حاجتي إلى الشعر الثوري في زمن الازدهار – طبعا إذا ما استثنينا شعر الثورة النقد– ما يجري الآن هو ما يجري في ملاعب كرة القدم إذ سمعت لاعبا أردنيا يقول ذات يوم: في الوقت الذي نكون نحن فيه مغلوبين وبأمس الحاجة إلى التشجيع يسكت الجمهور وفي الوقت الذي نكون منتصرين نسمع هدير الجمهور – وهذا ما جرى بالضبط معنا، حين كانت الثورة في أوجها صفقنا وكانت أصواتنا تملأ الأرض، وحين أصبحنا بأمس الحاجة في زمن الغزو الثقافي المنظم المكثف لأن ندافع عن موروثنا الأخلاقي والثقافي، صمتنا، واتهمنا من يكتب للثورة بأنه رجعي لا يحب الحداثة، وكأن الحداثة هي ما يقرر الآخرون على الطرف الآخر – السياسيون– بأنه الحداثة، علينا باعتقادي بأن نكون أكثر وعيا بما يجري، أنا أؤكد لك بأننا نذوب، الآن بالذات نذوب، وسيأتي يوم ان لم نستطع فهم المعادلة والدفاع عن منظومتنا الثقافية والإنسانية بشراسة نصبح فيه مثل الأمم التي ذابت، لا تعتقدي أن ذلك صعب فأولئك الذين ذابوا ما كانوا أبدا يعرفون أنهم قد أخذوا بالذوبان حين بدأوا به. والحي يعتقد بأنه آخر من يموت وإذا به أول من يموت، ولتكن هذه الكلمات صرخة من خلالكم لكي ننهض من سباتنا، ونؤسس لحداثتنا نحن، تلك الحداثة التي تأتي كتطور طبيعي لما نمتلك، لا الحداثة التي تفرض الآن قسرا علينا.

* يرى الشاعر عز الدين المناصرة أن أهم سمات ديوانك الأول هي:"تدفق الإيقاع، وكثافة العاطفة"، وقال الشاعر لافي عن الديوان الثاني انك وطأت أرض الواقع بعيدا عن التهويل والمبالغة الرومانسية؟ ما رأيك في هذين القولين وهل تراجعت القصائد الرومانسية في شعرك؟

لم تتراجع الرومانسية، فمخاطبة مشاعر الإنسان العربي هي أول الطريق إلى عقله، والعربي، كما تعرفين، عاطفي، اذن فلا مناص من العواطف التي تشكل اللبنة الأساسية في البناء الشعري لكن الفرق بين الديوان الأول والثاني من هذه الناحية كما قال الدكتور عز الدين والشاعر محمد لافي فيما بعد، هو في تراجع في التدفق العاطفي الهائل الذي وسم الديوان الأول على حساب توضيح الفكرة وقد ظلت العاطفة أساسا في الديوان الثاني مع محاولة رؤيا أعمق للفكرة، اذن فالمسألة هي محاولة موازنة بين الفكرة والعاطفة، وهذا باعتقادي نوع من التطور الذي لا بد منه بعد نضوج التجربة أكثر فأكثر، يجب على التجربة ألا تتوقف عند حد وإلا ماتت .

التعليق